تشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين خلال عام 2026، وسط تزايد أعداد القتلى والمهجرين الفلسطينيين، واتساع عمليات الاستيلاء على الأراضي وتخريب الممتلكات والمزروعات، في وقت تحذر فيه منظمات دولية من أن العام الحالي يتجه لتسجيل أعلى مستويات عنف المستوطنين منذ بدء توثيق هذه الاعتداءات.
وأفاد تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» بأن الجيش الإسرائيلي قتل، مساء الأربعاء، الشاب عمر محمد نعسان (19 عامًا) والفتى خليل راسم شحادة (16 عامًا) في قرية المغير شرقي رام الله، خلال هجوم شنه مستوطنون مسلحون بهدف سرقة أغنام من أحد المنازل.
وقال مرزوق أبو نعيم، عضو مجلس القرية والناشط في توثيق اعتداءات المستوطنين، إن المستوطنين هاجموا منزلًا في القرية لسرقة المواشي، قبل أن تقتحم قوات إسرائيلية المنطقة وتنتشر لحمايتهم، فيما تمركز قناصة فوق سطح المنزل المستهدف.
وبحسب روايته، خرج نعسان من منزله المجاور لمعرفة ما يجري، فأطلق عليه قناص إسرائيلي النار وقتله، قبل أن يُصاب شحادة بالرصاص بعد خروجه من منزله على الجانب المقابل عقب سماعه صراخ الأهالي.
وأضاف أن سيارات الإسعاف مُنعت لبعض الوقت من الوصول إلى المصابين، ولم يُسمح بنقلهما إلا بعد إجراء تنسيق عبر مكتب الارتباط العسكري، إلا أنهما كانا قد فارقا الحياة نتيجة النزيف الشديد.
وفي الأثناء، غادر المستوطنون المكان بعد الاستيلاء على الأغنام تحت حماية الجيش، وفق المصدر ذاته.
أكثر من ألفي اعتداء خلال أغسطس
وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية إلى تسجيل 2,030 اعتداءً في الضفة الغربية خلال أغسطس/آب وحده، بينها 1,402 نفذتها القوات الإسرائيلية و628 نفذها مستوطنون.
وتركزت اعتداءات المستوطنين بصورة خاصة في محافظتي رام الله والبيرة بواقع 157 اعتداءً، ونابلس بـ137 اعتداءً، والخليل بـ120 اعتداءً.
كما رصدت الهيئة محاولات لإقامة 32 بؤرة استيطانية جديدة خلال الشهر نفسه.
وأدت الاعتداءات المشتركة التي نفذها مستوطنون وقوات إسرائيلية على الأراضي الزراعية إلى تضرر 21,508 أشجار، بينها 19,375 شجرة زيتون، فيما تضرر بصورة مباشرة من هجمات المستوطنين 164 فلسطينيًا، بينهم 20 طفلًا و17 امرأة.
تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية
وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد حذرت، في تقرير صدر في 20 أغسطس/آب، من أن عنف المستوطنين المدعوم من السلطات الإسرائيلية أصبح عاملًا رئيسيًا في تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.
وقالت المنظمة إن 107 بلدات وقرى وتجمعات فلسطينية تعرضت للتهجير الكامل أو الجزئي منذ يناير/كانون الثاني 2023، وإن عام 2026 يسير نحو تسجيل رقم قياسي في اعتداءات المستوطنين.
وبحسب أرقام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» التي أوردتها المنظمة، بلغ متوسط هجمات المستوطنين التي أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات نحو 6.6 اعتداءات يوميًا، وهو أعلى معدل يسجله المكتب منذ بدء توثيق هذه الحوادث.
وكانت «أوتشا» قد وثقت حتى 24 يوليو/تموز مقتل 15 فلسطينيًا، بينهم طفلان، على يد مستوطنين خلال عام 2026، وهو رقم كان يضع العام الحالي على مسار تجاوز الرقم القياسي السابق المسجل عام 2023، عندما قتل المستوطنون 16 فلسطينيًا.
واتهمت «هيومن رايتس ووتش» السلطات الإسرائيلية بعدم الاكتفاء بالفشل في حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين، بل بتقديم دعم مالي ومادي وقانوني للمستوطنين المتورطين في هذه الهجمات.
76 فلسطينيًا قُتلوا في الضفة
وحذرت الأمم المتحدة في أغسطس/آب من وصول الوضع في الضفة الغربية إلى «نقطة الانهيار»، مشيرة إلى أن عنف المستوطنين بلغ مستويات غير مسبوقة.
ووفقًا لنائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، وثقت المنظمة أكثر من 1,430 حادثة عنف نفذها مستوطنون منذ بداية العام، وطالت نحو 260 تجمعًا فلسطينيًا.
كما أفادت الأمم المتحدة بأن 76 فلسطينيًا قُتلوا في الضفة الغربية على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين حتى 10 أغسطس/آب 2026.
وأشارت إلى أن نحو 3,800 فلسطيني نزحوا من مناطقهم منذ بداية العام نتيجة اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء.
وفي قرية قصرة جنوب نابلس، ظلت عائلات فلسطينية محاصرة داخل منازلها لأكثر من أسبوع بسبب هجمات المستوطنين، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى المطالبة بوقف أعمال الترهيب والمضايقة وتخريب الممتلكات والاعتداءات الجسدية، واتخاذ إجراءات لمحاسبة المسؤولين عنها.
كما وصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي المستوطنين الذين حاصروا العائلات الفلسطينية في القرية بـ«الإرهابيين».
«الإدانات لم تعد كافية»
ويرى مسؤولون فلسطينيون أن البيانات الدولية لم تعد كافية لوقف التصعيد، مطالبين بخطوات قانونية وعملية لمحاسبة الحكومة الإسرائيلية ومجموعات المستوطنين.
وقال صلاح خواجا، مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في وسط الضفة الغربية، إن المواقف الدولية لا تزال تقتصر على «الإدانة والاستنكار»، دون إجراءات حقيقية لوقف الانتهاكات.
وأضاف أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب خطوات دولية فعالة لمحاسبة إسرائيل والمستوطنين على ممارساتهم واعتداءاتهم في مختلف أنحاء الضفة.
وأشار خواجا إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة جعلت النشاط الاستيطاني أولوية لها، سواء عبر البناء والتوسع أو مصادرة الأراضي، إلا أن الحكومة الحالية ذهبت، بحسب قوله، إلى مستويات أبعد من سابقاتها.
واعتبر أن عام 2026 هو «الأكثر عنفًا» من حيث اعتداءات المستوطنين، مشيرًا إلى أن قتلى الفلسطينيين برصاص المستوطنين كانوا شخصًا واحدًا عام 2019، واثنين عام 2020، وخمسة عام 2021، بينما قال إن 20 فلسطينيًا قُتلوا برصاص المستوطنين خلال النصف الأول من عام 2026.
وتأتي هذه الأرقام في ظل اتساع رقعة البؤر الاستيطانية وتصاعد الهجمات على القرى والأراضي الزراعية، بما يعزز مخاوف الفلسطينيين والمنظمات الحقوقية من أن عنف المستوطنين لم يعد حوادث منفصلة، بل أصبح أداة متزايدة الضغط لدفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل عن أراضيهم وتوسيع السيطرة الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة.






اترك تعليقاً