في وقت سابق من هذا الشهر، رفض الناخبون في إيطاليا محاولة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني لإصلاح القضاء، وهي الخطوة التي كانت تأمل أن تمنحها الضوء الأخضر للمضي قدماً في أجندتها المتشددة بشأن الهجرة.
ومع ذلك، وفي تناقض صارخ، أشادت ميلوني في بروكسل بالموافقة الأخيرة على فكرة “مراكز الإعادة” وإجراءات الترحيل الصارمة، محتفلة بحقيقة أن رؤيتها بدأت تنتشر عبر دول الاتحاد الأوروبي.
على صفحتها الرسمية في موقع (إكس)، نشرت ميلوني رسالة انتصار بمناسبة “الضوء الأخضر” الذي منحه البرلمان الأوروبي للوائح الجديدة بشأن الترحيل ومراكز العودة. وصرحت ميلوني قائلة: “أخيراً أوروبا تسير في الاتجاه الصحيح، وهو اتجاه دعمته إيطاليا بقوة”.
وتابعت ميلوني في منشورها أن فكرة مراكز الإعادة ستسمح “للدول الفردية بترحيل المهاجرين غير النظاميين ليس فقط إلى بلدانهم الأصلية، بل إلى دول ثالثة أيضاً”.
وأكدت أن هذا التوجه “سيعطي أوروبا أخيراً سياسة هجرة أكثر مصداقية”، مما يتيح عمليات ترحيل أسرع وضوابط حدودية أقوى.
إلا أن ابتهاجها يأتي مباشرة في أعقاب هزيمة أخيرة على الجبهة المحلية، عندما فشل استفتاء اقترحه حزبها في نيل الموافقة، مما قد يجعل تنفيذ كل تلك السياسات الأوروبية أكثر صعوبة في إيطاليا نفسها.
هزيمة محلية؟
إن هزيمة جورجيا ميلوني في الاستفتاء الدستوري الإيطالية لا يمثل مجرد نكسة تقنية، بل هو ضربة للسردية السياسية التي تبنتها ميلوني، والادعاء بأن “القضاة الناشطين” هم من يعرقلون خططها الرائدة لنقل المهاجرين إلى مراكز خارج الحدود، كما في مشروع ألبانيا.
ورداً على هزيمتها، كتبت ميلوني في 23 مارس على (إكس): “لقد اتخذ الإيطاليون قرارهم، ونحن نحترم ذلك القرار. سوف نمضي قدماً بمسؤولية وتصميم واحترام للشعب الإيطالي ولإيطاليا”.
كان الاستفتاء يتعلق بتنظيم والإشراف على القضاء. سعت حكومة ميلوني إلى الفصل بين المسارات المهنية للقضاة وممثلي الادعاء، وهو التغيير الذي جادل مؤيدوه بأنه سيُوضح الفرق بين القضاة والادعاء ويقلل من الفصائلية القضائية الداخلية، لكن النقاد جادلوا بأنه سيضعف الثقافة القضائية المشتركة التي تساعد في حماية الحياد ويمكن أن تعمل كقوة موازنة لسياسة الحكومة عند الحاجة؛ وهي القوة الموازنة التي تُعد جزءاً من معظم الديمقراطيات العاملة.
كما اقترح الاستفتاء تقسيم المجلس الأعلى للقضاء إلى هيئتين منفصلتين، وإنشاء محكمة تأديبية جديدة للتعامل مع حالات سوء السلوك. وبدلاً من قبول الحزمة كـ “تحديث”، رفضها الناخبون بنسبة 54% مقابل 46%، مع نسبة مشاركة تجاوزت 58%، مما حول الإصلاح المؤسسي إلى توبيخ سياسي أوسع.
من الإصلاح القضائي إلى سياسات الهجرة
لقد دمجت ميلوني بين الإصلاح القضائي وسياسات الهجرة، مدعية أن المحاكم تعرقل الترحيل وتقوض السلامة العامة. وهنا يبرز “مشروع ألبانيا” كدليل كانت ميلوني تفتخر به، إلا أن الواقع القانوني كان مختلفاً؛ حيث تعطل المشروع مراراً بسبب قرارات المحاكم الإيطالية التي استندت إلى التشريعات الأوروبية.
خسارة الاستفتاء تعني أن ميلوني لم تعد قادرة على الزعم بأن الشعب فوّضها لتغيير القواعد الدستورية من أجل تجاوز العقبات القانونية.
الهشاشة القانونية
إن الفجوة بين الترويج السياسي والواقع القانوني هي ما جعلت نتائج الاستفتاء من الصعب إخفاؤه. بعد الهزيمة، لا يزال بإمكان ميلوني الإصرار على أن القضاة يحبطون الإرادة الشعبية، لكنها لم تعد قادرة على القول بأن الإيطاليين أيدوا محاولتها لإعادة هيكلة التوازن الدستوري.
خسارة الاستفتاء قد تجعل الاشتباكات المستقبلية مع المحاكم تبدو أقل كدليل على “تخريب قضائي” وأكثر كدليل على أن سياساتها كانت ضعيفة قانونياً منذ البداية. وإذا كان لمخطط ألبانيا نقاط ضعف قضائية، فقد يجعل ذلك التنفيذ الفعلي لمراكز العودة في أي مكان أكثر صعوبة أيضاً.
دعم أوروبي أوسع لمراكز الإعادة
مع ذلك، يُظهر تصويت يوم الخميس في بروكسل أن التوجه السياسي في أوروبا لا يزال يميل لصالح تفويض سياسات الهجرة إلى الخارج. ففي يوم الخميس، صوّت البرلمان الأوروبي بأغلبية 389 صوتًا مقابل 206، مع امتناع 32 عضوًا عن التصويت ، للمضي قدمًا في نظام أكثر صرامة لإعادة المهاجرين غير الشرعيين من الاتحاد الأوروبي.
استغلت ميلوني التصويت كدليل على صحة سياساتها، رغم أن مخطط ألبانيا يختلف قانونياً عن فكرة الاتحاد الأوروبي لمراكز العودة. ومع ذلك، فإن التداخل السياسي لا يمكن تخطئه: كلاهما يعتمد على الرقابة الخارجية والردع.تطبيع السياسات المتشددةما ساعدت ميلوني في تطبيعه هو مفردات حوكمة الهجرة التي تُقدم الاستعانة بمصادر خارجية والاحتجاز خارج الحدود كواقعية براغماتية. وأعلن تشارلي ويمرز من حزب “ديمقراطيي السويد”: “هناك إجماع جديد في أوروبا. لقد بدأ عصر عمليات الترحيل”.
وفي المقابل، حذرت المنظمات الحقوقية من هذه التطورات، حيث وصفت مارتا ويلاندر، من لجنة الإنقاذ الدولية، التصويت بأنه “انتكاسة تاريخية لحقوق اللاجئين”، محذرة من نظام لجوء “صُمم لردع واحتجاز وترحيل الأشخاص الباحثين عن الأمان”. كما أبدى المدافعون عن حقوق الإنسان مخاوفهم من تحول مراكز العودة خارج الاتحاد الأوروبي إلى “ثقوب سوداء قانونية” لا يمكن مراقبتها.
تطبيع السياسات المتشددة
ما ساعد ميلوني في تطبيعه ليس بالضرورة نموذجًا مثبتًا للنجاح، بل هو مفردات لإدارة الهجرة يتم فيها تقديم الاستعانة بمصادر خارجية والاحتجاز في الخارج والاستثناء القانوني على أنها واقعية عملية.
لا يقتصر هذا التوجه السائد على رد ميلوني فحسب، بل يتجلى أيضاً في الخطاب العام المحيط بالتصويت. فقد صرّح تشارلي ويمرز، من حزب ديمقراطيو السويد، قائلاً : “هناك إجماع جديد في أوروبا. لقد بدأ عهد الترحيل”.
يكمن الخطر الذي يهدد الاتحاد الأوروبي ككل في أن هذا التطبيع يتقدم حتى في ظل ضعف الأدلة على فعاليته وارتفاع المخاطر القانونية. وقد وصفت منظمات حقوق الإنسان هذا التحول بعبارات مماثلة في شدتها. فقد وصفت مارتا ويلاندر، من لجنة الإنقاذ الدولية، التصويت بأنه “انتكاسة تاريخية لحقوق اللاجئين”، محذرةً من أنه سيمهد الطريق أمام “نظام جديد عقابي للجوء والهجرة في الاتحاد الأوروبي، مصمم لردع واحتجاز وترحيل الأشخاص الذين يسعون إلى الأمان”.
وقد حذر المدافعون عن حقوق الإنسان من أن مراكز العودة خارج الاتحاد الأوروبي قد تصبح أماكن لا يمكن فيها مراقبة الحقوق بشكل فعال، وتشير التقارير الحديثة إلى تزايد المخاوف من أن تتحول هذه المراكز إلى “ثقوب سوداء لحقوق الإنسان” أو “ثقوب سوداء قانونية”.
دروس لأوروبا
تقدم نتيجة الاستفتاء في إيطاليا درسين هامين:
- أولا، يمكن هزيمة قادة اليمين المتشدد عندما يرى الناخبون في إصلاحاتهم محاولة لإضعاف الرقابة على السلطة.
- ثانيا، حتى مع الخسارة المحلية، فإن “أجندة” هؤلاء القادة —من احتجاز خارج الحدود وترحيل— تنتقل وتترسخ تدريجياً داخل التيار الأوروبي السائد.
مهاجر نيوز.




اترك تعليقاً