عندما يُغرق الصمت الروهينجا: أليست لحياتهم قيمة؟
عندما تتحطم طائرة مدنية تقلّ 250 راكبًا، يتوقف العالم. تتسابق القنوات الإخبارية إلى تغطية الحدث على مدار الساعة، وتصدر الحكومات بيانات التعزية، وتُفتح التحقيقات، وتُقام الوقفات التأبينية، وتُتلى أسماء الضحايا في مشهد مهيب.
لكن عندما ينقلب قارب يحمل عددًا مماثلًا من لاجئي الروهينجا في بحر أندامان، بالكاد يُحدث ذلك أثرًا. يُذكر الخبر سريعًا، ويُحزن له لحظات، ثم يُنسى… ويمضي العالم.
هذا التفاوت الأخلاقي يطرح سؤالًا مقلقًا: هل حياة الروهينجا أقل قيمة؟
في 15 أبريل، أفادت وكالة رويترز بأن قاربًا مكتظًا يحمل لاجئين من الروهينغا ومواطنين من بنغلادش غرق أثناء رحلته من تكناف جنوب بنغلادش إلى ماليزيا، مع فقدان نحو 250 شخصًا يُخشى عليهم.
كان القارب، الذي حمل قرابة 300 إنسان يائس، قد انقلب وسط أمواج عاتية ورياح قوية. وروى الناجون مشاهد مروعة لا تُحتمل.
يقول رفيق الإسلام، أحد القلائل الذين نجوا: إن المهرّبين أجبروا الركاب على التكدس في حجرات ضيقة مخصصة للأسماك والشباك، للتهرب من دوريات البحر.
“لم يكن هناك هواء تقريبًا… لم نكن نستطيع التنفس.”
وقد توفي ما لا يقل عن 30 شخصًا اختناقًا قبل أن ينقلب القارب، وعندما حدث ذلك، أُلقي بمئات الركاب في البحر، ولم ينجُ إلا القليل.
أزمة متجذّرة في الاضطهاد
هذه المأساة ليست حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة كارثية متكررة. فالروهينجا، وهم أقلية مسلمة من ولاية راخين في ميانمار، عانوا لعقود من تمييز منهجي، وانعدام الجنسية، والعنف.
منذ تجريدهم من الجنسية بموجب قانون 1982، حُرموا من أبسط الحقوق، مثل التعليم والرعاية الصحية وحرية التنقل. وبلغ الاضطهاد ذروته عام 2017، عندما أدت حملة عسكرية وحشية إلى فرار أكثر من 700 ألف منهم.
وصفت الأمم المتحدة تلك الأحداث بأنها “نموذج صارخ للتطهير العرقي”، ولا تزال التحقيقات الدولية جارية بشأن اتهامات بالإبادة الجماعية.
اليوم، تستضيف بنغلادش نحو 1.2 مليون لاجئ من الروهينجا في مخيمات مكتظة في كوكس بازار، وهي أكبر تجمع للاجئين في العالم. ورغم أنها توفر ملاذًا من العنف، فإنها لا تمنح أملًا بالمستقبل. أجيال تنشأ بلا جنسية، بلا فرص، محاصرة في دائرة من الفقر والضياع.
أمام هذا الواقع القاتم، يخاطر كثيرون بكل شيء بحثًا عن الكرامة والبقاء. بالنسبة لهم، لم يعد البحر مجرد طريق، بل مقامرة يائسة بين الحياة والموت.اليأس الذي تغذيه قلة الدعم
تفاقم الوضع الإنساني زاد الأزمة اشتعالًا، حيث أدى نقص التمويل إلى تقليص المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية. في بعض الحالات، انخفضت الحصص الغذائية إلى نحو 7 دولارات للفرد شهريًا، وهو مبلغ لا يكاد يكفي للبقاء.
وأظهر استطلاع حديث أن 2% فقط من أولياء الأمور من الروهينجا يشعرون بالأمل تجاه مستقبل أبنائهم، مقارنة بـ84% في المجتمعات المضيفة. كما أفاد نحو 69% من الأسر بأن أطفالهم تركوا الدراسة، بينما اضطر نصفهم إلى العمل.
هذه الأرقام القاتمة تدفع العائلات إلى أحضان شبكات التهريب، التي تغريهم بوعود حياة أفضل في ماليزيا أو غيرها. فيركبون قوارب متهالكة، مدركين المخاطر.
حين ينعدم الأمل في البر، يتجه الناس إلى البحر.
مآسٍ تُنسى باستمرار
لطالما شهد بحر أندامان مثل هذه الكوارث. ففي أزمة الهجرة عام 2015، تُرك آلاف الروهينغا في عرض البحر من قبل المهربين، ليواجهوا الجوع والعطش والمرض. ورغم موجة الغضب حينها، لم تُطرح حلول جذرية.
ومنذ ذلك الحين، تكررت الحوادث ذاتها: قوارب تغرق، وقصص يأس واستغلال، وعالم ينسى سريعًا.
الروهينغا اليوم من أكثر الشعوب اضطهادًا ونسيانًا: بلا دولة، بلا صوت، وغالبًا بلا حضور.
صمت العالم الصاخب
الفارق في الاهتمام العالمي صارخ. كوارث الطيران تحرك التضامن الدولي، بينما تغرق مآسي اللاجئين في النسيان. وهذا يعكس حقيقة مؤلمة: قيمة الإنسان كثيرًا ما تُقاس بجنسيته أو وضعه الاقتصادي أو حسابات السياسة.
هذا التعاطف الانتقائي ينتقص من إنسانيتنا المشتركة.
كل روح تُفقد في البحر لا تقل قيمة عن أي ضحية في حادث طائرة. كل واحد منهم إنسان له أحلامه وعائلته. لكن موتهم في صمت يزيد المأساة قسوة.
إن بكينا على كارثة وتجاهلنا أخرى، فنحن لا نفشل في المتابعة فقط، بل في الضمير.
مسؤولية “آسيان” الأخلاقية
بالنسبة لدول جنوب شرق آسيا، أزمة الروهينجا ليست قضية بعيدة، بل تحدٍّ إقليمي يستدعي تحركًا عاجلًا.
ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند تواجه باستمرار موجات من اللاجئين، بينما تستغل شبكات التهريب ضعفهم.
لم يعد بمقدور رابطة آسيان التمسك بمبدأ “عدم التدخل” كذريعة للجمود. فسيادة الدول لا ينبغي أن تكون غطاءً للظلم.
على آسيان أن تضغط على ميانمار لوقف الاضطهاد، وأن تدعم الجهود الدولية لضمان عودة آمنة وكريمة للاجئين. كما يجب تعزيز التعاون لمكافحة الاتجار بالبشر، وتوفير حماية إنسانية حقيقية للفارين.
إن مصداقية هذا التكتل، والتزامه بحقوق الإنسان، على المحك.
أليست لحياتهم قيمة؟
عندما تسقط طائرة، يطالب العالم بالإجابات. وعندما يغرق قارب لاجئين، يدير وجهه.
لكن الألم واحد، والخسارة واحدة.
كل روح تُفقد في البحر هي حلم انطفأ: طفل لن يكبر، أم لن تعود، أب لن يعيل أسرته.
يجب أن يتحرك العالم بحزم. وعلى آسيان أن تقود، وعلى ميانمار أن تُحاسب، وعلى الدعم الإنساني أن يستمر.
وفوق كل ذلك، يجب ألا نعتاد هذه المآسي.
فالتاريخ لن يحاكم الظالمين فقط، بل الصامتين أيضًا.
ومع كل قارب يغرق في بحر أندامان، يتردد السؤال في ضمير الإنسانية:
أليست لحياتهم قيمة؟
بقلم جوزيف ماسيلاماني بتصرف






اترك تعليقاً