الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط: حماية التفوق الإسرائيلي وتطويع أنظمة المنطقة

828d5f75c53861866272627e0edf32cc

تحظى منطقة الشرق الأوسط بأهمية استراتيجية بالغة، تتجلى في موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية، ما جعلها مسرحًا تتلاطم فيه المصالح وتتناوب فيه التوترات. فمن الناحية الجغرافية، تُعدّ هذه المنطقة قلب العالم، وحلقة وصل بين الشرق والغرب، وفيها أهم الممرات الاقتصادية في العالم، وتشكل حلقة الربط بين ثلاث قارات: آسيا وإفريقيا وأوروبا. ومن يسيطر على الشرق الأوسط يملك قدرة واسعة على التأثير في النظام العالمي.

أما من حيث الموارد الطبيعية، فتحتوي هذه المنطقة على نحو 48% من احتياطي النفط العالمي و40% من احتياطي الغاز، وهو ما يمثل جزءًا كبيرًا من طاقة العالم. وقد أحكمت القوى الغربية سيطرتها على هذه الموارد والممرات، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء، بينما تتطلع القوى الصاعدة في الشرق إلى انتزاع جزء من هذه السيطرة لصالحها.

وتتميز المنطقة كذلك بكونها فضاءً إسلاميًا كان خاضعًا لقرون طويلة للإمبراطوريات الإسلامية، وصولًا إلى الدولة العثمانية، وما زالت أغلبية سكانها من المسلمين. لذلك فإن اجتماع هذه العوامل وتكامل قدراتها ومواردها ليس في مصلحة القوى الغربية ولا الشرقية. ومن هنا برزت حاجة الولايات المتحدة إلى استغلال هذه الثغرات لتحقيق أهدافها القومية ومصالحها الاستراتيجية.

وفيما يلي أبرز آليات تحقيق الولايات المتحدة لمصالحها في الشرق الأوسط:

أولًا: حماية أمن إسرائيل وتفوقها العسكري والتكنولوجي

تعد العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من أعمق العلاقات الاستراتيجية، وهي علاقات قائمة على أسس عقائدية قبل أن تكون مبنية على المصالح البحتة. إذ ترتبط هذه العلاقة بجذور دينية تعود إلى البيئة البروتستانتية المنتشرة في المجتمع الأمريكي، والتي تحمل تعاطفًا تاريخيًا وفلسفيًا خاصًا تجاه اليهود. وقد جاء الاعتراف الأمريكي الفوري بإسرائيل في 14 مايو 1948 ليؤسس لعلاقة متينة تطورت مع الزمن لتصبح علاقة قائمة على مبادئ مشتركة.

وتعتبر الولايات المتحدة إسرائيل حليفها الاستراتيجي الأول في الشرق الأوسط، ورأس الحربة في أي سيناريو مواجهة محتمل مع قوى إقليمية. وبما أنّ الجغرافيا والديمغرافيا لا تمنح إسرائيل ضمانات كافية للبقاء، فقد وفّرت واشنطن لها أدوات التفوق الخارجي، عبر ما يلي:

  • التفوق العسكري والتكنولوجي والمالي

قدّمت الولايات المتحدة لإسرائيل دعمًا عسكريًا واسعًا، شمل أحدث الأسلحة، ومنها مقاتلات F-35 الشبحية، مع السماح لها بإجراء تعديلات هندسية وبرمجية خاصة، وهو مستوى غير مسبوق من التعاون. كما منحتها تمويلًا سنويًا يناهز أربع مليارات دولار في البرامج الدفاعية، شمل القبة الحديدية، ومقلاع داود، ومنظومة السهم، إضافة إلى الدعم الأمني والتسليحي المستمر.

  • ترسيخ التفوق النوعي بقانون ملزم:

أصدرت الولايات المتحدة قوانين تلزم إدارتها بالحفاظ على “التفوّق العسكري النوعي” لإسرائيل، مثل قانون التعاون الأمني المعزز لعام 2012. ووفقًا لهذه التشريعات، لا يجوز تمرير أي صفقة سلاح لدول الشرق الأوسط إلا بعد مراجعتها في الكونغرس والتأكد من أنها لا تهدد التفوق الإسرائيلي. ولإسرائيل عمليًا حق النقض على صفقات الأسلحة الموجهة لدول المنطقة حتى لحلفاء واشنطن ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية مثل الإمارات.

  • غطاء دبلوماسي شامل في مجلس الأمن

توفر الولايات المتحدة لإسرائيل غطاءً دبلوماسيًا غير مسبوق، إذ استخدمت حق النقض (الفيتو) لصالحها 48 مرة منذ تأسيس مجلس الأمن حتى سبتمبر 2025، بينها ست مرات خلال حرب “طوفان الأقصى”، حيث اعتُبرت جميع أفعال إسرائيل الإجرامية “دفاعًا عن النفس”.

  • تدمير عناصر المناعة في المنطقة

تتولى الولايات المتحدة—عبر إسرائيل غالبًا—إضعاف عناصر القوة التي قد تشكل تهديدًا للتفوق الإسرائيلي. فقد دُمر المفاعل النووي العراقي في الثمانينيات، والبرنامج النووي السوري عام 2007، وحين تعجز إسرائيل تتدخل واشنطن مباشرة، كما فعلت في غزو العراق، واستهداف المفاعلات الإيرانية، وتقويض الجيوش الإقليمية.

ثانيًا: تطويع الأنظمة وهندستها بما يمنع أي تهديد لأمن إسرائيل

تدرك الولايات المتحدة هشاشة الوضع الجغرافي والديمغرافي لإسرائيل، وخطورة أيديولوجيا شعوب المنطقة على أمنها، لذلك تنتهج واشنطن سياسة “التقسيط” التي تقوم على الإضعاف التدريجي وتفكيك القدرات وتطويع الأنظمة.

وقد صنّفت دول المنطقة إلى صنفين:

  • أنظمة متواطئة

تتعامل الولايات المتحدة مع هذا الصنف بسياسة “التخدير والتهميش”.فتعمل على اختراق النظام الحاكم وضمان أنه لا يشكل تهديدًا لإسرائيل، بل يتحول إلى أداة تخدم مصالحها. وتدعمه واشنطن بالسلاح وبالمال بالقدر الكافي لفرض السيطرة الداخلية وقمع الشعوب، ويستعين هذا النظام برجال الدين والإعلام لإدارة الرأي العام. وهذا واقع دول الخليج ومصر.

وتفتتح واشنطن في هذه الدول قواعد عسكرية متى اقتضت مصالحها، كما في الخليج، حيث تُوظَّف لمواجهة التمدد الإيراني ومحاربة ما يُسمى “الإرهاب”، والسيطرة على الممرات المائية، وإقصاء المنافسين الإقليميين. وتعد هذه القواعد أيضًا مصدرًا معلوماتيًا يزوّد إسرائيل ببيانات استخبارية حساسة.

وتبقى العلاقة مع هذه الدول علاقة مصلحة لا مبادئ؛ تنتهي بانتهاء الحاجة، وقد تنقلب على أصحابها في أي لحظة. وليس أدلّ من ذلك أن قطر، التي تستضيف أكبر قاعدة أمريكية خارج الولايات المتحدة (قاعدة العديد)، لم تجد حماية أمريكية خلال الهجمات الإسرائيلية، بل حصل تواطؤ واضح ضدها ، بعد ان تم تخديرها بواسطة الاتفاقيات ، والدور جاى على أي نظام من هذا الصنف طال الزمان أم قصر.

  • أنظمة غير متواطئة

تتعامل الولايات المتحدة مع هذا الصنف بسياسة “التدمير والتهشيم”، عبر:

1.غزو الدولة وإسقاط النظام (كما في العراق)

2.تدمير القدرات العسكرية (ليبيا، سوريا)

3.خلق أزمات خانقة مثل العقوبات، أو دعم جبهات معارضة، أو تأجيج اضطرابات داخلية (السودان، اليمن).

وغيرها من الطرق والسبل.

وتوظّف واشنطن الأنظمة المتواطئة في ضرب الأنظمة غير المتواطئة؛ إذ غالبًا ما تكون هذه الأنظمة أداة لتمرير السياسات الأمريكية وتنفيذ استراتيجياتها في المنطقة.

فخلال غزو الولايات المتحدة للعراق، شكّلت الكويت القاعدة الرئيسة لانطلاق الجيوش البرية، بينما مثّلت قطر مركز قاعدة البيانات وقيادة العمليات والتنسيق والتحكم، وقدّمت السعودية تسهيلات جوية وبحرية وسهلت عمليات مراقبة الحدود. وتشير التقارير كذلك إلى أن تركيا سمحت باستخدام مجالها الجوي للطائرات الأمريكية، كما تمكنت وحدات صغيرة من القوات الخاصة الأمريكية من العمل في شمال العراق بدعم مباشر من القوات الكردية.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل تُسجَّل أيضًا أدوارٌ أخرى من ـ”الأفعال القذرة” والحروب بالوكالة؛ فالإمارات، على سبيل المثال، تنخرط في الصراعات المدمّرة في السودان واليمن وليبيا.كما تمويل مجموعات مرتزقة في الصومال، ولا سيما في إقليمي جوبالاند وبونتلاند ذوي النزعة الانفصالية ، والإقليم الإنفصالي شمال غرب الصومال،أو ما يسمى ب”صوماليلاند” ، وتسهم في توسيع رقعة الخلافات السياسية بين الحكومة المركزية والأقاليم المذكورة لدعم الانفصال.

وتنظر واشنطن إلى الأنظمة المتواطئة وغير المتواطئة بوصفهما معًا خصمين لها، غير أنّ الفرق بينهما يكمن في أن الأولى تُبقيها في دائرة التدخير، بينما تعمل على تدمير الثانية وإضعافها بصورة مباشرة وفق سياسة التقسيط وعدم الخوض في الحروب ذات الجبهات العريضة.

يتضح من مجمل السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط أن واشنطن لا تتحرك وفق ردود أفعال عابرة، بل ضمن استراتيجية بعيدة المدى تقوم على ركيزتين: ضمان التفوق الإسرائيلي المطلق، ومنع تشكّل قوة إقليمية مستقلة يمكن أن تهدد هذا التفوق أو تقيّد النفوذ الأمريكي. وقد توزعت أدوات هذه الاستراتيجية بين الدعم العسكري والمالي لإسرائيل، وهندسة الأنظمة الحاكمة في المنطقة، واستخدام القوة المباشرة حين ترى ضرورتها.

ومع استمرار اختلال موازين القوى، تبقى شعوب المنطقة—لا الأنظمة—هي الطرف الأكثر تضررًا من هذه السياسات، خاصة في ظل تغذية الانقسامات الداخلية، وإضعاف البنى العسكرية والاقتصادية، وتحويل المنطقة إلى ساحات صراع بالوكالة. ومع ذلك، يظل الشرق الأوسط منطقة “مفتوحة الاحتمالات”، إذ تمتلك من عناصر القوة والثقل البشري والجغرافي والاقتصادي ما يؤهّلها لإعادة تشكيل موقعها في النظام العالمي، متى توفرت الإرادة والوحدة والرؤية المشتركة.

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا