المحتال الجديد … مكالمات صامتة قد تدمر حياتك

855eeea5 20d2 454d 83b4 19fbb0ce6757

المحتال الجديد … مكالمات صامتة قد تدمر حياتك.

في ظل التسارع المذهل لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تحول ما كان يُنظر إليه كمصدر للتقدم العلمي والتكنولوجي إلى أداة خطرة يوظفها المحتالون في عمليات احتيال متقدمة، بل وأكثر إقناعًا من أي وقت مضى. لم تعد الاحتيالات الإلكترونية مقتصرة على رسائل البريد العشوائي أو المكالمات العشوائية، بل أصبحت اليوم محمولة على خوارزميات ذكية، تُعيد تصميم الهوية الرقمية للضحية، وتنتحل صوت القريب، وتصنع فيديوهات مزيفة تبدو حقيقية للعين البشرية.

تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى غطاء للخداع

في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة “التزييف العميق” (Deepfake) كأبرز صورة للاستخدام المظلم للذكاء الاصطناعي. باستخدام نماذج توليد الفيديو والصوت، يمكن للمحتالين إنشاء مقاطع صوتية أو مرئية تُظهر شخصًا معروفًا يقول أو يفعل أمورًا لم يقلها أو يفعلها فعليًا. في بعض الحالات، تُستخدم هذه المقاطع لابتزاز الأفراد، أو لإيهامهم بوجود حالة طارئة يتطلب حلها دفع مبلغ مالي فورًا. في حالات أخرى، تُستغل في التلاعب بالرأي العام، أو في محاولة تشويه سمعة شخصيات عامة أو مؤسسات.

إلى جانب التزييف المرئي، دخلت تقنيات استنساخ الصوت حيز التنفيذ بشكل واسع. أصبح من الممكن، ببضع دقائق من التسجيل، تدريب نموذج ذكاء اصطناعي على نسخ نبرة وطريقة نطق شخص حقيقي، ثم استخدامه في مكالمة هاتفية أو محادثة صوتية تُهدَف إلى سحب معلومات حساسة أو خداع مكاتب الخدمة للتحويلات المالية. يُعد هذا النوع من الاحتيال خطيرًا جدًا، لأنه يُذكّر الضحية بأسلوب قريب أو مسؤول يعرفه، ما يُضعف حاسة التشكك التي كانت تُعدّ حواجز أولية أساسية في مواجهة الاحتيال التقليدي.

ولقد ظهر في آخر بضعة أشهر الطريقة الجديدة من الاحتيال بالصوت، وهي عن طريق أن تأتيك مكالمة لا تسمع فيها صوتاً أولاً وبمجرد أن تنطق بالعبارات التي تستوجب في الطرف الأخر للحديث يتم انتهاء المكالمة، وفي خلال الثواني فقط يتم أخذ صوتك ويتم عمل استنساخ لصوتك ويمكن استخدامه في أعمال احتيالية، ولذلك ينصح بعد البدء في الحديث للطرف الأخر حتى تتأكد من صحة انسانيته.

ولقد ظهرت واقعة في أمريكا في الأشهر المنصرمة. فلقد فوجئت أسرة طالب جامعي بتلقيهم اتصالاً هاتفياً وبدأ المتحدث هو ابنهم يشكو موقفاً حرجاً يحتاج فيه أمولاً ضرورية وسيتواصل معهم حين الانتهاء؛ لإخبارهم بالأمر، وتم الارسال لحساب بنكي مختلف، ولم تكتشف الأسرة الأمر إلا بتلقيها اتصالاً هاتفياً من ابنهم يتحدث بعفويته، لتتأكد أن ما حدث لم يكن إلا ذكاء اصطناعي احتيالي.

التصيد المتقدم والرسائل “الشخصية”

لم يعد الاحتيال يعتمد فقط على الرسائل العشوائية المكتوبة بلغة عامية ركيكة. مع تطور نماذج اللغة الكبيرة، أصبح من الممكن توليد محتوى احتيالي شديد الاحترافية وطبيعي الصياغة، يستهدف ضحية بعينها استنادًا إلى بياناتها المتاحة على الإنترنت. المحتالون يجمعون معلومات عن الضحية – من مواقع التواصل الاجتماعي، إلى المقالات الإخبارية، إلى بيانات العمل – ثم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لكتابة رسائل بريد أو محادثات واتساب تبدو وكأنها تنبع من مصدر موثوق: مدير الشركة، مسؤول بنكي، أو جهة حكومية.

هذا النوع من التصيد يُسمى “التصيد الموجّه” أو “التصيد المتقدم”، وغالبًا ما يحتوي على تفاصيل دقيقة تزيد من إحساس الضحية أنه يتعامل مع شخص حقيقي أو معاملة رسمية. وقد أظهرت دراسات حديثة أن نسبة الرسائل الاحتيالية التي تحتوي على عناصر ذكاء اصطناعي في محتواها قد ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية، ما يعكس مدى اعتماد المحتالين على هذه التقنيات.

الاحتيال المالي والعالِم بالبنوك

في القطاع المالي، يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الاحتيال المصرفي من أكثر التحديات إثارة للقلق. بات بعض المحتالين قادرين على تزوير بيانات هوية رقمية، وتكملة استمارات افتراضية، وتجاوز بعض أساليب التحقق الآلي التي كانت تُكتَفَى بها في السابق. في بعض الحالات، تُستخدم نماذج توليد النصوص لكتابة طلبات قروض أو فتح حسابات جديدة تحت أسماء وهمية، مع استخدام بيانات حقيقية مقسّمة من مصادر مختلفة، ما يخلق صورة شبه موثوقة تُربك الأنظمة التلقائية.

ومع ظهور قدرات الذكاء الاصطناعي في المرئيات وبالأخص توليد الصور، أصبحت تستخدم النماذج المدفوعة لخلق صور لا تختلف بشيء عن الصورة الحقيقة من جوازات السفر، شهادة رقم الهوية، ودخلت في مستندات الزواج والطلاق.

إلى جانب ذلك، يلاحظ الخبراء أن التقنيات الحديثة تُستخدم أيضًا في توليد محتوى احترافي يُقدَّم على أنه “استشارات استثمارية” أو “فرص تداول مضمونة”، غالبًا في سياق العملات الرقمية، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لبرمجة روبوتات تدير حوارًا مطوّلًا مع المستخدم، تُقنعه بفتح حسابات وتحويل مبالغ، ثم تختفي بعد تحصيل المبلغ.

كيف يستعد الضحايا والمجتمع لهذه الموجة الجديدة؟

في ظل هذه التطورات، لم يعد الكشف عن الاحتيال مسألة بسيطة تعتمد على رصد الأخطاء اللغوية أو التنسيق السيء في الرسالة. لقد أصبح المحتوى الاحتيالي أكثر احترافية وأكثر تخصيصًا، ما يُعدّد من مسؤولية الفرد في الحماية الرقمية. من بين أهم الخطوات الوقائية التي يُنصح باتباعها: التثبت من أي طلب مالي أو إرسال بيانات حساسة عبر قنوات اتصال ثانية موثوقة، وعدم الثقة في الرسائل أو المكالمات التي تطلب معلومات شخصية أو بطاقات ائتمان، حتى لو بدا المتحدث أو المرسل مألوفًا.

كما يُنصح بتفعيل المصادقة الثنائية على جميع الحسابات المهمة، وتفعيل مراقبة حسابات البنوك والنقلات المالية، وإبلاغ الجهات المختصة فورًا عند الاشتباه في أي نشاط غير معتاد. إلى جانب ذلك، تبرز ضرورة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي في جهات الأمن السيبراني والمؤسسات المالية نفسها، لاستخدام التكنولوجيا نفسها في كشف أنماط الاحتيال واكتشاف التزييف المبكر، قبل أن يتحول إلى خسائر مالية أو أخلاقيّة واسعة.

لماذَا ينبغي أن يدق التحذير ناقوس الخطر؟

ما يُضيف إلى خطورة الوضع هو أن الاحتيال بالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على فئة معينة من الأشخاص، بل يمتد إلى مختلف الأعمار والتعليمات. فالأبسطية في استخدام التقنيات المتاحة اليوم تجعل من السهل على أي شخص، ليس بالضرورة قرصانًا محترفًا، أن يُنتج محتوى احتيالي مقنع نسبيًا. مع ذلك، تبرز فرصة أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه في تعليم الجمهور، وتدريبهم على كيفية تمييز الاحتيال، وبناء وعي رقمي أكثر صلابة أمام هذه الموجة الجديدة من الخداع.

في النهاية، لم يدلف الذكاء الاصطناعي بعدُ مساحة الابتكار والتطوير، لكنه يضع في يد المحتالين سلاحًا جديدًا، ولذا يتطلب من الحكومات، وشركات التكنولوجيا، والمواطنين، المناورة بذكاء أكبر لضمان أن تبقى هذه الأداة في خدمة المجتمع، لا في خدمة الاحتيال والخداع.



المصادر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *