عقب استيلاء الرئيس المالي أسيمي غويتا على السلطة عام 2021، شرعت مالي في تحول استراتيجي بطرد القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة من البلاد.
ورغم أن هذا التحول اعتُبر محفوفا بالمخاطر؛ نظرا لهشاشة البنية الأمنية في المنطقة، فقد سعت الحكومة المالية إلى إعادة تشكيل النموذج الأمني الإقليمي من خلال شراكات جديدة. وفي هذا السياق، واصلت مالي حربها ضد حركات التمرد عبر التعاون الأمني مع دول مثل روسيا والصين وتركيا.
“الإرهاب” في منطقة الساحل
بحسب ما يُعرف ب”مؤشر الإرهاب العالمي”، برزت منطقة الساحل كأكثر المناطق تركيزا للهجمات الإرهابية والوفيات المرتبطة بها على مستوى العالم.
وفي هذا السياق، تبرز منظمتان: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التابعة لتنظيم القاعدة، وفرع تنظيم الدولة في الساحل. إضافةً إلى ذلك، تنشط في المنطقة أيضا جبهة تحرير أزواد الانفصالية، المؤلفة من أفراد من الطوارق.
ظهرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مارس 2017، عندما أعلنت أربع جماعات تنشط في مالي، وهي أنصار الدين، والمرابطون، وجبهة تحرير ماسينا، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، اندماجها.
ومنذ ذلك الحين، شنت الجماعة هجماتها بشكل رئيسي في مالي وبوركينا فاسو. وتستهدف الجماعة عادة القواعد والمركبات العسكرية، بينما تقوم في الوقت نفسه بأنشطة دعائية بين السكان المحليين وفعاليات دعوية دينية، وتقدم نفسها كجهة ذات شرعية اجتماعية.
لا تقتصر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على الصراع مع الحكومة المالية فحسب، بل تتنافس أيضا مع تنظيم الدولة. وبحلول عام 2025، اتخذت هجمات الجماعة طابعا استراتيجيا بشكل متزايد.
خطر انتشار “الإرهاب“
في الأول من يوليو 2025، شنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجومًا لافتا للنظر أثار قلقا واسع النطاق. حيث شنّت هجمات متزامنة على سبع مدن في منطقة كايس غرب مالي، بالقرب من الحدود مع السنغال وموريتانيا.
وقد زاد موقع هذا الهجوم من مخاوف دول المنطقة والجهات الفاعلة الدولية بشأن الأمن في المنطقة. وحتى ذلك الحين، كان وجود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وعملياتها داخل مالي يتركز بشكل كبير في المناطق الغربية والشمالية مثل كيدال، وتمبكتو، وسيغو، وغاو. وقد دفع وقوع هجمات الأول من يوليو على مقربة من السنغال وموريتانيا العديد من المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت الجماعة تسعى للتوسع في غرب أفريقيا.
وفي أعقاب هجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الأول من يوليو 2025، يُحتمل أن يتطور وضع أمني مماثل حول منطقة الحدود بين مالي وموريتانيا والسنغال. علاوة على ذلك، يُعدّ الوصول إلى البحر أحد أبرز المخاطر المرتبطة بتوسع الجماعة غربا، إذ من شأن هذا الوصول أن يُعزز بشكل كبير قدراتها التجارية واللوجستية.
ورغم أن القوات السنغالية والمالية كثّفت دورياتها العسكرية المشتركة على طول حدودها المشتركة ردا على هذه الهجمات، إلا أنه لم يتم حتى الآن وضع إطار عمل ملموس للتعاون فيما يُسمى بمكافحة الإرهاب. وفي أعقاب الهجمات، فرضت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين حصارا على العديد من القرى والبلدات في منطقة كايس، ثم وسّعت نطاق هذا الحصار في سبتمبر.
حصار عاصمة مالي
في 3 سبتمبر 2025، وسّعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الحصار ليشمل العاصمة باماكو، مما أدى إلى أزمات حادة في جميع أنحاء البلاد. وتشير التقديرات إلى تدمير نحو 200 شاحنة نقل وقود خلال هذا الحصار.
كان التأثير المباشر للحصار على قطاع النقل، وامتدت آثاره إلى قطاعات أخرى. ونظرًا للدور الحيوي للوقود في توليد الكهرباء، توقفت الحياة اليومية في باماكو تقريبا. واستجابة لذلك، قررت الحكومة المالية في أواخر أكتوبر إغلاق المدارس حتى 9 نوفمبر.
جدير بالذكر أن مواقع التعدين في غرب مالي، التي تُعدّ من أهم مصادر دخل البلاد، تعتمد بشكل كبير على مولدات تعمل بالوقود، مما يعني أن الحصار يُهدد أيضا شريان الحياة الاقتصادي لمالي. ما دفع الحكومة في 7 أكتوبر الماضي من مرافقة 300 شاحنة نقل وقود إلى باماكو تحت حماية عسكرية.
إلى جانب تأثيره الاقتصادي، خلّف الحصار تداعيات سياسية خطيرة.
فبعد تطويق العاصمة، أصدرت دول عديدة، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، تحذيرات سفر لمواطنيها في مالي. وقد أثار هذا الوضع تكهنات في بعض الأوساط بأن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين قد تحاول الاستيلاء على باماكو، في إشارة إلى سيطرة طالبان على كابول في أفغانستان.
إلا أنه لا يُعتقد حاليًا أن الجماعة تمتلك النية أو القدرة على حكم البلاد. فحتى لو تمكنت من السيطرة على باماكو، فإنها تفتقر إلى الكوادر البشرية المدربة اللازمة لإدارة دولة. علاوة على ذلك، من المرجح أن تدعم الدول التي تربطها علاقات ثنائية متينة مع مالي الحكومة في مثل هذا السيناريو، مما يزيد من صعوبة مهمة الجماعة.
أحد المحاور التشغيلية الرئيسية الأخرى لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، هي قيام الجماعة باحتجاز رعايا أجانب وطلب فدية من بلدانهم الأصلية مقابل إطلاق سراحهم. وفي أكتوبر الماضي، احتُجز مواطنان إماراتيان على يد الجماعة. وأفادت التقارير بعقد مفاوضات بين الإمارات والجماعة والحكومة المالية. وزُعم أن المفاوضات طالت، بسبب رفض مالي محاولة الجماعة التفاوض مباشرةً مع الإمارات، دون تدخل الحكومة.
وفي نهاية المطاف، تم التوصل إلى اتفاق حول دفع فدية قدرها 50 مليون دولار، وقد قبلت الإمارات بذلك لضمان إطلاق سراح مواطنيها.
تحول استراتيجي واسع النطاق
نفذت عمليات ما يُعرف بمكافحة الإرهاب في إطار عملية برخان، بينما حافظت الأمم المتحدة على وجودها من خلال بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما). إلا أنه بعد وصول أسيمي غويتا إلى السلطة، توقفت هذه العمليات، وانسحبت القوات الأجنبية من البلاد.
وشهدت النيجر وبوركينا فاسو تطورات مماثلة، مما يشير إلى تحول استراتيجي أوسع نطاقاً في منطقة الساحل.
ومن الأبعاد الرئيسية الأخرى لهذا التحول تنامي التعاون الأمني بين مالي وروسيا؛ فقد نفذت قوات فاغنر والفيلق الأفريقي عمليات مشتركة مع الجيش المالي. ومع ذلك، فقد ثبت أن هذا الدعم غير كافٍ، إذ واصلت الجماعات الإسلامية والانفصالية توسيع أنشطتها.
تركيا تبني شراكة
وبالانتقال إلى تركيا، فقد حظي دعمها العسكري باهتمام خاص.
ففي حالة مالي، تم شراء طائرتين مسيرتين من طراز بيرقدار TB2 في عام 2022، تلتها ثلاث طائرات أخرى في عام 2023. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت لقطات نشرتها شركة الأمن التركية “أكاديمية جانيك” في نوفمبر 2024 تقديم تدريب للقوات الخاصة المالية.
علاوة على ذلك، وفي الوقت الذي كانت فيه باماكو تخضع لحصار من قبل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتحث دول غربية، بما فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مواطنيها على مغادرة مالي، استضافت تركيا معرضًا للصناعات الدفاعية في العاصمة.
وقد حظي معرض BAMEX25، الذي أقيم في الفترة من 11 إلى 24 نوفمبر، باهتمام كبير من العديد من الدول في أفريقيا وخارجها.
يُظهر تحليل مبادرات التعاون الأمني التركية أنها تُقدم دعماً كبيراً لما يُعرف بمكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار الإقليمي. وقد حقق استخدام الجيش المالي للطائرات المسيّرة تركية الصنع في ضرب أهدافا تابعة للجماعات المسلحة تقدما ملحوظا، ما يجعله نموذجا يُحتذى به للدول الأخرى التي تواجه تحديات مماثلة. وهذا يُبرز القدرات المتقدمة للصناعة الدفاعية التركية ومساهمتها العالمية في جهود مكافحة الإرهاب.
قد يؤدي التوسع المحتمل للمنظمات المسلحة إلى تحالفات عسكرية إقليمية جديدة، أو إلى تعميق التعاون مع الجهات الفاعلة العالمية. كما أن التهديد الذي يواجه السنغال وموريتانيا عبر منطقة كايس في مالي، وربما المغرب في حال تمكن المسلحون من الوصول إلى المياه الإقليمية، قد يدفع إلى تعزيز التعاون مع هذه الدول.
تتميز تركيا، بصفتها فاعلاً خارجياً، بخبرتها في مكافحة الإرهاب، وقدراتها الصناعية الدفاعية، وعلاقاتها الدبلوماسية والثقافية المتينة مع دول المنطقة. وبفضل اتفاقيات التعاون الأمني القائمة في مختلف أنحاء المنطقة، تستطيع تركيا توسيع نطاق مشاركتها للمساهمة في استقرار المنطقة و”مكافحة الإرهاب” العالمي.
مترجم من
“Blockade in Mali: Terror threat from Sahel to West Africa”, The Daily Sabah.




اترك تعليقاً