مسلمو الصين بين الهوية الإسلامية وضغوط الدولة.. تاريخ طويل من الاندماج والتضييق

https assets.lareviewofbooks.org uploads Muslim Transnationalism in China crop 1

في مقال بعنوان «مصير مسلمي الصين»، نشرته مجلة لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس في 30 يوليو/تموز 2026، يستعرض الباحثان بينو وينر وكيانيو ما تاريخ المسلمين الصينيين، ولا سيما مسلمي «الهوي»، ويسلطان الضوء على التحولات التي طرأت على علاقتهم بالدولة الصينية، في ظل تصاعد سياسات التضييق على المظاهر والممارسات الدينية الإسلامية.

وبحسب المقال، لطالما ارتبط الحديث عن المسلمين في الصين بأوضاع الإيغور في إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية)، إلا أن الصين تضم أيضًا واحدة من أكبر وأقدم الجماعات المسلمة في البلاد، وهم مسلمو «الهوي» الذين يزيد عددهم على 11 مليون نسمة، وينتشرون في مختلف أقاليم الصين، ويتركزون بصورة أكبر في المناطق الغربية.

ويختلف الهوي عن غالبية المسلمين في شينجيانغ (تركستان الشرقية) من حيث اللغة والثقافة؛ فهم يتحدثون الصينية، ويشبهون في كثير من مظاهرهم الثقافية والاجتماعية غالبية قومية الهان، إلا أن الإسلام يمثل العنصر الأساسي الذي يميز هويتهم عن الأغلبية الصينية.

الإسلام في الصين.. حضور يعود إلى قرون

يعود وجود الإسلام في الصين إلى القرن السابع الميلادي، أي إلى فترة مبكرة من تاريخ الإسلام نفسه، قبل أن تتشكل عبر القرون جماعة مسلمة صينية متميزة ثقافيًا ولغويًا.

وتشير دراسات تاريخية حديثة إلى أن المسلمين الصينيين لم يكونوا معزولين عن العالم الإسلامي، كما تفترض بعض الروايات الشائعة، بل حافظوا على علاقات فكرية ودينية واسعة مع مراكز العالم الإسلامي، وانتقلت بينهم الكتب والأفكار والعلماء عبر طرق التجارة وشبكات التواصل التي ربطت الصين بآسيا الوسطى والهند والشرق الأوسط.

وخلال القرون الماضية، أسهمت هذه الروابط في تشكيل هوية إسلامية صينية لم تكن بالضرورة تناقضًا بين الإسلام والانتماء إلى الصين، بل جمعت بين الانتماءين في إطار واحد.

سياسة «صيننة» الدين

لكن هذا التوازن تعرض خلال العقود الأخيرة لضغوط متزايدة، خصوصًا مع سياسة «صيننة» الأديان التي أطلقتها السلطات الصينية في عهد الرئيس شي جين بينغ، والتي تستهدف إخضاع الممارسات الدينية لما تعتبره الدولة متوافقًا مع الهوية والثقافة الصينية.

وبحسب المقال، شملت الإجراءات المفروضة على مسلمي الهوي هدم القباب والمآذن ذات الطابع العربي، ومراقبة خطب الأئمة، ومصادرة بعض المكتبات والكتب الدينية باللغة العربية، إضافة إلى فرض قيود على المدارس الدينية وإغلاق بعضها.

كما طالت القيود مظاهر الحياة العامة، بما في ذلك دور النشر الإسلامية والكتب، بينما تعرض بعض المثقفين والدعاة للاعتقال أو اضطروا إلى مغادرة البلاد.

ويثير هذا الواقع مخاوف لدى بعض مسلمي الهوي من أن تكون هذه الإجراءات محاولة لإضعاف العناصر الثقافية والدينية التي حافظت على تماسك مجتمعهم وتميزه عبر التاريخ.

من «الأقلية النموذجية» إلى مصدر للشك

لم يكن موقف الدولة الصينية من مسلمي الهوي ثابتًا طوال تاريخها الحديث. ففي فترات معينة، خصوصًا خلال الثمانينيات والتسعينيات، عُدّ الهوي نموذجًا للأقلية التي استطاعت الاندماج في المجتمع الصيني، مقارنة بجماعات أخرى مثل الإيغور والتبتيين.

لكن خلال العقدين الماضيين، عادت الروابط التي تجمع مسلمي الهوي بالعالم الإسلامي لتصبح مصدرًا للقلق لدى السلطات، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية وانتشار سياسات أكثر تشددًا تجاه المظاهر الدينية التي تعتبرها الدولة «أجنبية».

ويرى باحثون أن المشكلة لا تتعلق بالدين وحده، بل بالسؤال الأوسع حول طبيعة الهوية الصينية نفسها: هل يمكن أن يكون الإنسان صينيًا ومسلمًا في الوقت ذاته دون أن يُنظر إلى أحد انتماءاته باعتباره تهديدًا للآخر؟

هوية بين الإسلام والصين

توضح الدراسات التي تناولها المقال أن مسلمي الصين خاضوا خلال القرن العشرين نقاشات طويلة حول طبيعة هويتهم. فبعض المثقفين المسلمين رأوا أنفسهم جزءًا من الأمة الصينية بحكم اللغة والثقافة، بينما سعى آخرون إلى الحفاظ على خصوصيتهم الدينية والثقافية.

ومع قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، رُفعت شعارات المساواة بين القوميات والتسامح الديني، لكن هذه السياسة سرعان ما تراجعت مع تصاعد الشكوك تجاه الأقليات الدينية، ثم بلغت القيود ذروتها خلال الثورة الثقافية، عندما دُمرت مساجد، وسُجن علماء ورجال دين، وحُظرت ممارسة الشعائر الإسلامية، وتعرضت الكتب والتراث الديني للهجوم.

وبعد وفاة ماو تسي تونغ عام 1976، بدأت القيود تخف تدريجيًا، وتمكن المسلمون من إعادة بناء مؤسساتهم الدينية واستعادة جانب من صلاتهم التاريخية بالعالم الإسلامي.

مستقبل غامض

يرى مؤلفو الدراسات التي يستند إليها المقال أن مستقبل مسلمي الهوي يواجه تحديات جديدة في ظل توجه الدولة نحو بناء هوية صينية موحدة ذات طابع قومي مركزي، على حساب بعض أشكال التنوع الثقافي والديني.

ومع استمرار سياسة «صيننة» الدين، يخشى بعض مسلمي الهوي أن تتقلص المساحة المتاحة لهم للتعبير عن هويتهم الإسلامية، خصوصًا مع تشديد الرقابة على المساجد والتعليم الديني والرموز الإسلامية.

وبذلك، يجد مسلمو الهوي أنفسهم أمام معادلة صعبة: الحفاظ على هويتهم الإسلامية من جهة، والتكيف مع مشروع الدولة الذي يسعى إلى صهر مختلف المكونات في هوية صينية واحدة من جهة أخرى.

ويكشف تاريخ المسلمين في الصين أن الإسلام لم يكن يومًا عنصرًا طارئًا على المجتمع الصيني، بل هو جزء من تاريخ البلاد منذ قرون طويلة. غير أن التحدي الذي يواجهه مسلمو الهوي اليوم يتمثل في ما إذا كان بإمكانهم الحفاظ على هذه الهوية المزدوجة، الصينية والإسلامية، في ظل ضغوط متزايدة تدفع نحو تعريف أكثر أحادية لمفهوم الانتماء الوطني.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *