تعيش أوروبا واحدة من أصعب فصول الصيف في تاريخها الحديث، بعدما تسببت موجات الحر المتلاحقة في اندلاع حرائق غابات واسعة، وانخفاض غير مسبوق في منسوب الأنهار، وارتفاع ملحوظ في أعداد الوفيات، في وقت يحذر فيه خبراء المناخ من أن القارة أصبحت الأكثر تأثرًا بظاهرة الاحترار العالمي مقارنة ببقية مناطق العالم.
وباتت تداعيات التغير المناخي أكثر وضوحًا هذا العام، مع انتقال الأزمة من ارتفاع درجات الحرارة إلى تأثيرات مباشرة على الموارد المائية والزراعة والنقل والاقتصاد، وسط توقعات باستمرار الظروف الجوية القاسية خلال الأسابيع المقبلة.
هولندا تعلن دخول مرحلة “الشح المائي”
في خطوة تعكس حجم الضغوط المناخية، أعلنت الحكومة الهولندية رفع مستوى إدارة المياه إلى المرحلة الثانية، والتي تُصنف رسميًا على أنها حالة “شح مائي فعلي”.
وأوضحت السلطات أن القرار جاء بعد تراجع منسوب نهري الراين والميز إلى مستويات منخفضة بصورة غير معتادة خلال شهر يوليو، نتيجة استمرار الجفاف وارتفاع معدلات التبخر، الأمر الذي يهدد حركة الملاحة والنقل النهري، ويزيد الضغوط على إمدادات المياه في البلاد.

حرائق ضخمة تضرب إسبانيا
وفي إسبانيا، تواصل فرق الإطفاء جهودها للسيطرة على سلسلة من حرائق الغابات التي اندلعت في مناطق مختلفة من البلاد، وسط ظروف مناخية صعبة تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والرياح القوية.
وأعلنت السلطات أن أحد أكبر الحرائق، الذي اندلع شمال العاصمة مدريد، التهم نحو 13 ألف هكتار من الأراضي، ما اضطر السلطات إلى إجلاء مئات السكان، بينما شارك نحو 300 رجل إطفاء مدعومين بالمروحيات في احتواء ألسنة اللهب.
ورغم عدم تسجيل وفيات في هذا الحريق، فإن المخاوف تتزايد من تأثيره على التنوع البيولوجي، خاصة في المناطق الطبيعية التي تضم أنواعًا نادرة من النسور والذئاب والفراشات.
وتستعد إسبانيا كذلك لموجة حر جديدة قد تدفع درجات الحرارة إلى تجاوز 45 درجة مئوية في بعض المناطق، بعد أسابيع فقط من حريق كبير اندلع في إقليم الأندلس وأودى بحياة 13 شخصًا.
وتشير بيانات نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي إلى أن الحرائق التهمت نحو 82 ألف هكتار في إسبانيا منذ بداية العام، فيما بلغت المساحات المحترقة خلال عام 2025 نحو 400 ألف هكتار، وهو أعلى رقم يُسجل في البلاد.

فرنسا تكافح النيران وسط حرارة تتجاوز 40 درجة
وفي جنوب فرنسا، اندلع حريق واسع بالقرب من بلدة دراغينيان المطلة على البحر المتوسط، مدفوعًا برياح قوية وغطاء نباتي شديد الجفاف.
وأدى الحريق إلى إخلاء عشرات المنازل وإجلاء نحو 150 شخصًا، بينما شارك أكثر من 600 رجل إطفاء إلى جانب طائرات متخصصة في مكافحة الحرائق لاحتواء النيران.
وأسفر الحريق عن احتراق نحو 180 هكتارًا، إضافة إلى تدمير أربعة منازل وإلحاق أضرار بعدد آخر، فيما أصيب أحد رجال الإطفاء بجروح طفيفة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تجاوزت فيه درجات الحرارة في بعض مناطق جنوب فرنسا 40 درجة مئوية خلال الأيام الماضية.
الزراعة الإيطالية تواجه ضغوطًا متزايدة
وامتدت تداعيات موجة الحر إلى إيطاليا، حيث بدأت آثار الجفاف تظهر بوضوح على القطاع الزراعي، خاصة في وادي بو، الذي يُعد أحد أهم المناطق المنتجة للغذاء في البلاد.
ويحذر خبراء من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه قد ينعكس سلبًا على إنتاج المحاصيل الزراعية خلال الموسم الحالي.
آلاف الوفيات بسبب موجات الحر
ولم تقتصر آثار موجات الحر على البيئة والاقتصاد، بل امتدت إلى الصحة العامة، إذ أظهرت بيانات أوروبية تسجيل أكثر من 10 آلاف حالة وفاة زائدة خلال موجة الحر التي اجتاحت غرب أوروبا في أواخر يونيو الماضي.
ووفق بيانات شبكة يورومومو، فإن أكثر من 90% من الضحايا كانوا من الأشخاص الذين تجاوزت أعمارهم 65 عامًا، ما يعكس هشاشة الفئات العمرية الأكبر أمام موجات الحر الشديدة.
وفي ألمانيا وحدها، تشير تقديرات معهد روبرت كوخ إلى أن موجة الحر الأخيرة تسببت في وفاة نحو 5100 شخص، نتيجة الإصابة بضربات الشمس أو تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي.
أوروبا الأسرع احترارًا في العالم
وتؤكد أحدث التقارير الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج كوبرنيكوس الأوروبي أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع ارتفاعًا في درجات الحرارة على مستوى العالم.
وبحسب تقرير حالة المناخ الأوروبي لعام 2025، ارتفع متوسط درجات الحرارة في أوروبا بمعدل 0.56 درجة مئوية لكل عقد منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، وهو أكثر من ضعف المتوسط العالمي البالغ 0.27 درجة مئوية لكل عقد.
كما شهدت مناطق مثل جبال الألب والقطب الشمالي الأوروبي معدلات احترار أعلى بكثير، بينما سجل عام 2025 ثاني أشد موجة حر في تاريخ القارة، مع ارتفاع درجات الحرارة فوق المعدلات الطبيعية في نحو 95% من الأراضي الأوروبية.
التغير المناخي يغير ملامح القارة
يرى علماء المناخ أن تكرار موجات الحر وازدياد شدتها يعكس التأثير المتسارع للتغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية، والذي يؤدي إلى جفاف الغابات وانخفاض الموارد المائية وارتفاع مخاطر الحرائق، فضلًا عن تأثيراته المباشرة على الصحة العامة والاقتصاد.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن أوروبا قد تواجه مستقبلًا مواسم صيف أكثر قسوة، ما يفرض على الحكومات الأوروبية تحديات متزايدة في إدارة المياه، وتعزيز قدرات مكافحة الحرائق، وحماية الفئات الأكثر عرضة لمخاطر الحرارة المرتفعة.






اترك تعليقاً