تتزايد المخاوف من تصاعد مظاهر العداء للمسلمين في عدد من الدول الغربية، مع توثيق سلسلة من الاعتداءات والمضايقات وجرائم الكراهية التي استهدفت مسلمين ومساجد ومؤسسات إسلامية خلال الأسابيع الماضية.
وفي أحدث رصد نشرته منظمة Documenting Oppression Against Muslims (DOAM)، جرى توثيق ما يقارب 30 حادثة في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وإيرلندا وإيطاليا وبلجيكا خلال نحو عشرة أسابيع منذ نهاية مايو/أيار 2026، شملت اعتداءات ومضايقات وحوادث كراهية استهدفت المسلمين، وكان من بين المستهدفين عدد كبير من النساء المسلمات.
ولا تقتصر أهمية هذه الوقائع على عددها، وإنما على طبيعة بعضها؛ إذ وقعت حوادث في الأماكن العامة، بينما جرى تصوير عدد من الاعتداءات ونشر المقاطع عبر الإنترنت، الأمر الذي يوسع دائرة تأثير الحادث من الضحية المباشرة إلى المجتمع المسلم بصورة أوسع.
الولايات المتحدة.. اعتداءات تتجاوز الخطاب إلى العنف
في الولايات المتحدة، برز خلال الأيام الماضية ملف قضائي يعكس خطورة استهداف المسلمين على أساس الدين.
فقد وجهت هيئة محلفين اتحادية في ولاية يوتا اتهامًا بجريمة كراهية إلى رجل متهم بطعن رجل مسلم في مركز تجاري بمدينة ويست فالي سيتي في 13 يوليو/تموز.
وبحسب المدعين، فإن المتهم سأل عاملين في المركز عن ديانتهم قبل أن يستهدف الضحية بعد أن عرّف نفسه بأنه مسلم. وأصيب الرجل بجروح استدعت عدة عمليات جراحية، وفق ما نقلته رويترز عن وثائق القضية والسلطات الأمريكية.
وتكتسب القضية أهميتها من أن الادعاء لا يتعامل معها باعتبارها اعتداءً عشوائيًا، بل باعتبارها جريمة يُتهم فيها المشتبه به باستهداف الضحية بسبب دينه.
من الشارع إلى الفضاء السياسي
ولا تنحصر المخاوف في الاعتداءات الجسدية.
ففي الولايات المتحدة، تزامن صعود سياسيين مسلمين إلى مواقع أكثر حضورًا مع تصاعد خطاب سياسي معادٍ للمسلمين في بعض الأوساط.
وأشارت أسوشيتد برس إلى أن ترشيح عبدول السيد لمجلس الشيوخ في ميشيغان، بوصفه أول مسلم يحصل على ترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد في مجلس الشيوخ بالولاية، تزامن مع هجمات سياسية وخطاب يصور المسلمين وبعض المسؤولين المسلمين باعتبارهم تهديدًا أمنيًا أو سياسيًا.
وامتد الجدل في بعض المناطق إلى مشروعات بناء المساجد، حيث شهدت اجتماعات عامة معارضة حادة لمشروعات مساجد في مدن أمريكية، تضمنت اتهامات للإسلام نفسه بالعنف أو بأنه يمثل تهديدًا سياسيًا.
وتحذر منظمات حقوقية وقيادات مسلمة من أن تحويل الإسلام والمسلمين إلى قضية انتخابية أو أمنية يمكن أن يساهم في صناعة بيئة أكثر تقبلًا للتمييز والعداء.
أوروبا.. الاعتداءات لا تأخذ شكلًا واحدًا
في أوروبا أيضًا، لا تبدو الظاهرة محصورة في دولة واحدة أو نمط واحد.
فالرصد الأخير شمل بريطانيا وإيطاليا وبلجيكا وإيرلندا إلى جانب دول أخرى، فيما تتنوع الوقائع بين الاعتداءات المباشرة والمضايقات والتهديدات واستهداف المؤسسات الإسلامية.
وفي بريطانيا، أثارت واقعة اقتحام أعضاء من جماعة يمينية متطرفة لمجلس شرعي إسلامي وموقع لذبح اللحوم الحلال في شرق لندن، وتصوير العاملين والمكان، مخاوف جديدة بشأن تنامي استهداف المؤسسات المرتبطة بالحياة الإسلامية.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الإسلاموفوبيا يمكن أن تظهر بأشكال متعددة؛ من الاعتداء على فرد في الشارع، إلى استهداف امرأة بسبب حجابها، وصولًا إلى مضايقة مؤسسة دينية أو تجارية مرتبطة بالمسلمين.
ألمانيا.. انخفاض الأرقام لا يعني انتهاء المشكلة
وفي ألمانيا، كشفت بيانات حكومية صدرت حديثًا عن تسجيل 231 جريمة معادية للمسلمين خلال النصف الأول من عام 2026.
ورغم أن الرقم أقل بكثير من الفترات السابقة، فإن البيانات تكشف استمرار المشكلة: نحو 84% من هذه الجرائم، أي 194 حالة، نُسبت إلى دوافع يمينية، بينما شملت الحالات الأخرى تحريضًا على الكراهية وتهديدات واعتداءات وأضرارًا بالممتلكات وجرائم ارتُكبت عبر الإنترنت.
وسجلت السلطات الألمانية 11 جريمة عنيفة و9 حالات إكراه أو تهديد و3 حالات أضرار بالممتلكات، فيما وقعت 33 من الحالات المسجلة عبر الإنترنت.
كما حددت الشرطة 127 مشتبهًا بهم، دون تسجيل اعتقالات وفق البيانات المنشورة، مع التأكيد أن الأرقام ما تزال مؤقتة وقابلة للمراجعة.
وهنا تظهر أهمية عدم قراءة انخفاض الأرقام بمعزل عن سياقها؛ فالتراجع الإحصائي لا يعني بالضرورة اختفاء الظاهرة، خصوصًا أن جزءًا من الاعتداءات والمضايقات قد لا يصل إلى الشرطة أصلًا.
النساء المسلمات في دائرة الاستهداف
من أكثر الجوانب اللافتة في الرصد الأخير أن النساء المسلمات كن بين الفئات المستهدفة بشكل متكرر.
ويحمل ذلك بعدًا خاصًا؛ لأن المرأة المحجبة يمكن أن تكون أكثر وضوحًا بوصفها مسلمة في الأماكن العامة، ما يجعل هويتها الدينية ظاهرة للآخرين.
وبحسب الرصد الذي جمعته DOAM، ظهرت النساء المسلمات بشكل متكرر بين ضحايا الحوادث الموثقة خلال الأسابيع العشرة الأخيرة.
ولا تتوقف آثار هذه الاعتداءات عند الحادث نفسه؛ فالانتقال المتكرر لمقاطع الاعتداء عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يضاعف الشعور بالخوف لدى أفراد المجتمع المسلم، حتى لدى من لم يتعرضوا مباشرة للعنف.
عندما تتحول الكراهية إلى محتوى على الإنترنت
جانب آخر من الظاهرة يتمثل في تصوير بعض الاعتداءات ونشرها على الإنترنت.
وهذا يحدث دائرة إضافية من الأذى: اعتداء في الواقع، ثم إعادة إنتاجه رقميًا أمام جمهور أوسع.
وفي الوقت نفسه، يمكن للمنصات الرقمية أن تكون وسيلة لتوثيق الانتهاكات وإظهارها للرأي العام، وهو ما يجعلها سلاحًا ذا حدين في التعامل مع جرائم الكراهية.
لماذا تتزايد المخاوف؟
لا يمكن اختزال ظاهرة الإسلاموفوبيا في سبب واحد.
وتتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية، من بينها صعود تيارات اليمين المتطرف، والخلافات المرتبطة بالهجرة، والتوترات الدولية، والاستقطاب السياسي، إضافة إلى انتشار الصور النمطية والمعلومات المضللة عن المسلمين.
لكن الربط بين المسلمين عمومًا وأفعال أفراد أو جماعات مصنفة إرهابية يظل من أخطر مظاهر هذا الخطاب، لأنه يحول الدين والهوية إلى سبب للاشتباه أو العداء تجاه أشخاص لا علاقة لهم بتلك الأفعال.
بين حرية التعبير وحماية الأقليات
تواجه المجتمعات الغربية اختبارًا صعبًا في التعامل مع الخطاب المعادي للمسلمين.
فإن كانت حرية التعبير حق أساسي، فإن الاعتداء الجسدي والتهديد والتحريض على الكراهية والتمييز ليست مجرد آراء سياسية.
ولهذا تبرز أهمية حماية المساجد والمؤسسات الدينية، ومحاسبة مرتكبي جرائم الكراهية، إلى جانب مواجهة خطاب يحول المسلمين إلى كتلة واحدة أو يصور وجودهم في المجتمع باعتباره تهديدًا.
ظاهرة تحتاج إلى مراقبة لا إلى التهوين
تكشف الوقائع الأخيرة أن المشكلة لا يمكن اختزالها في حادث منفرد.
فبينما شهدت بعض الدول انخفاضًا في أعداد الجرائم المسجلة، تستمر في دول أخرى الاعتداءات والمضايقات والاستهداف السياسي والاجتماعي للمسلمين.
وفي الولايات المتحدة، تتقاطع جرائم الكراهية مع تصاعد الخطاب السياسي المعادي للمسلمين، بينما تظهر في أوروبا أشكال متعددة من الاعتداءات والتمييز.
والرسالة الأهم من هذه التطورات أن حماية المسلمين من الكراهية ليست قضية تخص المسلمين وحدهم؛ فهي اختبار لقدرة المجتمعات التي تتغنى بالديمقراطية على حماية التعدد الديني ورفض تحويل الاختلاف في الدين أو الأصل إلى مبرر للعنف أو الإقصاء.
وبينما تواصل منظمات الرصد توثيق الحالات، يبقى السؤال: هل تتعامل الحكومات الغربية مع هذه الوقائع باعتبارها حوادث متفرقة، أم أنها ستتعامل معها كظاهرة اجتماعية وسياسية تستحق معالجة أعمق؟ أم أن ما يجري جزء من سياساتها المعادية للإسلام؟
فالأرقام قد ترتفع أو تنخفض من عام إلى آخر، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاعتداء على مسلم أو استهداف مسجد أو مضايقة امرأة محجبة أمرًا عاديًا في المجال العام.





اترك تعليقاً