في ظل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، التي تتمثل في حماية التفوق الإسرائيلي في المنطقة وإضعاف عناصر القوة والمناعة لدى خصومه، تحشد الولايات المتحدة أساطيل من القوات البحرية والجوية في الشرق الأوسط، في تحركات تُفهم على أنها تمهيد لضرب إيران أو إرغامها على قبول شروط صعبة.
تأتي هذه الحشود الأمريكية بعد جولتين من المفاوضات غير المباشرة بين الإدارة الأمريكية وإيران في مسقط وجنيف، وقد أعادت هذه التحركات طرح تساؤلات حول طبيعتها: هل هي مجرد رسائل ضغط سياسي، أم مؤشر على استعداد لخيارات عسكرية؟
ويمكن قراءة دلالات هذا التحشيد عبر عدة سيناريوهات.
الاحتمال الأول: الضغط على طهران لمزيد من التنازلات
قد تلجأ واشنطن إلى التلويح بالقوة العسكرية للضغط على طهران من أجل تقديم تنازلات وقبول شروط قاسية، من بينها التخلي عن البرنامج النووي، وتسليم اليورانيوم المخصب إلى جهة ثالثة، والحد من برنامج الصواريخ الذي أثار قلق إسرائيل، إضافة إلى تقليص دورها الإقليمي والتخلي عن أذرعها في لبنان واليمن والعراق.
غير أن هذه الشروط تُعدّ — في الرؤية الإيرانية — غير مقبولة، لأنها تمسّ مكانتها الاستراتيجية، ما يجعل الاستجابة لها أقرب إلى تراجع كبير.
الاحتمال الثاني: حرب شاملة مع إيران
رغم صعوبة هذا السيناريو، فإنه يظل واردًا نظريًا، كونه يلبي سقف مطالب إسرائيل، لكنه يحمل تداعيات خطيرة ونتائج سلبية قد لا ترغبها واشنطن، منها جرّ المنطقة إلى حرب مفتوحة لا يمكن التنبؤ بعواقبها، وتعريض حلفاء المصالح في المنطقة لمخاطر جسيمة.
كما أن الولايات المتحدة، التي تدرك أثمان الحروب الباهظة، قد تتجنب هذا الخيار لسببين:
الأول: كلفته العالية، إذ إن الحروب الشاملة تحتاج إلى قوات برية للحسم، ولا يمكن حسمها من الجو وحده في ظل المعطيات الميدانية الحالية.
الثاني: نتائجه غير المضمونة، إذ قد يؤدي اتساع الصراع إلى فوضى إقليمية أو بروز قوى أكثر تشددًا.
الاحتمال الثالث: ضربة استباقية محدودة
يبقى سيناريو الضربة المحدودة أو الخاطفة أكثر ترجيحًا، بحيث تستهدف منشآت أو قدرات محددة دون إلحاق ضرر واسع بالإيرانيين أو دفعهم إلى ردّ شامل، ما يسمح لواشنطن بتحقيق مكاسب سياسية وإظهار قدر من التفوق دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
أخيرًا، يعكس التحشيد العسكري الأمريكي مزيجًا من الردع والضغط السياسي، ومع ذلك، فإن طبيعة التوازنات الهشة في المنطقة واحتمالات سوء التقدير تبقي جميع السيناريوهات مفتوحة بدرجات متفاوتة، ما يجعل المرحلة الراهنة شديدة الحساسية، حيث يتقاطع المسار العسكري مع الدبلوماسي في رسم ملامح المرحلة المقبلة.



اترك تعليقاً