“مقديشو” اليمن: لاجئون صوماليون يواجهون الفقر وعدم الاستقرار في عدن

IMG 20260226 164327 717

يقع حيّ البساتين على أطراف العاصمة المؤقتة لليمن، عدن، ويبدأ حيث تنتهي الطرق المعبّدة، ممتدًا في أزقّة ضيّقة تغطيها الرمال. هناك تنكشف حكاية لجوء تعود إلى عقود، تمتزج فيها العربية بالصومالية، وتحمل الوجوه ذكريات مكانٍ آخر عبر البحر.

يعرف السكان المنطقة بعدة أسماء، منها «مقديشو اليمن» و«حيّ الصوماليين» — في إشارة إلى التحوّل الديمغرافي الذي شهدته منذ تسعينيات القرن الماضي، حين دفعت الحرب الأهلية في الصومال آلاف العائلات إلى عبور خليج عدن بحثًا عن الأمان.

تُقدّر مصادر محلية اليوم عدد سكان الحي بأكثر من 40 ألف نسمة، يشكّل المنحدرون من أصول صومالية غالبيتهم. ويعيش هؤلاء في ظروف صعبة، حيث تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع وضع قانوني لم يُحسم بعد.

وصل بعضهم أطفالًا وهم يمسكون بأيدي أقاربهم، فيما وُلد آخرون في عدن ولم يعرفوا وطنًا سواها. غير أنهم يشتركون جميعًا في أمر واحد: صفة «لاجئ» المثبتة على وثائقهم الرسمية.

ظروف معيشية صعبة

مع بزوغ الفجر، يتجمّع عشرات الرجال عند مداخل الشوارع الرئيسية في المنطقة، بانتظار من يصطحبهم ليوم عمل في البناء أو الأعمال اليدوية. ويعتمد كثيرون على هذا النمط من العمل لتأمين قوت يومهم.

ويقول السكان إن غياب العمل المنتظم أصبح السمة الأبرز للحياة في حيّ البساتين، في ظل تفشّي الفقر المدقع وتراجع المساعدات.

أشور حسن، وهو أحد السكان في منتصف الثلاثينيات من عمره، كان ينتظر عند تقاطع طريق رئيسي لعلّ أحدًا يستأجره لغسل سيارة، وقال لـ الجزيرة إنه يكسب ما بين 3000 و4000 ريال يمني يوميًا (أقل من ثلاثة دولارات). وهذا المبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات أسرته التي تعيش في غرفة واحدة داخل حي يفتقر إلى أبسط الخدمات، تحيط به طرق ترابية وأكوام من القمامة.

وبصوتٍ يختلط فيه الإرهاق باليأس، لخّص أشور الحياة في البساتين قائلًا: «نعيش يومًا بيوم. إن وجدنا عملًا أكلنا، وإن لم نجد ننتظر بلا طعام حتى الغد».

بعض النساء في حي البساتين يعملن في تنظيف المنازل، بينما تدير أخريات مشاريع صغيرة، مثل بيع الخبز والمأكولات التقليدية التي تمزج بين النكهتين اليمنية والصومالية، والتي يزداد الإقبال عليها خصوصًا خلال شهر رمضان المبارك.

كما يجد كثير من الأطفال أنفسهم مدفوعين إلى سوق العمل رغم صغر سنّهم. ومن أبرز الأعمال التي يمارسونها فرز النفايات بحثًا عن مواد قابلة للبيع، مثل البلاستيك أو الخردة المعدنية، للمساهمة في إعالة أسرهم.

يظهر الفقر جليًا في عمران حيّ البساتين ومظهره العام؛ فالمنازل متلاصقة بإحكام، وبعضها مشيّد من صفائح معدنية ولا يضم سوى غرفة أو غرفتين، تفصل بينها طرق ترابية تغطيها النفايات.

غير أنّ ذلك ليس العبء الوحيد الذي يثقل كاهل السكان المنحدرين من أصول صومالية في الحي. فثمّة شعور أعمق يخيّم عليهم، يصفه كثيرون هنا بـ«الانتماء المعلّق»؛ إذ لا يزال الجيل الأول من اللاجئين يحمل ذكريات وطن بعيد ويتحدّث بلغته، بينما لا يعرف الجيلان الثاني والثالث سوى عدن، ويتحدّثان العربية بلهجتها المحلية، ولا يعرفان عن الصومال إلا حكايات العائلة.

تجسّد فاطمة جامة هذه المفارقة. فهي أم لأربعة أطفال، وُلدت في عدن لأبوين صوماليين. وقالت لـ الجزيرة: «لا نعرف بلدًا غير اليمن. درسنا هنا وتزوّجنا هنا، لكننا لا نحمل هوية يمنية، وأمام القانون ما زلنا لاجئين».

تعيش فاطمة مع أسرتها في منزل متواضع من غرفتين. يعمل زوجها حمّالًا في أحد أسواق المدينة، فيما تساعد هي في إعالة الأسرة من خلال إعداد وبيع المأكولات التقليدية. ومع ذلك، تقول إن دخلهما مجتمعًا «بالكاد يغطي الإيجار والطعام» بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وقلّة فرص العمل.

واقع قاتم

لم تكن الأوضاع في اليمن يومًا مثالية للمهاجرين واللاجئين، لكنها تدهورت بشكل كبير منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1435هـ (2014م) بين الحوثيين المدعومين من إيران والحكومة المركزية في صنعاء شمال البلاد.

وقد زادت أعمال العنف الناجمة عن تلك الحرب، إلى جانب تراجع المساعدات وتقلّص فرص العمل، من الضغوط على المجتمعات المضيفة واللاجئين على حد سواء.

ويؤكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن تمويل برامج الدعم في اليمن لعام 1446هـ (2025م) لم يغطِّ سوى 25 في المئة من الاحتياجات الفعلية للبلاد، ما أثّر مباشرة في حياة آلاف الأسر. ويقول سكان حي البساتين إن المساعدات التي كانوا يتلقونها تراجعت بشكل حاد، بل توقفت تمامًا في كثير من الحالات.

يوسف محمد (53 عامًا) يقول إنه كان من أوائل الصوماليين الذين وصلوا إلى الحي في تسعينيات القرن الماضي، وهو اليوم يعيل أسرة مكوّنة من سبعة أفراد.

وقال: «لم نتلقَّ أي دعم من المنظمات منذ سنوات»، مضيفًا أن بعض العائلات «اختارت العودة إلى الصومال بدل البقاء هنا والموت جوعًا».

ويرى أن الأزمة تطال الجميع في اليمن، «لكن اللاجئ يظل الحلقة الأضعف».

ورغم الصورة القاتمة، تمكّن عدد قليل من تحسين أوضاعهم المعيشية عبر التعليم أو من خلال افتتاح مشاريع صغيرة أسهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي. غير أنهم يظلون استثناءً، فيما يستمر تدفّق اللاجئين.

يُعدّ اليمن أفقر بلدان شبه الجزيرة العربية، لكنه أيضًا البلد الوحيد في المنطقة الموقّع على اتفاقية اللاجئين لعام 1370هـ (1951م)، ما يتيح للوافدين الأجانب التقدّم بطلبات لجوء أو الحصول على صفة لاجئ. ووفقًا لـ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، استضاف اليمن أكثر من 61 ألف طالب لجوء ولاجئ حتى 1447هـ (يوليو 2025م)، غالبيتهم الساحقة من الصومال وإثيوبيا.

وخلال السنوات الأخيرة، كان الوافدون يصلون إلى اليمن عادةً عبر قوارب، إذ يخطّط كثيرون لاستخدامه نقطة عبور قبل التوجّه إلى دول أكثر ثراءً مثل السعودية.

حسين عادل أحد هؤلاء الوافدين الجدد. يبلغ من العمر 30 عامًا، ويتكئ على عكاز في زاوية أحد شوارع البساتين.

وصل حسين إلى عدن قبل بضعة أشهر فقط، بعد رحلة تتسم بالخطورة على متن قارب صغير كان يقل مهاجرين أفارقة.

وقال إنه فرّ من الموت والجوع، ليجد نفسه في مواجهة واقع أشد قسوة. ويأوي حسين إلى سطح منزل أحد أقاربه، ويمضي أيامه في البحث عن عمل مؤقت داخل المدينة.

وأوضح أن إصابة ساقه نتجت عن إطلاق حرس الحدود العُماني النار عليه أثناء عبوره إلى اليمن.

ومع حلول المساء، يخفت الضجيج في أزقة البساتين. يستند الرجال إلى جدران منازل أنهكها الزمن، ويطارد الأطفال كرة في ممرات ضيقة بالكاد تتّسع لأحلامهم.

موقع الجزيرة.

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا