الحرب والإهمال يشعلان وباءً قاتلًا في دارفور: الحصبة تحصد أرواح الأطفال وسط انهيار الرعاية الصحية

الحرب والإهمال يشعلان وباءً قاتلًا في دارفور: الحصبة تحصد أرواح الأطفال وسط انهيار الرعاية الصحية

تشهد ولاية شرق دارفور في السودان كارثة صحية متفاقمة، حيث أدى تداخل الحرب مع انهيار النظام الصحي إلى تفشي وباء الحصبة بشكل مميت، حاصدًا أرواح عشرات الأطفال خلال أسابيع قليلة، في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية التي تعيشها المنطقة.

في مدينة لبّادو، لم تكن “حواء آدم” تتوقع أن يتحول مرض طفولي شائع إلى حكم بالموت. فقدت طفلها “علي” (عامان) بعد يومين فقط من إصابته، في ظل غياب تام للرعاية الطبية الأساسية. تقول الأم المفجوعة: “ظننتها مجرد حمى عادية… لم أتخيل أنني سأفقده بهذه السرعة.” وتشير إلى أن انعدام اللقاحات وهجرة الأطباء منذ اندلاع الحرب كانا السبب المباشر في وفاته.

ومنذ شهر مارس، اجتاح الوباء عدة أحياء في لبّادو، مخلفًا نحو 70 وفاة وما يقارب 1000 إصابة، وفق تقديرات محلية، في منطقة لا يتجاوز عدد سكانها 12 ألف نسمة، بينهم نازحون فرّوا من ويلات القتال. في المقابل، تقلل السلطات الصحية من حجم الكارثة، حيث تشير إلى 26 وفاة و300 إصابة فقط، ما يكشف فجوة خطيرة بين الواقع الميداني والرواية الرسمية.

ويؤكد مختصون أن الحصبة، رغم كونها مرضًا يمكن الوقاية منه باللقاحات، تُعد من أكثر الأمراض المعدية فتكًا، خاصة في البيئات الهشة التي تعاني من سوء التغذية وانعدام الخدمات الصحية. ومع توقف حملات التطعيم لفترات طويلة بسبب الحرب، عاد المرض ليضرب بقوة، مهددًا حياة جيل كامل من الأطفال.

المأساة لا تقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى قصص إنسانية موجعة. ففي حي النيل، فقدت ثلاث عائلات متجاورة أطفالها خلال أيام قليلة، بعد انتقال العدوى بينهم. يقول أحد الآباء: “لم نجد دواءً، ولم نملك المال… حاولنا علاجهم بوسائل بدائية، لكننا كنا عاجزين.”

ويضيف ناشطون محليون أن نقص الإمدادات الطبية كان حاسمًا في تفاقم الوضع، حيث نفدت الأدوية من المركز الصحي الحكومي منذ فبراير، بينما بقيت متوفرة في الصيدليات الخاصة بأسعار تفوق قدرة السكان. وحتى المساعدات المحدودة التي قدمتها بعض المنظمات نفدت خلال يومين فقط.

في ظل هذا الواقع، يضطر المرضى إلى قطع مسافات طويلة بحثًا عن العلاج. بعضهم يسافر عشرات الكيلومترات، في رحلة محفوفة بالمخاطر، فقط للحصول على خافض حرارة أو جرعة فيتامين.

وتحذر منظمات دولية من أن الوضع مرشح لمزيد من التدهور، في ظل استمرار النزاع، وتدمير المرافق الصحية، وتعطل برامج التحصين. وتشير التقديرات إلى انخفاض تغطية لقاح الحصبة إلى أقل من النصف، ما يهدد بانتكاسة خطيرة في صحة الأطفال بعد سنوات من التقدم.

ورغم إطلاق حملات تطعيم متأخرة في بعض مناطق دارفور، فإنها لا تزال غير كافية لاحتواء الوباء، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا مثل شرق دارفور.

في النهاية، تبقى كلمات الأم حواء تلخص المأساة بمرارة:
“كان يمكن أن يعيشوا… لكن من لا يملك المال يموت هنا.”

هكذا، لا تقتل الحصبة وحدها في دارفور، بل يقتلها أيضًا الفقر، والإهمال، وصمت العالم.

وكالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *