وهم المعرفة عن إيران: لماذا يفشل المحللون العرب في نقل الواقع؟

88595e7eacdd0d9e88fa6abeb98b90a7

كثيراً ما ألاحظ في الآونة الأخيرة تصاعد حديث المحللين العرب عن إيران وواقعها الداخلي، وقد كثُر عددهم وتنوعت مشاربهم. فغالب هؤلاء إمّا صحفيون ومراسلون يعملون في قنوات عربية رسمية أو شبه رسمية، أقاموا في إيران لفترات محدودة، أو طلاب جامعيون من الدول العربية درسوا في الجامعات الإيرانية وعاشوا لسنوات في العاصمة أو بعض المدن الكبرى. وهناك أيضاً فئة أخرى من الزوار الذين قصدوا إيران للسياحة أو لفترات وجيزة، أو جاؤوا لصناعة المحتوى، أو لحضور لقاءات وندوات ومؤتمرات.

في حال افتراض امتلاك هؤلاء لأساسيات هذا المجال وهي إتقانهم اللغة الفارسية إتقانًا عاليًا، وإقامتهم في إيران لفترات زمنية طويلة، وامتلاكهم معرفة معتبرة بتاريخ إيران وجغرافيتها، وإلمامهم بالبنية السكانية للشعوب والقوميات الإيرانية المختلفة.

ولكن مهما حاول هؤلاء، فإن رؤيتهم لإيران تبقى ناقصة وغير مكتملة؛ لأنهم لا يستطيعون التحدث بحرية تامة عن الواقع الداخلي الإيراني. فالمراسل الصحفي القادم من الخارج، كما نشاهد في تغطياته، لا يملك حرية التنقل ولا حرية التواصل مع المجتمع الإيراني بشكل قريب ومباشر، بل تبقى تنقلاته واتصالاته محدودة ومراقبة ومحاصرة في العاصمة والدوائر الرسمية، أو ضمن المدن الكبرى فقط. وبالتالي، فإن معرفته بالواقع الشعبي الإيراني تظل محصورة في الإطار الذي تسمح به السلطات.

للأسف، وكما نرى منذ عقود، فإن معظم تغطيات هؤلاء الإعلامية وتحليلاتهم تصب في مصلحة النظام الإيراني، وتعكس رؤيته هو، لا واقع الشعوب الإيرانية ولا معاناتهم الحقيقية. وكأنهم ـ من حيث لا يشعرون ـ يتحركون كأذرع إعلامية لقنوات تابعة للنظام أو خاضعة لتأثيره، رغم أن كثيراً من الصحفيين الإيرانيين المستقلين أكثر مصداقية وجرأة وموضوعية منهم بمراحل.

أما الطلاب الأجانب في الجامعات الإيرانية، فليس وضعهم بأفضل حال. فهم أيضاً يعيشون في المدن الكبرى التي تضم الجامعات، ويُراقَبون بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا يسمح لهم باكتساب معرفة واسعة بالمجتمع خارج نطاق بيئتهم الجامعية المحدودة. ولذلك، لا يستطيعون خلال هذه الجغرافيا الضيقة والزمن المحدود أن يتعرفوا بعمق على الأقوام والشعوب الإيرانية المتنوعة بثقافاتها المتعددة واتجاهاتها المختلفة، والتي تشكل في الحقيقة غالبية المجتمع الإيراني، وليس تلك الفئة الحاكمة أو الطبقة المسيطرة على الإعلام والتعليم والدوائر الرسمية.

ولهذا أقول للإخوة جميعاً: ينبغي التحفّظ والحذر عند متابعة الذين يتحدثون عن المجتمع الإيراني والواقع الإيراني والشعب الإيراني وعلاقة الشعب بالنظام الإيراني؛ فالصورة التي ينقلونها ـ مهما كان إخلاصهم أو خبرتهم ـ ستبقى ناقصة ومقيّدة بحدود حركتهم وظروف إقامتهم وعوامل الرقابة المفروضة عليهم. بارك الله فيكم.

نقلا عن الباحث الإيراني السني ماجد العباسي.

https://x.com/i/status/2015032352708407740

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا