وصل للأخبار |مستقبل إيران بين سقوط النظام وإخضاعه
من الشاه إلى الجمهورية الإسلامية: كيف أعادت القوى الكبرى تشكيل إيران؟
في عام 1976، جلس شاه إيران محمد رضا بهلوي أمام الإعلامي الأمريكي الشهير مايك والاس، في مقابلة تلفزيونية أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر الحوارات السياسية إثارة في تاريخ الشرق الأوسط. كان الشاه آنذاك يبدو في ذروة قوته؛ حليفًا استراتيجيًا لواشنطن، وركيزة أساسية في منظومة الأمن الأمريكي بالخليج، وحاكمًا لدولة تمتلك واحدًا من أقوى الجيوش في المنطقة وأكثر الاقتصادات نموًا.
ماذا قال الشاه تحديدًا؟
أكثر الأجزاء إثارة للجدل كانت عندما تحدث عن النفوذ المؤيد لـ”إسرائيل” داخل الولايات المتحدة. قال الشاه إن “اللوبي اليهودي” يؤثر على الصحافة والبنوك وحتى القرار السياسي الأمريكي فيما يتعلق بـ”إسرائيل” والشرق الأوسط.
لم تكن تلك التصريحات مجرد رأي سياسي، بل لحظة اصطدام مباشرة مع مصالح دولية كبرى. وبعد أقل من عامين، سقط النظام الملكي الذي حكم إيران لعقود، وغادر الشاه البلاد مريضًا ومنفيًا، لتدخل إيران عصرًا جديدًا بقيادة روح الله الخميني.
جانب من المقابلة مع الشاه
هل كانت المقابلة سببًا في سقوط الشاه؟
الإجابة المختصرة: لا.
لكن العديد من الباحثين يعتبرون أنها ساهمت في تسريع تراجع صورته لدى الغرب، لأنها:
- كشفت توتر علاقته بواشنطن.
- أبرزت ملف حقوق الإنسان والتعذيب في إيران.
- أظهرت أنه لم يعد “الحليف المثالي” للولايات المتحدة.
- أثارت جدلًا واسعًا داخل الإعلام الغربي.
كما أنها جاءت في وقت بدأت فيه إدارة جيمي كارتر تركز علنًا على ملف حقوق الإنسان، وهو ما زاد الضغط على النظام الإيراني في ذلك الوقت
ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف الجدل حول السؤال الأخطر في تاريخ إيران الحديث: هل كانت الثورة الإيرانية انتفاضة شعبية خالصة، أم أنها جاءت أيضًا نتيجة تقاطع مصالح دولية أعادت تشكيل المنطقة بالكامل؟
الشاه الذي أصبح عبئًا على الغرب
خلال سبعينيات القرن الماضي، كانت إيران تمثل الحليف الأهم للولايات المتحدة في الخليج. اعتمدت واشنطن على الشاه باعتباره “شرطي المنطقة”، خاصة بعد الانسحاب البريطاني من الخليج وتصاعد الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي.
لكن الشاه، الذي راكم نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا هائلًا، بدأ تدريجيًا يتصرف باستقلالية أكبر، خصوصًا في ملف النفط. ارتفاع أسعار النفط بعد حرب 1973 منح إيران قوة مالية ضخمة، وأثار قلق الشركات النفطية الغربية والدول الصناعية الكبرى.
قال الشاه، في يناير 1980، في تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، إن “الإطاحة به جزء من مخطط لرفع أسعار النفط”.
وأضاف الشاه أن هناك مصادر مرتبطة بشركات النفط أخبرته قبل عامين من سقوطه بأن النظام في إيران سيتغير، وأضاف أن إيران ربما “اختيرت للتضحية” من أجل تقليل إنتاج النفط ورفع الأسعار العالمية.
وفي المنفى، لم يُخفِ الشاه اقتناعه بأن ما جرى لم يكن عمل رجل دين منفرد. ففي مقابلة مع الإعلامي البريطاني ديفيد فروست قال:
“هل تعتقد أن الخميني شخص غير متعلم؟ كان بإمكانه التخطيط لكل هذا… رجل واحد لا يستطيع فعل ذلك وحده”.
حتى هيئة الإذاعة البريطانية BBC تعرضت لاتهامات من الشاه بأنها لعبت دورًا إعلاميًا محوريًا في تضخيم خطاب الخميني وإضعاف صورته داخليًا.
الخميني… الثورة التي راقبتها أجهزة العالم
الرواية التقليدية للثورة الإيرانية تقول إن روح الله الخميني قاد انتفاضة دينية شعبية أطاحت بالشاه المدعوم أمريكيًا. لكن الوثائق والشهادات التي ظهرت خلال العقود الماضية رسمت صورة أكثر تعقيدًا للحقيقة.
كشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية، في عام 2016، عن وثائق تُظهر أن إدارة الرئيس جيمي كارتر مهدت الطريق لعودة الخميني من فرنسا إلى إيران، بمنعها الجيش الإيراني من تنفيذ انقلاب عسكري ضده.
وكُشف أيضًا عن رسائل متبادلة بين الخميني والإدارة الأمريكية، تضمنت تطمينات واضحة بأن مصالح واشنطن لن تتضرر بعد سقوط الشاه. إحدى الرسائل، التي نُقلت عبر أستاذ جامعي مقرب من الإسلاميين في طهران، أكدت أن الخميني يرى الوجود الأمريكي ضروريًا لموازنة النفوذ السوفييتي.
كما نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وثائق تفيد بأن الخميني تبادل رسائل سرية مع إدارة جون كينيدي عام 1963، مؤكدًا فيها أن هجومه العلني على واشنطن لا يعني تهديد المصالح الأمريكية في إيران.
هذه الحقائق التاريخية تكشف أن الثورة الإسلامية لم تكن مجرد انتفاضة شعبية عفوية، بل نتاج تدخلات دولية معقدة خدمت مصالح نفطية واستراتيجية مؤقتة، قبل أن تتحول إلى نظام يواجه اليوم نفس القوى التي ساعدت في ولادته.
تعرض النظام الإيراني الحالي لضربات متتالية أضعفت أركانه بشكل كبير.
بعد الهجوم المفاجئ الذي شنته حماس في 7 أكتوبر على ما يسمى غلاف غزة، وما أعقبه من توحش إسرائيلي غير مسبوق، قررت “إسرائيل” تغيير قواعد الاشتباك، وسعت إلى شلّ ما يسمى “محور المقاومة” الذي تقوده إيران.
بعد توجيه ضربات قاسمة لقدرات حزب الله في لبنان، وإسقاط النظام السوري النصيري، أحد أبرز أعمدة هذا المحور، شنت “إسرائيل” في 13 يونيو 2025 ضربة استباقية واسعة النطاق ضد إيران تحت اسم عملية “الأسد الصاعد”.
شاركت الولايات المتحدة لاحقًا في العمليات الهجومية باستخدام قاذفات B-2 Spirit الاستراتيجية وصواريخ توماهوك، مستهدفة المنشآت النووية الإيرانية. استمرت هذه المواجهة 12 يومًا.
وفي ذلك الوقت، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لا يسعى إلى “تغيير النظام” في إيران، محذرًا من أن ذلك قد يؤدي إلى فوضى واسعة، وأعلن أن القدرات النووية الإيرانية قد تم تدميرها بشكل يحول دون إعادة بنائها في المدى المنظور.
وفي 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة و”إسرائيل” هجومًا مشتركًا جديدًا على إيران، بعد تقدم محدود في المفاوضات. استمرت الحرب 40 يومًا، شهدت خلالها إيران خسائر فادحة في قيادتها العسكرية العليا، بما في ذلك مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. وانتهت المواجهة باتفاق وقف إطلاق نار مؤقت.
أعلن الرئيس ترامب لاحقًا تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى، مع استمرار جولات مفاوضات بطيئة ومتعثرة. وما زالت المنطقة تعيش حالة “لا حرب ولا سلام”، وسط استمرار أزمة الملاحة في مضيق هرمز وتأثيرها السلبي على أسعار الطاقة العالمية.
إيران اليوم بين الانهيار الاقتصادي والضغوط العسكرية
اليوم، تواجه إيران مزيجًا من:
- انهيار اقتصادي.
- تضخم مرتفع.
- تراجع العملة.
- غضب شعبي واسع.
- عزلة مالية.
- ضغوط عسكرية
هل سيسقط النظام الإيراني أم سيخضع؟
السؤال الذي يشغل العواصم الكبرى اليوم ليس فقط: هل يسقط النظام؟ بل: ماذا سيحدث إذا سقط فعلًا
لماذا يخشى الغرب سقوط النظام الإيراني؟
رغم العداء الطويل بين إيران والولايات المتحدة، فإن سيناريو انهيار الدولة الإيرانية يثير قلقًا عميقًا لدى الغرب ودول المنطقة.
إيران ليست دولة صغيرة أو معزولة، بل قوة إقليمية تمتلك:
- موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا.
- ثاني أكبر احتياطي غاز عالمي.
- نفوذًا ممتدًا في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
- بنية عسكرية وأمنية ضخمة.
وانهيار النظام قد يفتح الباب أمام:
- حرب أهلية.
- تفكك قومي ومذهبي.
- صراع داخل المؤسسة العسكرية.
- موجات لجوء ضخمة.
- فوضى في أسواق الطاقة العالمية.
لهذا، تبدو الاستراتيجية الغربية الحالية أقرب إلى “إخضاع إيران” لا إسقاطها.
إخضاع إيران… الاستراتيجية الجديدة
المقصود بإخضاع إيران ليس احتلالها عسكريًا، بل دفعها تدريجيًا إلى قبول قواعد جديدة، عبر:
- العقوبات الاقتصادية.
- العزل المالي.
- الضغط العسكري.
- استنزاف نفوذها الإقليمي.
الهدف النهائي يتمثل في تحويل إيران من مشروع توسع إقليمي إلى دولة منشغلة بإدارة أزماتها الداخلية.
بمعنى آخر، تريد القوى الكبرى إعادة إنتاج التجربة الإيرانية بصورة معاكسة لما حدث مع الشاه:
ليس إسقاط الدولة بالكامل، بل إعادة تشكيل سلوكها السياسي والاقتصادي بما يخدم التوازنات الدولية.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
المفارقة الكبرى أن النظام الإيراني الحالي يواجه اليوم بعض الظروف نفسها التي واجهها الشاه:
- أزمة اقتصادية.
- غضب شعبي.
- عزلة دولية.
- صراع على النفط والطاقة
- .ضغوط أمريكية وغربية.
لكن الفرق أن إيران تعلمت من مصير الشاه، لذلك أصبحت أكثر تشددًا وأقل استعدادًا لتقديم تنازلات قد تهدد بقاءها.
ومع ذلك، فإن التاريخ الإيراني يثبت أن الأنظمة لا تسقط دائمًا بسبب الاحتجاجات فقط، بل عندما تتقاطع الأزمات الداخلية مع التحولات الدولية الكبرى.
الخاتمة:
إيران بين التحول والانفجار
بعد 47عامًا على سقوط الشاه، تبدو إيران وكأنها تدور في الحلقة التاريخية نفسها، لكن بأدوات مختلفة.
القوى الكبرى التي ساهمت يومًا في إنهاء حكم محمد رضا بهلوي، تحاول اليوم احتواء النظام الذي جاء بعده.
قد لا تسقط إيران غدًا، وقد لا تنجح أيضًا في استعادة قوتها السابقة. لكن المؤكد أن إيران دخلت مرحلة إعادة تشكل تاريخية، وأن “الشرق الأوسط” كله سيتأثر بما ستؤول إليه هذه المعركة المفتوحة بين البقاء والإخضاع.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تتجه إيران نحو مصير يشبه مصير الشاه، أم أن النظام الحالي سينجح في إعادة إنتاج نفسه من جديد تحت ضغط النار والعقوبات؟
المصادر:
تقرير صحيفة “الغارديان” البريطانية
تقرير صحيفة “واشنطن بوست”
https://www.washingtonpost.com/archive/politics/1980/01/18/shah-calls-ouster-part-of-a-scheme-to-lift-oil-prices/cc837845-9d3c-41d0-9b0c-c403dbdb7ee6/





اترك تعليقاً