مقدمة: وهم التغيير بضغطة زر
من السهل جداً تحديث برمجية (Update) لتصل إلى ملايين المستخدمين في ثانية واحدة، لكن من الصعب جداً “تحديث” عقول البشر، أو مد كابلات الألياف الضوئية في الصحاري، أو تغيير قوانين بيروقراطية عمرها 50 عاماً. مشكلتنا مع الذكاء الاصطناعي اليوم ليست في “الابتكار”، بل في “التطبيق”. نحن نمتلك تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، ونحاول تشغيلها على بنية تحتية ومجتمعية تنتمي للقرن التاسع عشر. هذه “الهوة العظمى” هي محور هذا المقال.
أولاً: الجدار البشري.. بين الرفض والجهل
أكبر عقبة أمام الذكاء الاصطناعي ليست المعالج (Processor)، بل الإنسان.
- مقاومة التغيير والخوف من المجهول
لا يزال جزء كبير من سكان العالم ينظر للذكاء الاصطناعي بريبة شديدة. الأمر يتجاوز “الخوف على الوظيفة” ليصل إلى “الخوف الوجودي”. هناك رفض نفسي لفكرة أن تقوم آلة باتخاذ قرارات تخص حياة الإنسان (صحة، تعليم، قضاء). هذا الحاجز النفسي يجعل تبني التقنية في المؤسسات بطيئاً جداً، حيث يفضل الموظفون الطرق التقليدية “الآمنة” على الطرق الذكية “المقلقة”. - استمرار الجهل التقني
بينما نتحدث نحن عن “الحوسبة الكمومية”، لا تزال هناك أمية رقمية هائلة. التطبيق الشامل للذكاء الاصطناعي يتطلب مجتمعاً واعياً يعرف كيف يتعامل مع هذه الأدوات. الفجوة المعرفية تتسع؛ فبدلاً من ردم الهوة، خلق الذكاء الاصطناعي طبقة نخبوية “تتحدث مع الآلة”، وترك الملايين خلفه يغرقون في جهل تقني يجعلهم عرضة للتلاعب والتضليل، مما يعيق أي نهضة شاملة.
ثانياً: الدولة والسيف.. البيروقراطية والعسكرة
كيف تتعامل الحكومات والجيوش مع هذا الطوفان؟
- البيروقراطية السلحفاة
الذكاء الاصطناعي يتطور “أسيّاً” (Exponentially)، بينما الحكومات تتطور “خطياً” (Linearly). دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية (المرور، الضرائب، الصحة) يصطدم بجبال من القوانين واللوائح القديمة. الحكومات بطيئة الحركة بطبعها خوفاً من الخطأ، وهذا البطء يخلق تنافراً بين قطاع خاص يسبق الزمن، وقطاع عام لا يزال يستخدم الورق والأختام. - المعضلة العسكرية
على الجانب الآخر، القطاع العسكري هو الأسرع تبنياً، ولكن لأغراض تدميرية. السباق نحو “الأسلحة ذاتية التشغيل” (Lethal Autonomous Weapons) يستنزف موارد هائلة كان يمكن توجيهها للتنمية. الخطر هنا هو أن التطبيق العسكري للذكاء الاصطناعي قد يسبق التطبيق المدني، فنصل لمرحلة نمتلك فيها “روبوتات قتالية ذكية” بينما لا تزال مستشفياتنا تدار بأنظمة غبية.
ثالثاً: هشاشة الواقع.. البنية التحتية والبيئة
الذكاء الاصطناعي ليس “روحاً” تسري في الهواء، بل هو “جسد” مادي ثقيل جداً يحتاج لموارد هائلة.
- غياب البنية التحتية العالمية
لتطبيق الذكاء الاصطناعي عالمياً، نحتاج لإنترنت فائق السرعة (5G/6G)، وكهرباء مستقرة 24/7، ومراكز بيانات عملاقة في كل قارة. الواقع يقول إن نصف الكرة الأرضية لا يزال يعاني من انقطاعات الكهرباء الأساسية. لا يمكن الحديث عن “مدن ذكية” في دول تعاني من بنية تحتية متهالكة للصرف الصحي والطرق. التطبيق الشامل يتطلب ميزانيات ترليونية لـ “تعبيد الأرض” قبل “تثبيت البرامج”. - فيتو الطبيعة (الكوارث والتغير المناخي)
هذه هي النقطة الأخطر. التكنولوجيا المتقدمة هشة جداً. عاصفة شمسية واحدة، فيضان كبير يغرق خوادم تحت الأرض، أو موجة حر توقف أنظمة التبريد، كفيلة بإعادة حضارة الذكاء الاصطناعي إلى العصور المظلمة في ساعات. مع تزايد الكوارث البيئية، يصبح الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي مخاطرة كبرى. هل نجرؤ على تسليم إدارة السدود وشبكات الكهرباء لذكاء اصطناعي قد ينقطع عنه الاتصال بسبب إعصار؟ الطبيعة تملك الكلمة الأخيرة دائماً.
رابعاً: عامل الزمن.. الصبر المفقود
نحن جيل اعتاد “السرعة الفورية”، لكن بناء الحضارات لا يعمل بهذا المنطق.
التطبيق يحتاج أجيالاً
تطبيق الذكاء الاصطناعي بشكل يغير وجه الحياة فعلياً ليس مشروعاً لعام أو عامين. إنه مشروع قد يستغرق عقوداً.
- تغيير المناهج التعليمية لإنتاج جيل متوافق مع AI يحتاج 15 عاماً.
- تحديث البنية التحتية للطاقة يحتاج 10 سنوات.
- صياغة قوانين دولية ملزمة يحتاج سنوات من التفاوض. المشكلة تكمن في أننا نريد الثمرة الآن، وهذا التسرع يؤدي إلى تطبيقات مشوهة وغير ناضجة تفشل سريعاً، مما يعزز شكوك الناس.
الخاتمة العامة: التواضع أمام المستقبل
نحن نصل لنتيجة واحدة: الذكاء الاصطناعي قد يكون أعظم أداة اخترعها الإنسان، لكنها ليست عصا سحرية. إنه لا يحل مشاكل الجهل، الحروب، الفساد، أو الكوارث الطبيعية تلقائياً. هذه مشاكل بشرية تتطلب حلولاً بشرية.
المستقبل لا يُكتب بالخوارزميات فقط، بل يُكتب بـ:
- الوعي (لهزيمة الجهل).
- العدالة (لتوزيع البنية التحتية).
- الحكمة (لضبط الاستخدام العسكري).
- الاحترام (لقوانين الطبيعة).
الرحلة طويلة، وشاقة، ومكلفة.. والذكاء الاصطناعي هو مجرد “المحرك”، لكننا نحن من يجب أن يمسك بالمقود، ونحن من يجب أن يمهد الطريق.




اترك تعليقاً