المحكمة العليا في ولاية فيرجينيا تقضي بتثبيت تبنّي أحد أفراد مشاة البحرية الأمريكية لطفلة أفغانية يتيمة من ضحايا الحرب

IMG 20260216 064737 954

من المرجّح أن يضع هذا الحكم حدًا لمعركةٍ قضائية مريرة امتدّت لسنوات حول مصير الفتاة، وقد أثار تبنّيها — رغم اعتراض أقاربها — انتقاداتٍ حادّة عبّر عنها بعض القضاة في رأيٍ مخالفٍ لاذع.

قضت المحكمة العليا في ولاية فيرجينيا، يوم الخميس، بأن أحد أفراد مشاة البحرية الأمريكية وزوجته سيحتفظان بالطفلة الأفغانية اليتيمة التي اصطحباها إلى الولايات المتحدة تحدّيًا لقرارٍ صادر عن الحكومة الأمريكية يقضي بإعادتها إلى أسرتها في أفغانستان. ويُرجّح أن يُسدل هذا القرار الستار على نزاعٍ قضائي طويل وشائك دار حول مصيرها.

وفي عام 1441هـ (2020م)، منح قاضٍ في مقاطعة فلوفانا بولاية فيرجينيا جوشوا وستيفاني ماست حقّ تبنّي الطفلة، التي كانت آنذاك تقيم على بُعد سبعة آلاف ميل في أفغانستان مع أسرةٍ اعتبرتها الحكومة الأفغانية من ذوي قرابتها.

وقّع أربعةٌ من قضاة المحكمة العليا في ولاية فيرجينيا، يوم الخميس، على رأيٍ قضائي يقضي بنقض حكمي محكمتين أدنى درجة كانتا قد خلصتا إلى أن إجراءات التبنّي شابها خللٌ جسيم يُبطلها منذ لحظة صدورها.

وكتب القضاة أن قانونًا في ولاية فيرجينيا يُحصّن أوامر التبنّي بعد مضي ستة أشهر دون تمكين أقارب الطفلة الأفغان من الطعن في الحكم، مهما بلغت أوجه القصور في قرارات المحكمة، وحتى لو كان التبنّي قد تمّ بناءً على تدليس. في المقابل، أصدر ثلاثة قضاة رأيًا مخالفًا لاذعًا، وصفوا فيه ما جرى في هذه المحكمة بأنه «خاطئ» و«مُتآكل من الداخل» و«كبيتٍ شُيّد على أساسٍ واهن».

وامتنع محامي عائلة ماست عن التعليق، مستندًا إلى أمرٍ صادر عن محكمة الدائرة يقضي بعدم الخوض علنًا في تفاصيل القضية، فيما أفاد محامو الأسرة الأفغانية بأنهم لم يكونوا بعدُ على استعدادٍ للإدلاء بتصريح.

أُصيبت الطفلة في ساحة المعركة بأفغانستان في 1441هـ (سبتمبر عام 2019م)، حين داهم جنودٌ أمريكيون مجمّعًا ريفيًا؛ فقُتل والداها وإخوتها، ونُقلت هي إلى مستشفى داخل قاعدةٍ عسكرية أمريكية.

وكانت الغارة تستهدف عناصر وُصفت بالإرهابية قدمت إلى أفغانستان من دولةٍ مجاورة؛ وذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأنها ليست أفغانية، وسعوا إلى تهيئة مسوّغٍ لنقلها إلى الولايات المتحدة. غير أن وزارة الخارجية، في ظل الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترامب، شدّدت على أن الولايات المتحدة مُلزمةٌ، بموجب القانون الدولي، بالتعاون مع الحكومة الأفغانية واللجنة الدولية للصليب الأحمر لجمع شمل الطفلة مع أقرب أقاربها الأحياء.

وخلصت الحكومة الأفغانية إلى أنها مواطنة أفغانية، ودقّقت في أهلية رجلٍ ادّعى أنه عمّها. ووافقت الحكومة الأمريكية على ذلك، فنُقلت إلى أسرته. ثم اختار العم أن يعهد بها إلى ابنه وزوجته الجديدة، اللذين تكفّلا بتربيتها مدة ثمانية عشر شهرًا في أفغانستان.

وفي الأثناء، نجح ماست وزوجته في إقناع محاكم ريفية في مقاطعة فلوفانا بولاية فيرجينيا بمنحهما حقّ الحضانة، ثم استصدرا تباعًا أوامر بالتبنّي، مع الاستمرار في الزعم بأنها ابنة «عديمة الجنسية» لمقاتلين أجانب.

منح القاضي ريتشارد مور الزوجين حكم التبنّي النهائي في 1442هـ (ديسمبر عام 2020م). وحين انقضت مهلة التقادم البالغة ستة أشهر، كانت الطفلة لا تزال في أفغانستان تقيم مع أقاربها، الذين أفادوا بأنهم لم يكونوا على علمٍ قطّ بأن قاضيًا كان يقضي بإلحاقها بأسرةٍ أخرى. وقد تواصل ماست معهم عبر وسطاء، ساعيًا إلى إقناعهم بإرسالها إلى الولايات المتحدة لتلقّي العلاج، غير أنهم رفضوا السماح لها بالسفر منفردة.

وعقب انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان عام 1442هـ (2021م) وسيطرة حركة طالبان على الحكم، وافقت الأسرة على المغادرة، فاستعان ماست بعلاقاته العسكرية لتأمين مقاعد لهم على رحلة إجلاء. غير أنه انتزع الطفلة منهم في مركزٍ لإعادة توطين اللاجئين بولاية فيرجينيا، ولم تقع أعينهم عليها منذ ذلك الحين.

وقد طعن الأفغان في قرار التبنّي، مؤكدين أن المحكمة تفتقر إلى الولاية القضائية على طفلةٍ أجنبية، وأن أوامر التبنّي قامت على ما اعتبروه تضليلًا متكررًا من جانب ماست للقاضي.

كتبت المحكمة العليا في ولاية فيرجينيا، يوم الخميس، أن القانون الذي يحظر الطعن في أوامر التبنّي بعد انقضاء ستة أشهر إنما وُضع لترسيخ الاستقرار الدائم في حياة الطفل، حتى لا يُتنقّل به من بيتٍ إلى آخر. ولا سبيل إلى تقويض هذا الحظر إلا بإثبات انتهاك الحقوق الدستورية لأحد الوالدين.

وكانت المحاكم الأدنى درجة قد رأت أن للزوجين الأفغانيين حقًا في منازعة قرار التبنّي، لكونهما كانا بمثابة الوالدين «بحكم الواقع» للفتاة عند وصولها إلى الولايات المتحدة.

غير أن أربعةً من قضاة المحكمة العليا — دي آرثر كيلسي، وستيفن آر ماكولو، وتيريزا إم تشافين، وويزلي جي راسل الابن — خالفوا هذا الرأي.

وكتبوا: «لا نجد سندًا قانونيًا» للقول بأنهما كانا «والدين بحكم الواقع للطفلة، وأنه لا يجوز لأي محكمة أمريكية، دستوريًا، أن تفصل تلك العلاقة». وأشاروا إلى ما خلص إليه قاضي محكمة دائرة مقاطعة فلوفانا، ريتشارد مور، من أن الزوجين الأفغانيين «ليسَا والدين للطفلة، ولم يكونا كذلك قط»، لعدم صدور أي حكم من محكمة أفغانية يقرّ بذلك، ولعدم إثباتهما وجود صلةٍ بيولوجية تربطهما بها.

رفض الأفغان الخضوع لفحوص الحمض النووي، مؤكدين أنها لا تستطيع على نحوٍ موثوق إثبات صلةٍ عائلية بين أبناء العمومة غير الأشقاء من جنسين مختلفين. وأصرّوا على أن الأمر غير ذي صلة، إذ إن أفغانستان اعترفت بالفتاة مواطنةً لها، ومن ثمّ يعود إليها وحدها تحديد أقرب أقاربها.

وقد استندت المحكمة العليا بصورةٍ وازنة إلى وثيقةٍ من ثمانٍ وثلاثين صفحة حرّرها القاضي مور، الذي أقرّ التبنّي ثم ترأّس ما يزيد على اثنتي عشرة جلسة عقب طعن الأفغان فيه. وذكر في حيثياته أنه يثق بعائلة ماست أكثر من ثقته بالأفغان، ويرى أن دوافع الأولى نبيلة، بينما اعتبر أن الآخرين قدّموا صورةً مضلّلة عن طبيعة علاقتهم بالطفلة.

كما رفضت المحكمة العليا ما ظلّت الحكومة الفدرالية تؤكده طويلًا من أن الإدارة الأولى للرئيس ترامب كانت قد اتخذت قرارًا في إطار السياسة الخارجية يقضي بجمع شملها مع أقاربها الأفغان، وأنه لا تملك أي محكمة في فيرجينيا صلاحية نقض ذلك القرار. وقد قدّمت الحكومة مذكراتٍ أمام القضاء حذّرت فيها من عواقب وخيمة إذا سُمح للطفلة بالبقاء مع عنصر مشاة البحرية؛ إذ قد يُنظر إلى الأمر على أنه «إقرار بفعل اختطافٍ دولي لطفل»، ويُهدّد اتفاقياتٍ أمنية دولية، بل ويُستغل دعايةً من قِبل “متطرّفين إسلاميين” -بحسب الصحيفة-، بما قد يعرّض الجنود الأمريكيين في الخارج للخطر.

غير أن وزارة العدل، في الإدارة الثانية لترامب، غيّرت موقفها على نحوٍ مفاجئ.

أشارت المحكمة العليا في حيثيات حكمها إلى أن وزارة العدل كانت قد مُنحت الإذن لتقديم مرافعات في القضية، غير أنها سحبت طلبها صباح يوم المرافعات الشفوية من العام الماضي، معللةً ذلك بأنها «أُتيحت لها الآن فرصة لإعادة تقييم موقفها في هذه القضية».

وعادت المحكمة العليا مرارًا إلى ما خلص إليه القاضي مور من أن إسناد الطفلة إلى تلك الأسرة «لم يكن قرارًا بادرت إليه الولايات المتحدة، بل كان إجراءً وافقت عليه أو رضخت له».

أما القضاة الثلاثة الذين سجّلوا رأيًا مخالفًا، فلم يُمسكوا عن توجيه نقدٍ لاذع لكلٍّ من عائلة ماست ومحكمة الدائرة التي منحتهم التبنّي.

وجاء في مستهلّ الرأي المخالف، الذي صاغه القاضي توماس بي مان ووقّع عليه كلٌّ من رئيسة المحكمة كليو إي باول وليروي إف ميليت الابن: «إن مراجعةً موضوعية لهذه القضية تكشف عن مشهدٍ مشبعٍ بالغطرسة والامتياز. والأسوأ أن ذلك قد أتى ثماره».

وأكد الرأي المخالف أن محكمةً في فيرجينيا لم يكن لها قطّ حقّ منح الطفلة لعائلة ماست، ووبّخ القضاةُ الأسرةَ لقيامها، على حدّ وصفهم، بـ«تضليلٍ سافر» للمحاكم في مسعاها لتبنّي الفتاة.

«يتعيّن علينا أن نُدرك حقيقة التبنّي: إنه قطعٌ وبترٌ للحقوق التي تنبثق بطبيعتها لصالح من له، في الأصل، مطالبةٌ مشروعة بالولاية الأبوية. ومن ثمّ، فلا بد أن تكون إجراءاته بالغة الإتقان والنزاهة؛ إذ لا يليق بمجتمعٍ متحضّر أن يجيز ما دون ذلك. غير أن ما جرى هنا كان دون هذا المستوى»، كتب مان.

وأضاف: «لو صُوِّرت هذه العملية في هيئة خطٍّ مستقيم، لوجدنا أن (عائلة ماست) تجاوزته من أعلاه، وانحرفت عنه من أسفله، ودارت حوله، ثم اندفعت فاخترقته حتى لم يبقَ منه خطٌّ أصلًا — وإنما شظايا تتهاوى في فجوة».

وكالة أسوشييتد برس (AP).

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا