بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فقه من شاء من خلقه في الدين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، أما بعد:
فقد كثر في هذا الزمن الاحتجاج بـ “المصلحة”، حتى أضحت في نفوس العامة مصدراً تشريعياً مستقلاً دون ضوابط تُذكر ولا شروط تُعتبر، بل أصبحت مرتعاً للأهواء البشرية.
ونحن هنا سنتكلم —إن شاء الله— عن مفهوم “المصلحة” وضوابطها وشروطها بشكل وجيز بسيط، بعيداً عن التعقيد؛ بغية أن نرفع الأمية عن عامة المسلمين في هذا الباب، فأقول مع عجزي وإشفاقي، معتمداً على القدير الباقي.
أولاً: تعريف المصلحة
المصلحة لغةً: المنفعة، وهي ضد المفسدة.
المصلحة اصطلاحاً: هي المنفعة التي قصدها الله -عز وجل- لعباده؛ من حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، وأموالهم. وقيل: هي المحافظة على مقصود الشارع.
ثانياً: أقسام المصلحة
تُقسم المصلحة من حيث اعتبار الشارع لها إلى ثلاثة أقسام:
مصلحة معتبرة شرعاً: وهي المصلحة التي شهد الشارع لها بالقبول؛ مثل: تشريع الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ الأنفس، والحدود لحفظ الأعراض.
فهذه مصالح شهد الله -عز وجل- لها بالقبول وأقرها في دينه، ولا خلاف بين العلماء على صحتها وبناء الأحكام عليها.
مصلحة ملغاة شرعاً: وهي المصلحة التي ألغى الله اعتبارها وردّها، ولا خلاف بين العلماء في بطلانها وعدم جواز بناء الأحكام عليها؛ مثل: مصلحة مساواة المرأة لأخيها في الميراث لنبذ الفرقة والشحناء بينهم، فهي مصلحة ملغاة بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، ومثل مصلحة التعامل بالربا لتنشيط الاقتصاد، فهي ملغاة بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}.
(ومثل مصلحة الجبناء القاعدين عن الجهاد في حفظ نفوسهم عن العطب والهلاك؛ فقد ألغى الشارع هذه المصلحة المرجوحة بما شرعه من أحكام الجهاد) — الوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان.
مصلحة مرسلة: وهي ما لم يأتِ نص من الشارع بقبولها ولا ردها، وقد اختلف العلماء في اعتبارها، ومثالها: جمع القرآن الكريم في مصحف واحد خوفاً عليه من الضياع، وعمل ديوان للجند، وليست هي محور بحثنا.
ثالثاً: واقع “المتسترين بالمصلحة” اليوم
فإذا علمت أقسام المصلحة، عرفت أن ما ينعق به الدجالون اليوم من مهاجمة للحجاب الشرعي (النقاب) أو تحريمهم للجهاد، ما هو إلا تحميل لقواعد الشريعة ما لا تحتمل.
فالمتسترون بالمصلحة اليوم يعدلون إلى “المصالح الملغاة” ويدعون أنها محض حكمة، وإلى الله المشتكى.
رابعاً: كيف نميز المصلحة الملغاة عن غيرها من المصالح؟
تميز المصلحة الملغاة عن غيرها بأمرين أساسيين:
الأول: معارضة النص الصريح: مثل: إباحة الربا لما فيه من مصلحة تنشيط الاقتصاد، هذه مصلحة ملغاة لمعارضتها قول الله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}.
الثاني: معارضتها الإجماع الصحيح: مثل: من ألغى عتق الرقاب في كفارة الجماع على الملك المقتدر بحجة أنه لن يرتدع بكثرة عتق الرقاب فنلزمه بالصيام مباشرة فهذه مصلحة ملغاة.
نماذج من المصالح الملغاة في واقعنا المعاصر:
دعوى حظر النقاب: إذا قالوا لكم: “المصلحة تقتضي حظر النقاب لحفظ الأمن وضبط السرقات”، فقولوا لهم: كذبتم؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.
دعوى موالاة الكفار: إذا قالوا لكم: “المصلحة تقتضي موالاة الكفرة والتخلي عن ثوابت الدين لحفظ الأنفس والأموال”، فقولوا لهم: كذبتم، هذه مصلحة ملغاة؛ قال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ}.
فتأمل كيف أن الله تعالى لم يعذرهم بالأخذ بالمصلحة الملغاة وهي درء أذى اليهود والنصارى مقابل موالاتهم.. والله المستعان.
ختاما:
إن باب المصالح بالشريعة الإسلامية باب عظيم قتل العلماء رحمهم الله مسائله بحثا وتحريرا، وانا هنا أوردت رؤوس أقلام وبعض الأمور التي يحتاجها المؤمن في مواجهة شبهات مدلسين العصر بدلا عن الرد المباشر على تصريحاتهم والله المستعان
نسأل الله عز وجل أن يغفر لنا ويرحمنا ويستخدمها لنصرة دينه واللهم صل على نبينا محمد وعلى اتباعه بإحسان إلى يوم الدين





اترك تعليقاً