“جاموس ترامب” والعجل الذي له “خوار أمريكي” !

من عجل بني إسرائيل إلى “جاموس ترامب”، هكذا تتشابه بعض التفاصيل، لتفضح عقولا بشرية، كانت ومازالت تصنع الوهم.
هناك ، في عهد نبي الله موسى ، صنع السامري عجلًا ذهبيًا من حُليّ القوم، فالتفّ بني إسرائيل حوله وعبدوه رغم أنهم رأوا معجزات موسى بأعينهم، وهنا بعد آلاف السنين، يتجمهر الناس في بنجلاديش حول جاموسة شقراء تشبه دونالد ترامب، تتحول من أضحية عادية إلى قضية رأي عام، ثم إلى “حيوان محمي” تتدخل الدولة لإنقاذه من الذبح خوفًا من ردود الفعل والاهتمام الجماهيري. وبين المشهدين، تبدو البشرية وكأنها لم تتغير كثيرًا.. فقط استبدلت الذهب بالكاميرات، والخوار بالعناوين الرائجة، والسامري بخوارزميات السوشيال ميديا.

العجل القديم لم يكن مجرد تمثال، بل كان اختبارًا قاسيًا لقابلية البشر لصناعة الوهم ثم الانحناء له، وحين غاب موسى عليه السلام أيامًا قليلة، لم يحتمل قومه فراغ اليقين، فصنعوا لأنفسهم إلهًا يمكن رؤيته ولمسه وسماع صوته. واليوم، تفعل بعض الدول الشيء نفسه بصورة أكثر حداثة وتعقيدًا، إذ لم تعد الشعوب تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن التبعية لمن يمتلك القوة، ولو تجسدت تلك القوة في صورة زعيم، أو شعار، أو حتى جاموسة شقراء.

قصة “جاموس ترامب” تبدو للوهلة الأولى مادة خفيفة للترفيه، لكنها في العمق كاشفة بصورة مرعبة لما وصلت إليه بعض الشعوب .. حيوان نادر يتحول إلى ظاهرة ، فقط لأن شعره الأشقر ذكّر الناس بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. الحشود تتدافع لالتقاط الصور، ومواقع التواصل تشتعل، والسلطات هناك تتدخل في اللحظة الأخيرة لإنقاذه من الذبح، ثم يُنقل إلى حديقة الحيوانات الوطنية وكأنه قطعة سياسية نادرة لا مجرد جاموسة.

هنا لا تصبح القصة عن الحيوان، بل عن “الهالة”، وعن تلك القداسة غير المعلنة التي أحاطت بالاسم الأمريكي حتى صار مجرد التشابه الشكلي مع رئيس الولايات المتحدة كافيًا لصناعة حالة جماهيرية كاملة، وكأن الجاموس اكتسب حصانة رمزية لأنه يحمل شعر ترامب، لا أكثر.

النفوذ الأمريكي.. عجل تطوف حوله الحكومات

في الحقيقة، لم يعد “العجل” في عالم اليوم تمثالًا من ذهب، بل منظومة كاملة اسمها النفوذ الأمريكي. عجل حديث تطوف حوله الحكومات، وتخشى غضبه الأسواق، وتترقب كلماته نشرات الأخبار. دول كثيرة لا تتحرك وفق مصالح شعوبها بقدر ما تتحرك وفق اتجاه الريح القادمة من واشنطن، وكأن البيت الأبيض أصبح النسخة السياسية الحديثة من العجل الذي يخشى الجميع الخروج عن طاعته.

والأخطر أن هذا “العجل الأمريكي” لا يحتاج حتى إلى فرض نفسه بالقوة دائمًا، فهناك أحيانًا من يتطوع بتقديسه. يكفي أن يتحدث رئيس أمريكي حتى تتحول تصريحاته إلى مصير لدول بأكملها، ويكفي أن يلوّح بعقوبات حتى ترتجف اقتصادات، أو يبتسم حتى تتسابق الأنظمة لالتقاط الصور بجواره.

عبادة جديدة قائمة على الخوف والإنبهار والتبعية

 إنها عبادة من نوع جديد، لا تقوم على السجود المباشر، بل على الخوف والانبهار والتبعية، وإذا كان السامري قد صنع عجله من ذهب بني إسرائيل، فإن النظام العالمي الحديث يصنع عجوله من خوف الشعوب وضعفها وحاجتها الدائمة إلى “قوة عظمى” تتعلق بها، الفرق فقط أن العجل القديم كان له خوار محدود في صحراء ضيقة، أما العجل الحديث فله خوار يصل إلى كل هاتف وشاشة ومنصة أخبار على الكوكب.

المفارقة الساخرة أن جاموس ترامب، الذي كان يفترض أن ينتهي به الأمر أضحية عيد، انتهى رمزًا سياسيًا ساخرًا لعالم يقدّس القوة حتى لو ظهرت في هيئة حيوان أشقر، وربما لهذا بدت القصة مضحكة ومحزنة في الوقت نفسه، لأنها تكشف كيف يمكن للجماهير أن تمنح الهالة لأي شيء يقترب من مركز النفوذ العالمي.

السعيد في هذه القصة، أن التاريخ يحمل درسًا لا يتغير.. عجل بني إسرائيل انتهى محروقًا مسحوقًا في البحر، بعدما ظن الناس للحظات أنه خالد، وكل عجل يصنعه البشر، مهما بدا قويًا أو مهيبًا أو محاطًا بالضجيج، يحمل داخله بذور سقوطه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *