منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، تغيّرت حياة ملايين اليمنيين جذريًا، فلم يكن النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان اقتلاعًا قاسيًا من الجذور، ترك آلاف الأسر معلّقة بين فقدان الماضي وغموض المستقبل.
تشير تقارير إنسانية إلى أن عدد النازحين في اليمن يتراوح بين 4 و4.5 مليون شخص، وتشكل النساء والفتيات نحو 2.3 مليون منهن، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
تعيش آلاف الأسر في مخيمات مؤقتة منتشرة في محافظات عدة، أبرزها مأرب وتعز والحديدة وحضرموت والضالع ولحج. لكن هذه المخيمات، التي كان يُفترض أن تكون محطة مؤقتة، تحولت مع مرور السنوات إلى واقع دائم.
خيام مهترئة بالكاد تقف في وجه الريح، لا تقي حرّ الصيف اللاهب ولا برد الشتاء القارس، وفي كل موسم مطر، تتحول أرضية الخيام إلى برك من الطين والمياه.

تقول إحدى النساء النازحات واصفة حياتها داخل المخيم:
“نعيش في خيمة صغيرة مع أطفالي منذ سنوات. عندما تمطر تتسرب المياه إلينا، وعندما تشتد الحرارة نشعر وكأننا داخل فرن.”
هذه الكلمات ليست مجرد شكوى عابرة، بل تلخيص لحياة يومية قاسية تعيشها آلاف النساء اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة نقص الماء والغذاء والخدمات الأساسية، وسط ظروف لا تليق بكرامة الإنسان.
وتروي جوهرة الراعي، وهي امرأة نازحة تقيم في أحد مخيمات محافظة تعز، جانبًا من هذه المعاناة قائلة إنها تنقلت بين أربعة مخيمات خلال سنوات النزوح قبل أن تستقر في مخيم البركاني. وتصف حياتها هناك بقولها:
“لا يوجد عيش حقيقي في المخيم، فمع كل موسم أمطار تتحول الخيام إلى أماكن مبللة بالكامل، حتى الطعام والحطب يصبحان مبللين، وتتحول الحياة إلى مأساة يومية.”
وتضيف وهي تحتضن طفلها الصغير أن الأسرة تضطر للنوم والطهي والأكل داخل الخيمة نفسها، في ظل غياب أبسط مقومات الحياة مثل البطانيات أو الأسرة أو وسائل التدفئة.
ومع استمرار الحرب، فقدت كثير من الأسر معيلها، فبعض الرجال قُتلوا في القتال، وآخرون أصيبوا أو فقدوا أعمالهم. ونتيجة لذلك أصبحت نسبة كبيرة من الأسر النازحة تعتمد على النساء في إعالة الأسرة.
وتشير تقديرات إنسانية إلى أن نحو ربع الأسر النازحة تقودها نساء، وهو عبء ثقيل لم تختره المرأة اليمنية، بل فرضته عليها سنوات الحرب القاسية.
كما تشير تقديرات أخرى إلى أن أكثر من 10 في المئة من العائلات النازحة بسبب الصراع تعيلها نساء، بينما تقود فتيات تقل أعمارهن عن 18 عامًا ما يقارب 3 في المئة من هذه العائلات، في مؤشر واضح على حجم المسؤوليات المبكرة التي فرضتها ظروف النزوح على النساء والفتيات.
فبين رعاية الأطفال والاهتمام بالأسرة، تضطر بعض النساء إلى البحث عن أعمال بسيطة وغير مستقرة، أو الاعتماد كليًا على المساعدات الإنسانية.
وفي قصة نشرها صندوق الأمم المتحدة للسكان، تروي امرأة تُدعى حيفا نزحت إلى محافظة مأرب بعد إصابة زوجها في الحرب، فتقول:
“أصبحت المعيل الوحيد للأسرة بعد إصابة زوجي في الحرب.”
وفي شهادة أخرى من أحد المخيمات، تقول هدى الدناني، وهي أم لعدة أطفال، إن عائلتها نزحت منذ أشهر ولم تتلق أي دعم منتظم من المنظمات الإنسانية.
وتقول هدى: “لم نحصل على خيام أو مساعدات كافية، وأحيانًا لا نجد ما نأكله سوى كيس دقيق يقدمه فاعل خير.”
وتضيف أن الظروف القاسية دفعت بعض النساء إلى التسول في الأسواق من أجل توفير الحد الأدنى من الغذاء لأطفالهن.
ولا تقتصر المعاناة على الفقر فقط، بل تمتد إلى مخاطر أخرى داخل المخيمات، فغياب الخصوصية في الخيام، وقلة الخدمات الأساسية، يضاعفان شعور النساء بعدم الأمان.
كما أن انتشار الحشرات والزواحف في بعض المخيمات يشكل خطرًا إضافيًا على حياة النازحين، وتقول هدى الدناني إن السكان قتلوا قبل أيام ثعبانًا قرب إحدى الخيام، مضيفة:
“كنت أخشى أن يلدغ أحد أطفالي، فلدغة واحدة قد تنهي حياتهم خلال دقائق.”
تقول إحدى الأمهات النازحات:
“أخاف على بناتي في المخيم أكثر مما أخاف على نفسي.”
كما لم تستطع آلاف الفتيات مواصلة تعليمهن في المدارس.
نشوى، فتاة نازحة تبلغ من العمر 19 عامًا وتقيم في أحد مخيمات محافظة مأرب، تقول إنها اضطرت إلى ترك دراستها بعد النزوح والعمل في أعمال بسيطة لإعالة أسرتها.
ولا تقف آثار النزوح عند الخسائر المادية، بل تترك جروحًا نفسية عميقة لدى النساء والفتيات. ففقدان المنزل والاستقرار والعيش في مخيمات مزدحمة يخلق شعورًا دائمًا بعدم الأمان.
وتقول إحدى الفتيات النازحات واصفة التحول المفاجئ في حياتها:
“في ليلة كنت فتاة لديها منزل ومدرسة وأحلام، وفي الصباح أصبحت نازحة تحمل مسؤوليات أكبر من عمرها.”
وفي كثير من الأحيان لا تنتهي المعاناة بمجرد الوصول إلى المخيمات؛ إذ تتعرض هذه المخيمات لكوارث طبيعية مثل السيول والفيضانات التي تجرف الخيام وتترك الأسر بلا مأوى.
وفي تقرير للأمم المتحدة حول الفيضانات التي ضربت بعض مخيمات النزوح، روت امرأة نازحة في مخيم الروضة تُدعى سعاد كيف جرفت السيول خيمتها، قائلة:
“كنت في صدمة… ما الذي بقي ليدمر في حياتي؟”
وتؤكد الصحفية اليمنية عفاف الأبارة أن النساء والأطفال هم الأكثر تضررًا من النزوح في اليمن، مشيرة إلى أن ملايين النساء يعشن ظروفًا قاسية في المخيمات. وتقول إن كثيرًا من النساء يعانين الجوع والمرض، فيما فقدت أخريات حياتهن نتيجة انعدام الخدمات الصحية، خصوصًا أثناء الولادة.
وفي سياق الحديث عن حجم الكارثة الإنسانية في البلاد، يقول كبير مسؤولي الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، جيمي ماك غولدريك: “هذا البلد يعاني غيابًا تامًا للإنسانية، والعالم غض الطرف عما يحدث في اليمن.”
ويعكس هذا التصريح حجم المأساة التي يعيشها ملايين اليمنيين، وعلى رأسهم النساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الفقر والنزوح وفقدان أبسط مقومات الحياة.
الحلول المقترحة للحد من هذه المعاناة:
- تفعيل فريضة التكافل الاجتماعي التي أوجبها الإسلام وتعزيز دور المجتمع في دعم الأسر النازحة.
- تدخل الجهات الحكومية بصورة عاجلة لمعالجة المشكلات التي تواجه النازحين، وخصوصًا النساء.
- توفير مساكن مناسبة أو أغطية عازلة تحمي الخيام من حرارة الشمس ومياه الأمطار.
- تكفل المنظمات بتوفير الغذاء والمساعدات العاجلة، إضافة إلى بناء المدارس وتوفير الخدمات التعليمية لتسهيل وصول الأطفال والفتيات إلى التعليم.
وفي الختام، تبقى معاناة النساء اليمنيات في مخيمات النزوح قصة إنسانية لا تختصرها الأرقام ولا التقارير، فخلف كل خيمة حكاية فقدٍ وصبر، وخلف كل امرأة نازحة قوة تحاول أن تحمي أسرتها وتتمسك بالأمل رغم قسوة الواقع.
وبين خيام أنهكها الحر والمطر، ما زالت آلاف النساء ينتظرن ما هو أبسط من المساعدات: حياة كريمة وسقفًا آمنًا وفرصة لاستعادة ما سلبته الحرب من بيوتهن وأحلامهن.




اترك تعليقاً