استطلاع يتسم بالإسلاموفوبيا يستهدف المسلمين في فرنسا، وتلاحقه اتهامات بوجود صلات له بدولة الإمارات

France Muslims Mosque Islah Montreuil 9 September 2025 Guay AFP.jpg

مفوّض الاستطلاع تربطه علاقات بشركة استخبارات وُجّهت إليها اتهامات بالتورط في قضية نفوذ وتضليل واسعة، يُزعم أن أبوظبي تقف خلف تدبيرها.

الاستطلاع المثير للجدل حول المسلمين في فرنسا، والذي أجرته إحدى أبرز مؤسسات استطلاع الرأي في البلاد، كُلّف به من قِبل شركة إعلامية مرتبطة بحملة تشويه يُشتبه في أنها إماراتية.

الدراسة، التي نشرها يوم الثلاثاء المعهد الفرنسي للرأي العام (Ifop)، تزعم أنها تهدف إلى «رسم صورة راهنة لطبيعة العلاقة مع الإسلام والإسلاموية لدى المسلمين في فرنسا»، مشيرة إلى أن نسبتهم ارتفعت من 0.5 بالمئة من إجمالي السكان عام 1405هـ (1985م) إلى 7 بالمئة عام 1446هـ (2025م)، ما يجعل الإسلام «ثاني أكبر ديانة في البلاد».

ويخلص الاستطلاع إلى وجود «ظاهرة إعادة أسلمة» تمسّ على وجه الخصوص الأجيال الشابة، وتترافق مع «تصاعد مقلق في تبنّي الأيديولوجيا الإسلاموية».

وبحسب معهد Ifop، تكشف المعطيات عن «تكثّف في الممارسات الدينية، وتشدد في المواقف إزاء قضايا الاختلاط بين الجنسين، وتنامي التعاطف مع التيارات الراديكالية للإسلام السياسي».

ويشير التقرير، على وجه الخصوص، إلى أن «نحو واحد من كل اثنين من المسلمين (46 بالمئة) يعتقدون بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في البلدان التي يقيمون فيها».

ووفقًا لمعهد Ifop، فإن «هذه المعطيات تصبّ في مصلحة من يخشون تحوّل السكان المسلمين إلى ما يُسمّى بـ“مجتمعٍ موازٍ”، أي السعي إلى تنظيم شؤون الحياة اليومية وفق معايير دينية مغايرة، بل وربما مناقضة، لقيم المجتمع الأغلبي».

ويضيف التقرير أن «هذا التوجّه، بعيدًا عن أن يتراجع مع مرور الزمن، يبدو على العكس من ذلك آخذًا في الترسّخ جيلًا بعد جيل، مدفوعًا بشباب يزداد إصراره على تأكيد هويته الإسلامية في مواجهة مجتمع فرنسي يُنظر إليه على أنه معادٍ».

المسلمون بوصفهم «عدوًا داخليًا»

حظي الاستطلاع بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الفرنسية وبين الأوساط السياسية، ولا سيما داخل التيارات المحافظة، حيث اعتُبر دليلًا على وجود رغبة لدى المسلمين في وضع أنفسهم في موقع مناوئ للجمهورية وقوانينها.

وفي حديثها عن «أرقام مرعبة»، صرّحت السياسية اليمينية المتطرفة ماريون ماريشال لوبان، ابنة شقيقة مارين لوبان، بأن فرنسا قد «تجد نفسها في مواجهة مئات الآلاف، وربما الملايين، من المسلمين المتطرفين الذين سيسعون إلى تطبيق الشريعة».

ومساء الثلاثاء، بدا أن وزير الداخلية لوران نونيز تفاعل بدوره مع نتائج الاستطلاع، مشددًا على «الضرورة الملحّة لإطلاق المرحلة الثالثة» من تحرّك الحكومة لمواجهة ما وصفه بـ«التغلغل السياسي للإسلام السياسي»، بما في ذلك بحث إمكانية استحداث جريمة جديدة تحت مسمى «تقويض التماسك الوطني».

وزعم الوزير: «ستظل القوانين الجمهورية دائمًا أسمى من القوانين الدينية، مهما كانت مصادرها، ومهما يكن نوعها، بما في ذلك الشريعة».

إلا أن الاستطلاع وُجّهت إليه اتهامات بالتحيّز، سواء في منهجيته أو في تفسيراته، وبأنه يمهّد الطريق لسرديات «إسلاموفوبية» و«مهيّبة» تهدف إلى «تغذية الخوف والكراهية والانقسام».

فعلى سبيل المثال، أعرب مدير المسجد الكبير في باريس عن أسفه من التعامل مع الممارسة الدينية الإسلامية بوصفها تهديدًا. وندد بـ«إحصائية ساذجة تتحوّل، عبر تحوّل بلاغي، إلى خطاب خطر»، حيث يُربط «البعد الروحي» بـ«التشدّد، ومن ثمّ بـ‘الإغراء الإسلاموي’، ومن ثمّ بـ‘التطرّف’». كما أدان رئيس مرصد مكافحة الإسلاموفوبيا، عبد الله زكري، «دراسة مصممة خصيصًا لتغذية برامج التلفزيون النقاشية بإثارة أمنية، والانغماس في الإثارة، وتقديم مادة أساسية لمحرضي الخوف».

أشار الصحفي جان-بيير أباتي إلى أن تفسير الاستطلاع يصوّر المسلمين الفرنسيين كـ«أشخاص بلا وطن، مرتبطين أكثر بمجتمعهم الخاص منه بالبلد الذي يعيشون فيه»، مضيفًا: «هذا ما قيل عن اليهود قبل قرن من الزمن».

وبالنسبة للمنهجية، أشار كثيرون إلى حجم العينة غير التمثيلية، والذي بلغ 1,005 أشخاص يعرفون أنفسهم بأنهم «مسلمون».

وقد استُخدمت كلمات مثل الإخوان المسلمون، السلفية، و«الإسلاموية» دون تعريف دقيق لأولئك الذين شملهم الاستطلاع.

رغم الاستنتاجات المتعلقة بـ«الشريعة»، لم يستخدم القائمون على الاستطلاع هذه الكلمة صراحة؛ بل اكتفوا بالإشارة إلى «القانون الإسلامي».

وللوصول إلى نسبة «46 بالمئة» من المستطلَعين الذين يعتقدون بأن الشريعة «يجب تطبيقها»، جمع الاستطلاع بين 15 بالمئة من المسلمين الذين قالوا إن القانون الإسلامي «يجب تطبيقه كاملًا» و31 بالمئة الذين رأوا أنه «ينبغي تطبيقه جزئيًا ويمكن تكييفه مع قواعد البلد الذي يعيش فيه المرء».

حملات إماراتية مزعومة

أشار البعض إلى الجهة الراعية للاستطلاع، مجلة Écran de Veille (شاشة المراقبة)، التي تصف نفسها بأنها «مجلة شهرية لمقاومة التعصّب»، ويصدرها موقع يُدعى Global Watch Analysis.

ويركّز المحتوى التحريري لهذه الوسائل الإعلامية تقريبًا بشكل حصري على التنديد بـ«الإسلاموية»، ولا سيما الإخوان المسلمين وجماعاتهم المرتبطة، مثل حركة حماس الفلسطينية، كما تتعرّض قطر بشكل متكرر للانتقاد.

وبحسب التقارير، تلقت هاتان الوسيلتان تمويلًا من شركة Countries Reports Publishing، وهي شركة ظاهرية مسجّلة في المملكة المتحدة تُخفي هويات مساهميها ومرتبطة بمنشورات أخرى معادية للإسلام السياسي.

ووفقًا لصحيفة Liberation الفرنسية، يُذكر مدير النشر، عثمان تازاغارت، بالإضافة إلى العديد من مساهميه، في قضية واسعة النطاق تتعلق بالتدخل والتضليل، يُزعم أن دولة الإمارات نفّذتها في فرنسا عبر شركة الاستخبارات السويسرية Alp Services، وكُشفت تفاصيلها على يد موقع Mediapart في مارس 2023.

وبعد بضعة أشهر، كشفت وسائل الإعلام الاستقصائية الفرنسية أيضًا أن الإمارات كانت متورطة في حملة تشويه استهدفت أكثر من ألف شخص ومئات المنظمات من 18 دولة أوروبية، تمّت مراقبتها من قبل شركة Alp Services، وصوّرت على أنها على صلة بالإخوان المسلمين.

وأظهرت التحقيقات، التي أُطلقت عليها تسمية «أسرار أبوظبي»، أن السلطات الإماراتية دفعت ما لا يقل عن 5.7 مليون يورو (6.5 مليون دولار) لتنفيذ هذه الحملة.

وبمجرد جمع مجموعة سويسرية للمعلومات حول الأشخاص المحددين وإرسالها إلى أجهزة الاستخبارات الإماراتية، تمكن العملاء من استهدافهم بشكل أوسع عبر حملات إعلامية، ومنتديات نُشرت عنهم، وإنشاء حسابات وهمية، وتعديل صفحات ويكيبيديا الخاصة بهم.

وعند تواصل صحيفة Liberation معه بشأن الاستطلاع، نفى تازاغارت «أي شبهة تدخل أجنبي» ورفض الكشف عن الجهة وراء شركة Countries Reports Publishing، قائلاً إن الشركة توقفت عن تمويل مجلة Écran de Veille في «2022 أو 2023» وأنها تمول نفسها الآن ذاتيًا.

وفي المقابل، أوضح معهد Ifop لموقع Mediapart أن «الجهة المكلفة، مثل أي وسيلة إعلامية، شاركت في اختيار المواضيع، لكنها لم تكن مسؤولة عن صياغة أي من أسئلة الاستطلاع» وأنها «لم تراجع التقرير النهائي قبل نشره».

وحاول موقع Middle East Eye التواصل مع وزارة الخارجية الإماراتية للتعليق، إلا أنه لم يتلقَ أي ردّ حتى لحظة النشر.ومع ذلك، أثارت هذه التصريحات غضبًا واسعًا في صفوف اليسار.

وكتب فانييه على منصة X: «عملية وصم مواطنينا المسلمين، التي نسّقها Ifop وعززتها لوبان وكامل اليمين المتطرف الفرنسي، كُلّفت بها جهة مرتبطة بأجهزة الاستخبارات الإماراتية».

Middle East Eye.

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا