ننقل لكم التقرير الخاص الذي أعدته وكالة أنباء أراكان بعنوان: “أمانة الأجداد.. الروهينجا يورّثون “أسماءهم الإسلامية” كدرع يتحدى “إبادتهم الثقافية”:
“بقاؤنا في حد ذاته هو شهادة قوية على صمودنا”. بهذه الكلمات التي تحمل في طياتها مرارة القمع ممزوجة بفخر البقاء، يلخص الشيخ عطا الله، الأكاديمي والباحث الروهينجي، معركة لم تُستخدم فيها المدافع، بل كانت ساحتها شهادات الميلاد ودفاتر الهوية.
هنا في أروقة مخيمات اللجوء الممتدة في بنغلاديش، ووسط المنافي البعيدة في كندا وأستراليا، لا يزال الروهينجا يخوضون حرباً صامتة ضد “الإبادة الثقافية” التي مارستها السلطات في ميانمار لعقود ضدهم.
الاسم -خندق للمقاومة-
لم تكن الأسماء العربية والإسلامية على وجه العموم بالنسبة لأقلية الروهينجا يوماً مجرد اختيار، بل كانت ولا تزال رمزاً للمقاومة بشتى أشكالها. فالتاريخ يثبت أن الإسلام وصل إلى ولاية أراكان منذ القرن الثامن الميلادي عبر البحارة العرب، لتبدأ منذ ذلك الحين مسيرة تجذر الهوية التي يحاول العنصريون اقتلاعها.
ويبرز نظام التحقق من الهوية المعروف باسم “سوي تين سيت” كأحد أبشع أدوات الرقابة السكانية التي فرضتها ميانمار متذرعةً بدواعي الأمن القومي؛ حيث أُخضع الروهينجا لتوثيق أمني مكثف يهدف لمحاصرة هويتهم.
وفي واقعة توثق ثمن التمسك بهذا الحق، يروي الشيخ عطا الله تعرضه للاعتقال والتعذيب والتقييد بالأصفاد لعشرة أيام عام 2013، لمجرد مطالبته بالحق في “التسمية الذاتية” كروهينجي، استناداً إلى المادة 32 من دستور ميانمار لعام 2008.
ورغم ذلك تظل المؤسسات الدينية التي تحمل أسماء عربية، مثل مدرسة “أم المدارس” الخاصة بتعليم القرآن الكريم التي تأسست عام 1710 في “راسيدونغ”، هي الحاضنة الأولى لهذه الأسماء.
ويرى الخبراء أن المحاولات “المستميتة” لمحو هذا الرابط ستفشل؛ لأن لغة الروهينجا استعارت مصطلحات عربية أصيلة مثل “صابون” و”كتاب”.
تجريم للغة
لم يتوقف الاضطهاد عند منع الأسماء، بل امتد لتجريم اللغة؛ حيث تشير التقارير إلى سجن أفراد لمجرد عدم قدرتهم على التحدث باللغتين البورمية أو الراخين. هذه الممارسات صُنفت دولياً وميدانياً كجهود “منهجية ومصممة لمحو شعب” من خلال استهداف لغته وثقافته.
وبحسب إفادات حصلت عليها “وكالة أنباء أراكان”، فقد أدت هذه السياسات إلى اختفاء العديد من الأشخاص ووفاة آخرين داخل مراكز الاحتجاز نتيجة مقاومة هذا “القمع الثقافي”.
وتتقاطع هذه الشهادات مع التقارير الرسمية للأمم المتحدة ومنظمة “العفو الدولية”، التي تعتبر أن إجبار السكان على التخلي عن مسمياتهم التاريخية واستبدالها بمسميات تفرضها السلطة (مثل وصف الروهينجا بالبنغاليين)، انتهاك صارخ للمواثيق الدولية التي تكفل للأقليات حق استخدام لغتهم وأسماءهم والتمتع بها.
غير أن الهوية الروهينجية أثبتت أنها تتجاوز “الاسم” لتشمل نمط حياة كامل؛ حيث يؤكد “مولانا أبو الكلام”، وهو عالم إسلامي نزح من ميانمار عام 2017، (هرباً من الاضطهاد وموجة العنف)، أن الهوية تتجسد في طقوس الطعام والاحتفالات، مثل وجبات “بينيسوا” وأطباق “بهات فيرا” الموسمية… التي تُبقي “الجذور حية” في المنفى.
-تقية ثقافية-
تاريخياً، اضطر الروهينجا لممارسة نوع من “التقية الثقافية” داخل ميانمار؛ حيث كانوا يحملون أسماءً بورمية إلى جانب أسمائهم الإسلامية لتجنب الاضطهاد في المدارس وأماكن العمل.
وخلال حديثه مع وكالة أنباء أراكان، يستذكر أبو الكلام بنبرة يملؤها الحنين: “في ثقافتنا، عند ولادة أي طفل، جرت العادة على دعوة عالم دين إسلامي محلي وشيوخ القرية إلى المنزل، يجتمعون معاً لمناقشة اسم جميل متجذر في التراث الإسلامي واختياره”.
ويضيف بادياً على محياه: “في أراكان، كان البرلمانيون والناشطون يضطرون لازدواجية الاسم، مثل الناشطة “واي واي نو” التي تحمل في الحقيقة اسم “شيحانة”، والبرلماني “شفي ماونج” الذي يعرف بـ”عبد الرزاق”.
لكن اليوم، ورغم مرارة اللجوء، بدأت هذه الأسماء المستعارة في التلاشي تدريجياً. ويشير أبو الكلام إلى أن جيل المخيمات اليوم بات يكتفي باسمه العربي الخالص، وكأن اللجوء (رغم قسوته) قد حرر أسماءهم من عبء “التخفي” الذي فرضته السلطات في ميانمار.
الاسم -عابر للحدود-
تمتد هذه الظاهرة إلى الجيل الشاب في الشتات؛ حيث يرى عظيم الحسن، المصور الصحفي المقيم في كندا، أن اسمه العربي بمثابة “جسر” يربطه بقضية شعبه.
يقول عظيم: “اسمي يذكرني بديني وهويتي.. إنه طريقتنا لإبقاء تقاليدنا حية، وسأختار لأطفالي أسماءً عربية تجمع بين الأصالة وسهولة النطق، ليعيشوا بسلام في الثقافتين”.
ومع ولادة آلاف الأطفال سنوياً في مخيمات الشتات، يبدو أن معركة الأسماء ستظل التحدي الأكبر أمام سياسات “المحو الممنهج”؛ والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: هل ينجح “الاسم العربي” بطابعه “الإسلامي” في الحفاظ على وطنٍ لم يره هؤلاء الفتية بعد؟





اترك تعليقاً