يستمر قمع الإيغور بينما يمضي العالم قدماً

“ميمت يعقوب” شاب أويغوري يروي ما يحدث في تركستان الشرقية: اختفى العشرات من أفراد عائلتي، بمن فيهم والدي، في نظام السجون الجماعية الصيني خلال العقد الماضي لمجرد كونهم من الإيغور.

عندما ازداد الاهتمام الدولي بمحنتنا – من خلال بيانات مشتركة في الأمم المتحدة، وتغطية إعلامية واسعة، واعتراف البرلمانات الوطنية بجرائم الفظائع – اعتقدتُ أن الضغط سيكون كافياً لضمان إطلاق سراح أحبائي.

بعد مرور ثماني سنوات على اختفاء والدي قسراً، ما زلت أجهل مكانه وحالته الصحية والتهم التي أدت إلى سجنه. وفي الوقت نفسه، انصرف اهتمام العالم عنه.

والدي واحد من مئات الآلاف الذين عانوا منذ عام 1437ه‍ـ (2016م) من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتكبتها الحكومة الصينية في منطقة تركستان الشرقية الأويغورية ذاتية الحكم. وقد أخضعت السلطات الصينية الأويغور وغيرهم من المسلمين الأتراك للاعتقال التعسفي الجماعي، والسجن الجائر، والمراقبة المتطفلة، والعمل القسري.

خلص مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في تقرير تاريخي صدر عام 1441ه‍ـ (2022م)، إلى أن الحكومة الصينية ربما تكون قد ارتكبت جرائم ضد الإنسانية في تركستان الشرقية. وقد مثّل هذا الاعتراف لحظة نادرة بدا فيها أن شعب الأويغور يحظى باهتمام العالم. ومع ذلك، حتى في ذلك الحين، كان النفوذ العالمي للصين واضحاً جلياً.

فشلت جهود مجموعة من الدول التي سعت لإدراج تركستان الشرقية على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بعد ضغوط شديدة من بكين. ويبدو أن ما حدث كان انعكاساً لنهج بكين المعتاد: ترهيب المنتقدين، واستمالة الحلفاء وحشدهم، والتراجع التدريجي عن زخم هذه الانتقادات.

في تركستان الشرقية، تستخدم الحكومة الصينية المعلومات المتعلقة بحياة الناس اليومية – سلوكياتهم السلمية والقانونية – كسلاح ضدهم. وقد وضعت السلطات أدوات مراقبة جماعية ، من بينها منصة تُسمى ” منصة العمليات المشتركة المتكاملة” ، لتتبع الجميع، وتحركاتهم، واتصالاتهم، واستخدامهم للهواتف ومحتوياتها، ومواقع مركباتهم، وتفاعلهم مع أشخاص في الخارج.

عاقبت السلطات الإيغور ذوي الصلات الخارجية باحتجاز وسجن من لديهم أقارب في دول صنفتها السلطات بشكل تعسفي وسري على أنها حساسة، أو من زاروا هذه الدول. كما ساعدتهم هذه الأداة في تحديد الأشخاص الذين يستخدمون تطبيقات مثل واتساب أو شبكة افتراضية خاصة (VPN)، والتي تتيح لسكان تركستان الشرقية تجاوز بعض إجراءات المراقبة الحكومية.

سعت بكين جاهدةً لتقويض الجهود الدولية الرامية إلى حماية حقوق الإيغور، وذلك برفع تكلفة دحض روايتها وتصوير الوضع في تركستان الشرقية بصورة زائفة. وقد وسّعت السلطات الصينية نطاق مراقبة الإيغور في الخارج، ومارست الترهيب ضد نشطاء وباحثي الشتات، وتدخلت في آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ونظمت جولات دعائية محكمة الرقابة للدبلوماسيين والصحفيين الأجانب، في حين منعت وصول محققي حقوق الإنسان وخبراء الأمم المتحدة بشكل مستقل.

لكن نجاح الصين في تغيير الخطاب لا يعود فقط إلى القمع، بل يعكس أيضاً سياقاً عالمياً متغيراً. فقد أعادت السياسة الخارجية الأمريكية، التي باتت غير متوقعة على نحو متزايد، تشكيل الحوافز السياسية والاقتصادية للحكومات التي تتعامل مع بكين.

وبينما تتسابق الحكومات للقاء الرئيس شي جين بينغ كإجراء احترازي ضد إدارة ترامب، يتم تهميش مخاوف حقوق الإنسان في الصين بشكل روتيني في اللقاءات الثنائية ، مما يسمح لبكين بتبييض جرائمها فعلياً وإعادة تقديم الصين كقوة عالمية موثوقة وبديل للولايات المتحدة.

مع ترويج الصين لروايتها الخاصة وتراجع الاهتمام العالمي، قد يعتقد البعض أن الأمور في تركستان الشرقية تعود إلى “طبيعتها”. هذا ببساطة خطأ.

قد تكون الحكومة الصينية قوية بما يكفي لبناء نظام واسع النطاق للمراقبة الجماعية، وسجن مئات الآلاف من الأشخاص دون أساس، والتهرب من المساءلة، وتشكيل الرواية العالمية حول تركستان الشرقية من خلال الدعاية.

لكن قادة العالم ليسوا عاجزين: بإمكانهم تحطيم هذا السراب الذي تم بناؤه بعناية من خلال التحدث علنًا دفاعًا عن الإيغور، والعمل مع الآخرين لعرقلة أعمال الصين القمعية في الخارج، واتخاذ تدابير ملموسة للضغط من أجل احترام حقوق الإنسان في تركستان الشرقية- خاصة في اللحظات التي يتلاشى فيها الاهتمام العالمي ويشعر فيها الإيغور بالخيانة من قبل العالم.

إن حياة الأويغور في خطر، وثمن إهمالهم باهظ.

المصدر: هيومان رايت وتش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *