الأويغور على مفترق الطرق: نفوذ الصين في سوريا ما بعد الأسد

61064

تستغل الصين المرحلة الانتقالية في سوريا بعد حكم الأسد للضغط على دمشق لإعادة مقاتلي الأويغور إلى بلادهم.

للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الصين في صفر 1447 هـ (نوفمبر/تشرين الثاني 2025م)، والتقى نظيره الصيني وانغ يي في بكين. وتركز الاجتماع على تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون، وكان أبرز بنود جدول الأعمال إعادة المقاتلين الإيغور من سوريا. وأشارت تقارير إعلامية إلى موافقة دمشق على إعادة 400 مقاتل إيغوري إلى بكين ، مما أثار مخاوف جدية بشأن سلامتهم. ورغم نفي الحكومة السورية لتقارير الترحيل، فقد أيّد الشيباني بقوة مبدأ الصين الواحدة خلال الاجتماع. وأكد تأييده لمخاوف الصين الأمنية، بما في ذلك ادعاء مكافحة الإرهاب، وصرح بأنه لن يُسمح لأي جهة يُنظر إليها على أنها تُهدد الأمن القومي الصيني بالعمل انطلاقاً من الأراضي السورية .

ومن الجدير بالذكر أن تعاطف الشيباني الصريح مع الصين بشأن مخاوفها جاء عقب امتناع بكين عن التصويت في مجلس الأمن الدولي على قرار رفع العقوبات عن الرئيس السوري أحمد الشرع، مُعللةً ذلك بمخاوف تتعلق بمكافحة الإرهاب، لا سيما فيما يخص المقاتلين الأجانب كالأويغور. وقال فو كونغ، المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، مدعي أنه يجب التصدي لخطر الإرهابيين الأجانب، والذي اتهم بالباطل أن أعضاء حركة تركستان الشرقية الإسلامية وحزب تركستان الإسلامي. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن الولايات المتحدة رفعت في عام 1441ه‍ـ (2020م) اسم حركة تركستان الشرقية الإسلامية من قائمة المنظمات الإرهابية بعد عقدين من الزمن، ودافعت عن هذا القرار قائلةً إنه على مدى أكثر من عشر سنوات، ” لم تكن هناك أدلة موثوقة على استمرار وجود حركة تركستان الشرقية الإسلامية “.

الوجود الإيغوري في التحول السياسي في سوريا بعد سقوط الأسد

في ربيع الآخر 1446 هـ (ديسمبر/كانون الأول 2024م)، أطاحت هيئة تحرير الشام، بقيادة الشرع، ومقاتلو المعارضة بنظام عائلة بشار الأسد، الذي حكم البلاد لمدة 53 عامًا. ينتمي العديد من هؤلاء المقاتلين إلى خلفيات عرقية متنوعة، من بينهم الإيغور من إقليم تركستان الشرقية، شمال غرب سوريا. غادر معظم هؤلاء الإيغور، الذين اعتبرتهم السلطات الصينية تهديدًا أمنيًا، تركستان الشرقية على دفعات، مدفوعين بالقمع الحكومي الصيني والتهميش الاقتصادي وانتهاكات حقوق الإنسان. أجبرت الاعتقالات التعسفية التي أعقبت أعمال الشغب العرقية في تركستان الشرقية عام (2009م) العديد من الإيغور على السفر إلى تركيا مع عائلاتهم للعيش في المنفى. ونتيجة لذلك، ونظرًا للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي واجهها الكثير منهم في تركيا، أصبحت محافظة إدلب السورية التي مزقتها الحرب ملاذًا لهم.

وبحلول 1436ه‍ـ (أوائل عام 2015م)، وصلت 700 عائلة أويغورية إلى محافظة إدلب، وانضم نحو 1500 أويغوري إلى جماعات جهادية محلية، من بينها تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة. ويُقدّر عدد المقاتلين الأويغوريين الذين يقاتلون إلى جانب مختلف الجماعات المسلحة في سوريا بنحو 4000 إلى 5000 مقاتل. وبدأت الحكومة الجديدة التي شُكّلت برئاسة الرئيس السوري أحمد الشرع في دمج المقاتلين الأجانب، بمن فيهم الأويغور، في الإدارة، حيث دُمجت غالبيتهم في وزارة الدفاع السورية. وأنشأت الحكومة السورية الجديدة الفرقة 84 ، التي تتألف في معظمها من مقاتلين أويغور، وبحلول ربيع الآخر 1446 هـ (ديسمبر/كانون الأول 2024م)، واستشهد -كما نحسبهم- ستة مقاتلين أجانب – من بينهم عبد العزيز داود هودابردي، وهو أويغوري يُعرف باسم زاهد – إلى رتبة عميد.

استراتيجية بكين الدبلوماسية تجاه سوريا

ينظر المقاتلون الإيغور وعائلاتهم إلى سوريا كوطن لهم نظرًا لمخاوفهم الأمنية مقارنةً بالدول الإسلامية الأخرى. وقد استغلت بكين قوتها الاقتصادية لعقد معاهدات تسليم المجرمين مع 81 دولة حول العالم، من بينها باكستان ودول آسيا الوسطى. ومنذ عام 1438ه‍ـ (2017م)، أجبرت بكين الدول الإسلامية على احتجاز 682 إيغوريًا، بمن فيهم الموجودون في تركيا، حتى بدون معاهدات تسليم رسمية. كما نجحت بكين في استخدام زعمها خطاب مكافحة الإرهاب للحصول على مساعدة من الإنتربول، حيث أرسلت 5530 تحذيرًا وتهديدًا وطلب اعتقال. ولأن نظام الأسد السابق حارب أيضًا المسلحين الإيغور، فقد دعمت بكين حكومة الأسد باستمرار وانتقدت احتجاجات الربيع العربي. ولحماية عائلة الأسد من العقوبات وحظر الأسلحة، استخدمت الصين حق النقض (الفيتو) في الأمم المتحدة ثماني مرات، مما زاد من توتر علاقاتها مع الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع. بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود الإيغور قد حد من الدعم الدبلوماسي والمساعدات الاقتصادية التي تقدمها بكين لحكومة الشرع مقارنة بالقوى الغربية، مما جعلها تشكل تحدياً استراتيجياً متزايداً للقيادة الصينية.

مع ذلك، تحتاج الحكومة السورية الجديدة إلى مساعدات مالية من دول أخرى، كالصين، لإعادة الإعمار بعد سنوات من الصراع، فضلاً عن دعم دبلوماسي لتعزيز مكانتها الدولية وإنهاء عزلتها. ولإعادة ضبط العلاقات مع القوى العالمية، زار الرئيس الشرع روسيا والولايات المتحدة ، والتقى بقادتهما لمناقشة تخفيف العقوبات. كما التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لطلب مساعدات اقتصادية لإعادة الإعمار بعد الحرب. وفي عام 1446-1447ه‍ـ (2025م)، حققت الحكومة الجديدة تقدماً ملحوظاً، حيث رفعت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي معظم العقوبات الدولية أو خففتها. وعلى النقيض من انخراط الغرب مع هيئة تحرير الشام وقادتها، لا يزال مقاتلو الإيغور مصنفين كإرهابيين، رغم أن واشنطن لم تعترض رسمياً على مشاركتهم في القوات المسلحة السورية.

تُظهر تصريحات وزير الخارجية السوري، الشيباني، في بكين تحولاً ملحوظاً عن نهج دمشق السابق تجاه الإيغور. فقد دمجت حكومة الرئيس الشرع الإيغور في حسابات الأمن السوري في مرحلة ما بعد النزاع، مُقرّةً بقيمتهم العسكرية وجذورهم الاجتماعية العميقة. إلا أن الشيباني، بتأييده العلني لمخاوف الصين ووعده بمنعهم من العمل على الأراضي السورية، قد عزز رواية بكين.

بالنظر إلى النفوذ المالي والدبلوماسي للصين على المنظمات الدولية، قد تسعى إلى إعادة الإيغور من سوريا واحتجازهم في معسكرات مماثلة لتلك الموجودة في تركستان الشرقية. وستُحدد الأشهر المقبلة ما إذا كانت تصريحات الشيباني مجرد محاولة تهدئة مخاوف الصين أم تحولاً جذرياً في موقفها من الإيغور، بما في ذلك النظر في إعادتهم جماعياً. ومع تعميق الصين لعلاقاتها مع سوريا، سيُحدد موقف الأخيرة المتغير من الإيغور كيفية تشكّل التحالفات الإقليمية في ظل تنافس القوى الكبرى.

ستحدد الفترة المقبلة ما إذا كانت تصريحات الشيباني مجرد مجاملة كلامية أم مؤشراً مبكراً على تنازلات جوهرية، بما في ذلك عمليات إعادة اللاجئين قسراً. ومع توسع نفوذ الصين في سوريا، سيظل موقف دمشق المتغير تجاه الإيغور مؤشراً حاسماً على كيفية إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في ظل تنافس القوى الكبرى.

Orfonline

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا