طارق رحمن، الذي عاد بعد سبعة عشر عاماً من المنفى ليصبح أبرز المرشحين لرئاسة وزراء بنغلاديش المقبلة، تعهّد بالقضاء على الفساد المستشري ووضع البلاد على «مسار جديد» مع انطلاق التصويت في أول انتخابات حرة ونزيهة منذ ما يقرب من عقدين.
وفي حديثه لصحيفة الغارديان قبل فتح صناديق الاقتراع صباح الخميس، وعد بعهد جديد من السياسة النزيهة، متعهداً باتباع نهج صارم من أعلى الهرم إلى أسفله، بلا تسامح مع الفساد، حال وصول حزبه، حزب بنغلاديش القومي (BNP)، إلى السلطة.
وبحسب استطلاعات الرأي، من المرجح أن يحقق حزب BNP أغلبية كبيرة على حساب خصمه، الحزب الإسلامي جماعة الإسلام، معيداً الحزب إلى الحكم بعد عشرين عاماً.
ورغم أسلوبه المتواضع وصوته الهادئ، اعترف طارق البالغ من العمر ستين عاماً بأن الانتخابات تجري في لحظة محورية لكنها «صعبة» لبنغلاديش، التي طالما صنفت من بين أكثر الدول فساداً في العالم، والتي تعرض فيها الديمقراطية لهجمات مستمرة لأكثر من عقد.
قال طارق: «شهدنا في النظام السابق تشجيع الفساد. تُرك اقتصادنا منهاراً. سيستغرق الأمر وقتاً، لكن إذا أسسنا مساءلة حقيقية في كل جزء من الحكومة وأرسلنا رسالة عبر السلسلة الإدارية، فسوف يؤدي ذلك في النهاية إلى ضبط الفساد».
وتعد هذه الانتخابات الأولى منذ سقوط رئيسة الوزراء الاستبدادية الشيخة حسينة 1446هـ (صيف 2024م). وقد أسفر الانتفاض الطلابي الذي أطاح بحسينة بعد خمس عشرة سنة في الحكم عن وفاة نحو 1400 شخص، وفق تقديرات الأمم المتحدة، عقب قمع الدولة للانتفاضة بعنف وقسوة.
وفي العام الماضي، أدانت محكمة حسينة – المقيمة حالياً في الهند – بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال الأيام الأخيرة من حكمها، وحُكم عليها بالإعدام.
وخلال الانتخابات الثلاث الماضية، اتهمت حسينة وحزبها «رابطة عوامي» بتزوير النتائج وقمع المعارضين بلا رحمة، بما في ذلك آلاف من نشطاء وقادة حزب BNP.
منذ 1446هـ (أغسطس 2024م)، تُدار بنغلاديش من قبل حكومة مؤقتة برئاسة الحائز على جائزة نوبل محمد يونس، المكلفة بإعادة الديمقراطية وتجهيز البلاد لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. ومع ذلك، ظلّت البلاد في حالة اضطراب، وسط تراجع في الأمن والنظام العام وإحباطات متزايدة بسبب الركود الاقتصادي.
وأكد المحللون أن إجراء انتخابات نزيهة وخالية من العنف سيكون خطوة حيوية للأمام للبلاد. ويبلغ عدد الناخبين المسجلين 127 مليون شخص، ولضمان أمن محكم، تم نشر أكثر من 900 ألف من رجال الشرطة والجيش وأفراد الأمن في يوم الاقتراع.
وقال توماس كين، المستشار الأول لمجموعة الأزمات في بنغلاديش: «هذه أول انتخابات موثوقة تُجرى في البلاد منذ 17 عاماً، لذا فهي ذات أهمية بالغة. الناس متحمسون للحصول على فرصة للتصويت بعد هذا الانتظار الطويل».
عاد طارق إلى بنغلاديش لخوض الانتخابات منهياً أكثر من سبعة عشر عاماً قضاها كمهرب سياسي. وتولى قيادة حزب BNP من والدته، رئيسة الوزراء السابقة خليدة ضياء، ويقول كثيرون في بنغلاديش إنهم لا يستطيعون نسيان الفساد الذي ازدهر خلال حكم حزب BNP السابق بين 2001 و2006، تحت قيادة والدته. ولم ينكر رحمن أن الحزب ارتكب «أخطاء» في الماضي، قائلاً: «لن أنكر ذلك. وإذا حاولنا إنكارها، فلن يفيدنا ذلك بشيء».
ومع ذلك، لم يُرحب جميع الناس في بنغلاديش بعودة طارق. فوالديه كانا رئيسي وزراء في البلاد، ولدى كثيرين يُنظر إليه على أنه مجرد جيل جديد من السياسيين السلاليين، مستمراً في السيطرة التي تمكّنت عائلتان من فرضها على بنغلاديش منذ الاستقلال عام 1971، والتي كان الكثيرون يأملون أن تنهيها انتفاضة يوليو.
حتى إذا فاز حزب BNP بأغلبية كبيرة في الانتخابات، شدّد المحللون على أن عودة حزب جماعة الإسلام الإسلامي وتحالفه الإسلامي – الأحزاب التي كانت محظورة في عهد حسينة – قد تمثل تحديات كبيرة أمام حزب BNP والعلمانية في بنغلاديش في المستقبل.
ويؤمن حزب جماعة الإسلام، إلى جانب حلفائه الذين يتبنون سياسات إسلامية “متشددة أكثر” -بحسب تعبير صحيفة الغارديان-، بتطبيق الشريعة، ومن المرجح أن يحصلوا على أكبر نسبة أصوات في تاريخهم ويشكلوا معارضة قوية.
واعترف رحمن بوجود «بعض الأشخاص المتطرفين الذين يحاولون القيام بهذه الأمور»، لكنه قال إن ذلك لا علاقة له «بالإسلام أو الدين». وبدلاً من ذلك، عزاه إلى «غياب الديمقراطية … لم يُسمح للناس بالتعبير عن أنفسهم لفترة طويلة، مما أدى إلى تراكم الإحباط وفي بعض الحالات، إلى التطرف».

طارق رحمن يلوّح من مركبة بعد وصوله إلى دكا قادماً من لندن في ديسمبر 2025.
أصر رحمن على أن صعود السياسة الإسلامية المتشددة لا يشكل تهديداً لتعددية بنغلاديش. وقال: «إذا تمكنا من ممارسة الديمقراطية، وإذا استطعنا توفير فرص عمل للشباب وإتاحة حياة كريمة لهم، أعتقد أن الناس سيتخلون عن هذا النوع من الأفكار».
واحدة من أكبر التحديات الجيوسياسية التي تواجه الحكومة الجديدة في بنغلاديش ستكون إعادة بناء العلاقات مع جارتها الهند. ففي عهد حسينة، كانت الهند أقرب حلفاء بنغلاديش، لكن العلاقات توترت بشدة بعد سقوط حكومتها وأصبحت معادية للعلن في الأشهر الأخيرة.
وعندما سُئل عما إذا كان بإمكان الهند وبنغلاديش إعادة بناء صداقة بينما تواصل دلهي توفير ملاذ آمن لحسينة ومئات من أعضاء حزبها، كان رحمن متحفظاً، قائلاً: «هذا يعتمد. يجب أن يكون الأمر على جانبهم أيضاً».
صحيفة الغارديان البريطانية.




اترك تعليقاً