كيف تقرأ موسكو الحرب بين إيران والولايات المتحدة؟

1 1812951

مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، برزت روسيا كأحد الفاعلين الدوليين الذين يتابعون الصراع بحذر شديد. فموسكو لم تدخل المواجهة عسكريًا، لكنها في الوقت نفسه اتخذت سلسلة من الخطوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية تشير إلى أنها تسعى إلى الاستفادة الاستراتيجية من الحرب دون التورط المباشر فيها.

ويرى محللون أن الموقف الروسي يعكس نمطًا متكررًا في السياسة الخارجية لموسكو خلال السنوات الأخيرة: استثمار الأزمات الدولية لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي بما يخدم مصالحها في مواجهة الغرب.

استراتيجية “عدم التورط المباشر”

منذ بداية الحرب، حرصت موسكو على تبني موقف رسمي يدعو إلى وقف التصعيد والعودة إلى الحلول الدبلوماسية. وقد أدانت وزارة الخارجية الروسية الضربات التي استهدفت إيران، واعتبرت أن التصعيد العسكري في المنطقة قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العالمي.

لكن خلف هذا الخطاب الدبلوماسي، تشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث دولية إلى أن روسيا تتبنى ما يمكن وصفه بسياسة “الاستفادة دون المشاركة”؛ أي ترك الصراع يتطور مع تجنب الدخول فيه عسكريًا، مع العمل في الوقت نفسه على استثمار نتائجه الجيوسياسية.

مكاسب اقتصادية من ارتفاع أسعار الطاقة

أحد أبرز المجالات التي قد تستفيد منها موسكو هو قطاع الطاقة. فالحرب فيما يسمى الشرق الأوسط رفعت مستوى القلق في أسواق النفط العالمية، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار.

وبالنسبة لروسيا، التي تعد من أكبر مصدري النفط والغاز في العالم، فإن ارتفاع الأسعار يعني زيادة العائدات المالية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن استمرار التوتر في الخليج قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، ما يمنح الاقتصاد الروسي متنفسًا ماليًا إضافيًا.

تشتيت تركيز الولايات المتحدة

من زاوية جيوسياسية أوسع، يرى بعض الخبراء أن الحرب فيما يسمى الشرق الأوسط قد تخدم أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لروسيا: تشتيت تركيز الولايات المتحدة.

فالولايات المتحدة تدعم أوكرانيا عسكريًا منذ اندلاع الحرب مع روسيا عام 2022، لكن انخراطها في أزمة عسكرية جديدة في “الشرق الأوسط” قد يفرض عليها توزيع مواردها العسكرية والسياسية بين جبهتين في وقت واحد.

هذا الوضع قد يمنح موسكو فرصة لتعزيز موقعها في الحرب الأوكرانية أو على الأقل تقليل مستوى الضغط الغربي عليها.

تعزيز الشراكة مع إيران

في الوقت نفسه، تواصل روسيا الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع إيران، التي أصبحت شريكًا مهمًا لموسكو في مواجهة النفوذ الغربي.

وقبل اندلاع الحرب بوقت قصير، وقّع البلدان اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة تهدف إلى توسيع التعاون العسكري والاقتصادي بينهما. وتشير تقارير تحليلية إلى أن هذا التعاون قد يشمل تبادل المعلومات والتكنولوجيا العسكرية، إضافة إلى التنسيق السياسي في القضايا الدولية.

محاولة تعزيز النفوذ الروسي في “الشرق الأوسط”

الحرب قد تفتح أيضًا نافذة جديدة أمام موسكو لتعزيز نفوذها في “الشرق الأوسط”. فروسيا تسعى منذ سنوات إلى تقديم نفسها كقوة دولية قادرة على لعب دور الوسيط أو الشريك البديل للدول التي تشعر بالقلق من السياسات الأمريكية في المنطقة.

ومن خلال خطابها الداعي إلى الحوار والحلول السياسية، تحاول موسكو إظهار نفسها كطرف أكثر توازنًا مقارنة بالولايات المتحدة، وهو ما قد يساعدها على توسيع علاقاتها مع عدد من دول المنطقة.

حدود الدور الروسي

مع ذلك، يرى بعض المحللين أن قدرة روسيا على التأثير المباشر في مسار الحرب تبقى محدودة. فموسكو منشغلة عسكريًا واقتصاديًا بحرب أوكرانيا، كما أنها لا ترغب في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط”.

ولهذا السبب، يبدو أن الاستراتيجية الروسية تقوم أساسًا على إدارة الأزمة من بعيد والاستفادة من نتائجها، بدلًا من محاولة تغيير مسارها بشكل مباشر.

تكشف قراءة التحركات الروسية منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة عن نهج براغماتي يقوم على مبدأ الاستفادة الاستراتيجية دون الانخراط العسكري المباشر.

فالحرب تمنح موسكو فرصًا متعددة: ارتفاع أسعار الطاقة، تشتيت اهتمام الولايات المتحدة، وتعزيز الشراكة مع إيران. وفي الوقت نفسه، تحاول روسيا الحفاظ على صورة الدولة الداعية إلى الحلول الدبلوماسية.

وبينما يبقى مستقبل الحرب غير واضح، يبدو أن موسكو تراهن على أن استمرار الصراع – ولو لفترة محدودة – قد يعيد رسم موازين القوى الدولية بطريقة تخدم مصالحها على المدى الطويل.

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا