انعتق جسد المسلم العربي من بين قبضة المستعمر الغربي دون فكاكٍ لعقله؛ إذ إن هذا الأخير لن يستسلم إلا بالهيمنة الكاملة على البلاد المسلمة. فبعد تعذر هذا التواجد ميدانياً وعسكرياً، لجأ إلى تطويع المسلم عن طريق محاربته فكرياً باعتماد “هندسة القوة الناعمة” (Soft Power)؛ وهي استراتيجية تعتمد على إعادة صياغة وعي الشعوب وتوجيه قناعاتها من الداخل دون صدام مباشر.
وهذا تماماً ما كشفه تقرير مؤسسة “راند” (RAND Corporation) الشهير والمعنون بـ “بناء شبكات إسلامية معتدلة”؛ حيث أوصى الخبراء الاستراتيجيون صراحةً بضرورة دعم وتمويل المنصات والأفراد الذين يقدمون “قراءات حداثية بديلة” للتراث الإسلامي. والهدف المضمر خلف هذه التوصيات هو إحداث حالة من “السيولة الفكرية” التي تُميّع الثوابت التشريعية، وتنزع القداسة عن الموروث، لإنشاء جيل جديد منفصل عن هويته وبنيته الفقهية والتاريخية.
وفي هذا الفضاء المعولم، وبمجرد كتابة أسطر معدودة في خانة التعريف، تستطيع المنصات الرقمية صناعة هويات جغرافية ومؤسسية براقة لتتحول في عمقها —سواء علمت أو لم تعلم، وسواء كان الدعم مباشراً أو غير مباشر— إلى “نموذج تطبيقي” لتلك التوصيات الدولية.
هذا هو الحال تماماً مع منصة “مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية”؛ إذ قدمت نفسها للشاب العربي منذ انطلاقتها في 1444هـ (خريف عام 2023م) كمنبر حداثي يسعى لإعادة قراءة التراث وفك تلازميات التاريخ والدين. غير أن العبور بالمنصة من فضاء الدعاية الرقمية الفضفاض إلى مشرحة التحري الصحفي والقانوني، يكشف عن فجوات عميقة بين ما تعلنه كـ “مؤسسة دولية مستقلة تخدم الوعي”، وبين واقعها الهيكلي والمالي والشرعي الغامض.
ولعل أولى هذه الفجوات وأكثرها تعبيراً عن هذه الهويات الاصطناعية، تظهر بشكل جليّ عند فحص الغطاء الإجرائي والمالي الذي تتستر خلفه المنصة في العاصمة البريطانية:
ماذا يقول السجل البريطاني؟ تفكيك البنية القانونية ومفارقات التمويل المستتر
تعتمد المنصة في هندسة صورتها الرقمية على واجهة تعريفية صريحة تصدّرت موقعها الإلكتروني؛ إذ تُقدّم نفسها للمتلقي العربي بوصفها: “منصة عربية مستقلة للدراسات الثقافية والتاريخية، مسجلة في لندن”. وهي عتبة نصية جرى اختيارها بعناية فائقة لتضفي على المشروع مسحة من الحصانة العلمية، والرصانة الأكاديمية، والمؤسساتية الدولية العابرة للحدود.
لكن إخضاع هذا الادعاء للفحص في السِّجل الحكومي الرسمي الموحد للشركات والمؤسسات في المملكة المتحدة (Companies House)، تحت رقم التسجيل (15101788)، يضع القارئ أمام بنية هيكلية غامضة وتناقضات مالية صارخة، تستدعي المساءلة على ثلاثة مستويات تفكيكية:
أولاً: قناع “المؤسسة الدولية” والواقع التجاري الخاص
في الوقت الذي يسوق فيه الخطاب التعريفي للمنصة شعارات عريضة تدعي تمثيل “العمل المؤسسي المستقل”، تكشف الوثائق الرسمية الصادرة عن لندن أن الكيان ليس مركز أبحاث دولي، ولا منظمة مجتمع مدني غير ربحية تحمل صفة النفع العام (وهي الهياكل التي يجبرها القانون الغربي على كشف كل قرش من تمويلها وأسماء متبرعيها بالمليم)، بل هو مجرد شركة تجارية خاصة محدودة المسؤولية مسجلة باسم:
“MUJTAMA FOR CULTURAL AND HISTORICAL STUDIES LIMITED” وهو قالب قانوني يمنح ملاكه خصوصية مطلقة في حجب الهوية المالية وحماية البيانات الخلفية للمشروع.
ومما يعمق المفارقة، أن فحص الهيكل الإداري يثبت غياباً تاماً لأدنى معايير “الحوكمة” (Governance)؛ فبينما تعتمد مراكز الدراسات الرصينة عالمياً على لجان متعددة ومجالس أمناء مستقلة لضمان حياد المحتوى وتفادي انحيازاته، يظهر اسم المدير المستقل في السجلات الرسمية بصفة المدير الوحيد (Sole Director)، والمالك المنفرد بنسبة 100% لأسهم الشركة (Shareholder).
هذا الوضع يمنحه قانونياً صفة “صاحب السيطرة المطلقة والمؤثرة” (Person with Significant Control – PSC) بأغلبية تتجاوز 75% من حقوق التصويت والقرار، مما يضع المتلقي أمام مفارقتين بنيويتين لا يمكن تفاديهما بالدفاع الإنشائي:
الأولى: إعادة إنتاج “سلطة الفرد” التي يزعمون محاربتها: فبينما تتبجح المنصة بنقد ما تسميه “السلطة الأبوية المعرفية” واحتكار الفرد لتوجيه الوعي، تعيد على مستوى الممارسة الهيكلية إسقاط قرار الكيان كاملاً في يد فرد واحد يملك سلطة فيتو قانونية مطلقة.
الثانية: إسقاط صفة “المؤسسة المستقلة”: فعندما تُعرّف المنصة نفسها بأنها “مركز فكري”، يتوقع القارئ هيكلاً تشاركياً، لكن السجل البريطاني يثبت أنها قانونياً مجرد أصول تجارية خاصة تخضع كلياً لمالكها الأوحد، وله الحق القانوني في توجيهها، أو بيعها، أو تصفيتها كأي دكان تجاري، دون أن يملك المتلقي العربي أو حتى الأفراد العاملون معه أي سلطة قانونية لمساءلته أو مراجعته.
ثانياً: تدليس النشاط.. الهروب من التراخيص الأكاديمية
سُجلت هذه الشركة تحت رمز النشاط (SIC: 85520)، وهو تصنيف محدد في القوانين البريطانية لقطاع “التعليم الثقافي” (Cultural education). وبالمطابقة القانونية والواقعية، يُمنح هذا الرمز عادة للمشاريع الترفيهية والورشات البسيطة؛ كمعاهد تعليم الموسيقى، أو مدارس الرقص، أو نوادي الهواة.
وهنا تبرز فجوة التضليل المعرفي: فالمنصة لا تدير ورشاً لتعليم الفنون أو اللغات، بل تنتج محتوى فكرياً وفلسفياً ثقيلاً يضرب أصول التشريع ويفكك الثوابت التاريخية؛ وهو نشاط يتطلب في العرف الأكاديمي تراخيص ومطابقة هيكلية تختلف تماماً عن قطاع “الترفيه” الفضفاض الذي اتُّخذ كغطاء للتسجيل تفادياً للتدقيق والرقابة المعقدة.
ثالثاً: لغز “الخمول المالي”.. كيف يُصنع التنوير من التعتيم؟
تظهر الفجوة الأعمق التي تحول هذا الكيان إلى لغز حقيقي عند فحص التقارير المالية المودعة رسمياً لدى السلطات البريطانية لعامي 1445-1446هـ (2024 و2025م)؛ حيث قُدّمت الحسابات تحت تبويب قانوني حاسم وموقع من مديرها:
Accounts for a dormant company (حسابات لشركة خاملة/غير نشطة مالياً).
والخمول المالي في القانون المحاسبي البريطاني يعني إقراراً رسمياً لا لبس فيه بأن الحركة البنكية والمعاملات النقدية والتشغيلية للشركة داخل المملكة المتحدة تساوي “صفراً”، وأنها بلا أي نشاط تجاري حقيقي طوال تلك السنوات المالية. وهنا تحديداً يرتطم الإقرار القانوني بالواقع الرقمي المشهود، وتولد التساؤلات الاستقصائية القاتلة:
• كيف لكيان يدعي صناعة “التنوير” والوعي، أن يمارس أقصى درجات “التعتيم” المالي، فيقر أمام سلطات الضرائب البريطانية بأنه “ميت مالياً وحسابه صفر” طوال عامي 1445-1446هـ (2024 و2025م)؟
• كيف لشركة “خاملة رسمياً” بلا حركة بنكية، أن تضخ منذ 1445هـ (أكتوبر 2023م) إنتاجات مرئية كثيفة وباهظة التكلفة، وتستضيف قامات أكاديمية في استوديوهات فخمة، ثم تشهد قفزة هائلة في جودة الهندسة الصوتية والديكورات السينمائية التي تضاهي كبرى المحطات الدولية؟
• من يدفع كلفة التصوير والإنتاج والترويج، ومن يغطي الحسابات المليونية للحملات الإعلانية المموّلة التي تكتسح شاشات المستخدمين العرب فرضاً، إذا كان الحساب البنكي الرسمي للشركة في لندن يغط في خمول مالي صِفري؟
إن هذه التناقضات البنيوية تثبت بالدليل المادي القاطع أن لافتة “التسجيل في لندن” ليست سوى واجهة صوريّة، وُضعت خصيصاً للتستر خلف حماية القانون الغربي والهروب من شروط الشفافية الصارمة.
بيد أن الأبعاد الخلفية لهذا الوجود الصوري تتجاوز مجرد المناورة القانونية، لتكشف عن ممارسة واعية لـالاستقواء النفسي بالغرب على المتابع العربي؛ إذ تستغل المنصة بذكاء تلك الهزيمة النفسية الراقدة في وعي البعض، ممن يربطون تلقائياً بين التزكية الجغرافية الغربية وصوابية العلم. إنها محاولة لابتزاز المتلقي وهز ثقته بموروثه عبر الإيحاء بأن هذا النقد قادم من فضاءات “العاصمة اللندنية” الحاضنة للبحث العلمي، بينما الحقيقة العارية أن هذا التسجيل ليس سوى قشرة بروتولولية فارغة لشركة خاملة مالياً وبلا أي أثر تشغيلي حقيقي على أرض الواقع المؤسسي البريطاني.
وبناءً على ذلك، تتدفق الأموال والميزانيات الضخمة التي تحرّك المشروع وتوجه بوصلته الفكرية من خلف الستار المعتم، وعبر قنوات وحسابات رمادية مجهولة الهوية والمصدر خارج حدود الرقابة البريطانية التي تتبجح المنصة بالانتساب إليها.
المحتوى: المخاتلة اللغوية بين التعريض والتقويض
حين ننتقل من البنية الهيكلية والمالية للمنصة إلى مضمونها الفكري، نجدها تؤصل لمشروعها عبر ثلاثة مرتكزات علنية تصفها بـ “الركائز الأساسية”. وعند تشريح “الركيزة الثانية” —المخصصة بالكامل لصياغة موقف المنصة من الإسلام— نقع على نموذج فج من “المخاتلة اللغوية” المصنوعة بدقة لتمرير أطروحات حداثية صادمة دون إثارة ريبة الشاب المسلم؛ إذ يرفع النص التعريفي للمركز شعاراً براقاً يقول: “إن نقد السرديات الإسلامية ليس نقداً للدين، ولن يكون كذلك؛ بل هو نقد للتاريخ غير الرسمي للإسلام، كما كتبه كتَّاب ورواة لا أكثر… التاريخ هو التاريخ، والدين هو الدين”.
وعند النظر للمحتوى الفعلي للمنصة يتبدد سراب هذا الفصل؛ فكل ما يُطرح فيها لا يخرج عن كونه معاول هدم لمصادر الدين وأصوله، ليتكشف لنا أننا أمام ثلاث مغالطات كبرى:
- مغالطة “التاريخ غير الرسمي” وفصل الدين عن ناقديه
تزعم المنصة أنها تفصل بين “الدين” في صفائه الإلهي، وبين ما تسميه “التاريخ غير الرسمي للإسلام” أو “التاريخ الديني المتلاعب به الخاضع للأهواء”. غير أن هذا الفصل في الحقيقة ما هو إلا تمهيد إجرائي لتفريغ النص الديني من دلالاته المستقرة تمهيداً لتعبئته بأجندات فكرية بديلة؛ فبمجرد أن يتم الطعن في “التاريخ الناقل” وتصويره للمتلقي كعملية تلاعبية تلفيقية مليئة بالأخطاء والعثرات، يسهل هدم الدين نفسه.
فالإسلام لم يصل إلينا عبر نص معزول في الفراغ، بل عبر امتداد تاريخي حي وضابط، انطلق من جيل النقل الأول من الصحابة والتابعين، وصولاً إلى جهابذة العلماء؛ والطعن في هذا الامتداد هو طعن مباشر في أصل المشروعيّة المعرفية للدين. - الالتفاف على السنة من خلال خدعة القصَّاصين
عندما يعلن المركز أن هدفه هو نقد ما كتبه “إخباريون مسلمون، ومؤرخون وقصاصون ورواة أخبار”، فهو يمارس عملية “تعمية مصطلحية” متعمدة؛ إذ يدمج خبراء علم الحديث وأئمة نقل السنة النبوية الشريفة (كالإمامين البخاري ومسلم) ورواة الآثار في خانة واحدة مع “القصاصين وأصحاب الأهواء الحكواتية”.
والهدف من هذا الدمج هو شرعنة الطعن في حجية السنة النبوية (المصدر الثاني للتشريع) عبر تصويرها للمتلقي كـ “مجرد حكايات تاريخية”، متناسين حقيقة واضحة وهي أن الدين لم يصلنا عبر الهواء، بل عبر سلاسل نقل هؤلاء الأئمة والعلماء أنفسهم، والطعن في الناقل هو طعن ضمني ومباشر في المنقول. - لافتة “الألسنية الجديدة” وهندسة “الخلاص العالمي” لتمييع التوحيد
في ذات السياق، توضح المنصة أن مشروعها يولي أهمية خاصة لـ “الدراسات الألسنية الخاصة بالقرآن”. والواقع المعرفي يكشف أن هذه المناهج التفكيكية الغربية لا تتعامل مع القرآن الكريم كوحي إلهي مطلق، بل تنزل به قسراً إلى رتبة “النص البشري والتاريخي” المحكوم ببيئته الزمانية؛ والهدف المضمر هنا هو استخدام “علم اللسان” كأداة لتفريغ الوحي من أحكامه الشرعية القطعية وثوابته التعبدية (كالتشريعات الأسرية، المواريث، والحدود)، وتحويلها إلى مجرد رموز لغوية خاضعة للتأويل المتغير.
ولم يكن هذا التفكيك الألسني للنص القرآني إلا تمهيداً بنيوياً للوصول إلى الغاية العقائدية الكبرى للمنصة: وهي التبشير بفكرة “الخلاص العالمي” (Universal Salvation) كواحدة من أبرز نتائج هذه القراءة التاريخية؛ حيث تسعى أطروحاتها لإقناع المتلقي بأن الجزاء الأخروي ودخول “الجنة” منوطان بمجرد النفع الدنيوي المادي للإنسان، بمعزل تام عن ماهية إيمانه أو إقراره بالتوحيد ورسالة الإسلام.
إن هذا الالتفاف الحربائي، الذي يتسلل بدعوى “تطهير العقيدة من التلفيقات”، يضرب الإسلام في أسه وجذره الأكبر وهو “التوحيد”؛ إذ يعمد إلى تمييع الفوارق العقائدية ومساواة المؤمن بالجاحد، ملغياً شرط الإيمان والوحدانية كعتبة أساسية لقَبول الأعمال عند الله، ليتحول الإسلام —تحت مقصلة القراءة الألسنية— من وحي إلهي صارم المعالم، إلى مجرد “منظومة قيمية أخلاقية وضعيّة” تذوب تماماً في فلك الأجندات العولمية الغربية والإنسانوية المعولمة.
إقصاء السردية الشرعية هدم للتعددية
تدعي المنصة في منطلقاتها المعلنة أنها جاءت لفتح باب “النقاش الحر، وتفعيل العقل، ونبذ الإقصاء والوصاية الفكرية”. لكن هذا الادعاء النظري البراق يتناقض بشكل صارخ ومخزٍ مع معجم الألفاظ والأدبيات التي تستخدمها المنصة ذاتها؛ إذ تصف علماء الأمة، شيوخها، وأساتذتها الجامعيين المتخصصين في الدراسات الإسلامية بأنهم: “كتَّاب متعصبون، وأصحاب خرافات وتلفيق”.
إن هذه اللغة الاستعلائية والإقصائية تكشف أن المنصة لا تؤمن بالتعددية ولا بالحوار المعرفي الحقيقي، بل تمارس إقصاءً كلياً وتكفيراً فكرياً لكل من يخالف أطروحاتها الحداثية. إنها تعمل كمنصة تلقين وتوجيه أحادية الجانب تحتكر صكوك العقل والتنوير لنفسها، بينما تحجب الرأي الشرعي المتخصص وتمنع أي مساحة للرد العلمي المؤصل، وذلك لخوفها الوجودي من أن يتهافت بنيانها الهش أمام حجة العلم الحقيقي والمنهجية الرصينة.
خلاصة واستنتاج
نخلص من هذا التحري إلى نتيجة حتمية تفضح الهيكل البنيوي لمنصة ”مجتمع”؛ إذ يظهر التناقض الصارخ بين المبدأ والممارسة. فالمؤسسة التي تدعي محاربة التعتيم تمارسه مطلقاً على هويتها وماليتها لتضع نفسها في دائرة الشبهات الرمادية.
هذا الغموض الهيكلي ليس إلا غطاءً لأجندة فكرية تمارس المخاتلة لتفكيك الثوابت وإقصاء المخالفين، مما يرفع السؤال القاضي: كيف لبنيان قام على شفا جرفٍ عارٍ من المشروعية والمصداقية أن يؤتمن على وعي الأمة؟






اترك تعليقاً