قام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارته الثانية إلى موسكو خلال أربعة أشهر في 28 يناير، في الوقت الذي تسحب فيه روسيا قواتها من مدينة القامشلي شمال شرق سوريا. وقد تأمل موسكو أن يُسهم هذا الانسحاب في ضمان استمرار دمشق في منح روسيا حق الوصول إلى قواعد رئيسية في غرب سوريا.
يأتي الانسحاب الروسي من القامشلي في وقت سيطرت فيه قوات النظام السوري على مساحات شاسعة من الأراضي في وقت سابق من هذا الشهر من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد.
وتخوض القوات الموالية لشرعة معارك ضد قوات سوريا الديمقراطية في إطار مسعى لإخضاع كامل الأراضي السورية لسيطرة الحكومة في دمشق.أدى وقف إطلاق النار في 20 يناير بين القوات الموالية للحكومة وقوات سوريا الديمقراطية إلى سيطرة دمشق على محافظتي دير الزور والرقة في سوريا. أما وضع محافظة الحسكة، التي تضم القامشلي، فقد تُرك لمفاوضات لاحقة.
ومع ذلك، يبدو أن سيطرة الحكومة عليها أمر لا مفر منه.ويبدو أن الانسحاب الروسي من القامشلي قد بدأ الأسبوع الماضي.فقد أظهر مقطع فيديو نشرته شبكة روداو الإعلامية الكردية في 22 يناير طائرة نقل عسكرية روسية من طراز Il-76 تهبط في المطار. وفي لقطات لاحقة بُثت في 26 يناير، ظهرت معدات عسكرية روسية تُحمّل على متن طائرة Il-76. وفي اليوم نفسه، نشر موقع المونيتور لقطات من داخل ثكنة روسية مؤقتة، يُقال إنها كانت مهجورة قبل يومين.من المتوقع أن تعيد بعض القوات الروسية التي انسحبت من القامشلي انتشارها إلى قاعدة حميميم الجوية التي تسيطر عليها روسيا في غرب سوريا، بينما ستعود قوات أخرى إلى روسيا، حسبما أفاد مصدر سوري لوكالة رويترز في 26 يناير.
وقال مصدر آخر إن روسيا نقلت مركبات عسكرية وأسلحة ثقيلة إلى حميميم خلال اليومين السابقين.وجاء الانسحاب بعد أن ذكرت صحيفة كوميرسانت الروسية اليومية ، نقلاً عن مصدر سوري لم تسمه مطلع على الوضع، في 21 يناير أن الحكومة السورية قد تطلب من القوات الروسية إخلاء القامشلي كجزء من المفاوضات بشأن الحسكة.وقال مصدر لصحيفة كوميرسانت : “أعتقد أنه سيُطلب من الروس مغادرة القامشلي بالكامل، فليس لهم أي شأن هناك الآن”. ويبدو أن الجيش الأمريكي يتجه أيضاً نحو انسحاب كامل من شمال شرق سوريا، حيث كانت القوات الأمريكية تتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
استخدمت روسيا، التي دعمت الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد خلال الحرب الأهلية السورية التي استمرت 13 عاماً، مطار القامشلي لدعم الدوريات المشتركة مع تركيا بموجب اتفاقية عام 2019 لضمان انسحاب القوات الكردية من الحدود التركية السورية ومراقبة وقف إطلاق النار بين القوات الكردية والتركية. ومع ذلك، ظل الوجود العسكري الروسي في القامشلي محدوداً نسبياً.تُعدّ قاعدة حميميم الجوية ومركز طرطوس اللوجستي البحري في غرب سوريا أهمّ أصول روسيا. لم تقتصر فوائد هذه المنشآت على دعم نظام الأسد فحسب، بل منحت الجيش الروسي أيضاً منفذاً لتحقيق مصالحه في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا. وعندما أطاحت قوات المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام التابعة للشرع بالأسد في ديسمبر2024 ، بات استمرار الوجود الروسي في سوريا موضع تساؤل.لا تزال العلاقات متوترة بين موسكو والحكام الجدد لسوريا بعد أن وقفوا على طرفي نقيض خلال الحرب في سوريا. فقد ساهمت روسيا في قتل آلاف المدنيين، بما في ذلك في غارات جوية استهدفت مستشفيات وأسواقاً ومدارس ومخيمات لاجئين ، وذلك في إطار دعمها للأسد.وارتُكبت العديد من هذه الفظائع في محافظة إدلب ، معقل هيئة تحرير الشام. أما الروس، من جانبهم، فلا يزالون حذرين ممن يعدونهم العناصر المتطرفة في النظام الجديد.ومع ذلك، فقد اختار كلا الجانبين نهجاً عملياً. فعلى الرغم من أن الكرملين منح الأسد حق اللجوء، إلا أنه سرعان ما اعترف بالحكومة السورية الجديدة وانخرط دبلوماسياً لضمان استمرار الوصول إلى منشآته العسكرية.دعا الشرع روسيا إلى تسليم الأسد إلى سوريا لمحاكمته، وهو ما رفضته موسكو. كما فسخت دمشق عقدًا كانت بموجبه شركة روسية تدير وتشغل الجانب التجاري من ميناء طرطوس.
وفي الوقت نفسه، يرى الشرع أن سوريا ستستفيد من الحفاظ على علاقات ودية مع روسيا، بما في ذلك التعاون الدفاعي .في الخامس عشر من أكتوبر، التقى الشرع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو. ووعد الزعيم السوري بـ”احترام جميع الاتفاقيات” المبرمة بين روسيا وسوريا، في إشارة واضحة إلى المنشآت العسكرية، مع “العمل على إعادة تعريف طبيعة العلاقات مع روسيا”.صرح مسؤول في وزارة الخارجية السورية لوكالة رويترز بأن دمشق، التي استاءت من الوجود الروسي في القامشلي وعلاقاتها مع الأكراد، تفسر الانسحاب الروسي كبادرة تهدف إلى بناء علاقات طيبة وطمأنة الشرع بأن موسكو لن تتدخل في صراعه مع قوات سوريا الديمقراطية. وخلال لقائهما في 28 يناير، هنأ بوتين الشرع على “الزخم المتزايد” في “جهوده لاستعادة وحدة الأراضي السورية”.
وأفادت مصادر سورية وروسية بأن الشرع وبوتين ناقشا خلال اجتماعهما مستقبل منشأتي حميميم وطرطوس، إلى جانب قضايا إقليمية واقتصادية. ونقلت وكالة رويترز عن مصدر في وزارة الخارجية السورية أن الشرع كان يسعى أيضاً إلى تعزيز المشاركة الروسية في الترتيبات الأمنية المستقبلية في جنوب سوريا، بما في ذلك وجود الشرطة العسكرية في القنيطرة، في مرتفعات الجولان، لتكون بمثابة منطقة عازلة ضد التوغلات الإسرائيلية” .
حضر الاجتماع عدد من المسؤولين الروس ، من بينهم ديمتري شوغاييف، مدير الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري التقني. ويشير حضور شوغاييف إلى احتمال مناقشة مبيعات الأسلحة إلى سوريا، في ظل سعي شرع لإعادة بناء القدرات العسكرية لبلاده.حتى الآن، يبدو أن سوريا وروسيا على استعداد لطي صفحة الماضي والمضي قدماً في علاقاتهما الاقتصادية والأمنية الثنائية. ومع ذلك، سيكشف المستقبل إلى متى ستسمح الحكومة السورية لروسيا باستخدام أراضيها كقاعدة لتحقيق طموحاتها العالمية.
“Russian Troops Begin Evacuating from Northern Syria”, The Long War Journal.


اترك تعليقاً