لم تهدأ تداعيات موجة العبور الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية شمالي إفريقيا، بعدما تحولت محاولة عشرات الآلاف من المهاجرين الوصول إلى الأراضي الإسبانية إلى أزمة إنسانية وسياسية وأمنية واسعة، دفعت مدريد إلى نصب حاجز بحري عائم على حدودها مع المغرب وتشديد إجراءاتها الأمنية.
وبحسب أحدث المعطيات، ارتفع عدد الوفيات المرتبطة بالموجة إلى 72 شخصًا، بعدما عثرت السلطات على خمس جثث إضافية على سواحل سبتة عقب الحصيلة الأولية البالغة 67 وفاة. وتشمل الوفيات أشخاصًا قضوا غرقًا وآخرين لقوا حتفهم خلال التدافع أثناء محاولات العبور. وفي المقابل، أعلنت السلطات المغربية حصيلة منفصلة بلغت 11 وفاة مرتبطة بمحاولات الوصول إلى سبتة، معظمها بسبب الغرق.
حاجز بحري بطول 500 متر

ردًا على التدفق غير المسبوق، بدأت إسبانيا تركيب حاجز عائم بطول نحو 500 متر في الجزء البحري من الحدود بين سبتة والمغرب، بهدف منع تكرار عمليات العبور الجماعي عبر البحر.
ويأتي الإجراء بعد أن شهدت المنطقة خلال أواخر يوليو/تموز تدفقًا هائلًا قُدّر بما بين 50 ألفًا و60 ألف شخص، حاول عدد كبير منهم الوصول إلى سبتة سباحةً أو عبر نقاط الحدود، في واحدة من أكبر موجات الهجرة التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
ولم تقتصر الاستجابة الإسبانية على الحاجز البحري؛ إذ عززت مدريد وجود قوات الجيش والشرطة والحرس المدني على الحدود، بينما عملت السلطات على إعادة المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب وفق الإجراءات المتبعة.
نحو 70 ألف شخص عادوا إلى المغرب

وبينما أثارت صور آلاف الأشخاص وهم يعبرون الحدود صدمة واسعة في إسبانيا وأوروبا، فإن غالبية من دخلوا سبتة لم يبقوا فيها طويلًا.
وتشير أحدث التقارير إلى أن نحو 69,500 مهاجر عادوا إلى المغرب، فيما لا يزال ما بين 3 آلاف و5 آلاف شخص في سبتة، بحسب تقديرات نقلتها رويترز في 3 أغسطس/آب. وقد تسبب وجودهم في ضغط شديد على مرافق المدينة ومراكز الاستقبال، في وقت يوجد فيه 862 قاصرًا غير مصحوبين تحت رعاية السلطات.
ويعيش بعض الذين لم يغادروا بعد في ظروف صعبة، في ظل امتلاء مرافق الاستقبال والحاجة إلى توفير الغذاء والماء والمأوى، فيما يواصل الجيش والجهات المحلية التعامل مع التداعيات الإنسانية للموجة.
لماذا حدث هذا التدفق المفاجئ؟
لا تزال أسباب الانفجار المفاجئ في أعداد العابرين موضع خلاف بين مدريد والرباط، فيما تشير تقارير إلى أن معلومات مضللة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في دفع أعداد كبيرة إلى الاعتقاد بأن الحدود أصبحت مفتوحة أو أن الوصول إلى إسبانيا بات ممكنًا بسهولة.
وقالت مصادر إسبانية إن أجهزة الاستخبارات لم تتوقع حجم التدفق، فيما خلصت تقديرات أخرى إلى أن السلطات المغربية لم تنظم العملية، لكنها سمحت، بصورة مؤقتة، بتراجع مستوى الرقابة الحدودية خلال احتفالات عيد العرش المغربي، وهو ما سهّل وصول أعداد ضخمة إلى المنطقة الحدودية.
من جانبها، قالت الرباط إن التضليل وشبكات الاتجار بالبشر كان لهما دور في تحريك المهاجرين، مؤكدة استمرار تعاونها الدولي في مكافحة الهجرة غير النظامية.
ظروف قاسية دفعت كثيرين إلى العودة
لم يكن الوصول إلى سبتة نهاية الرحلة بالنسبة إلى معظم العابرين، بل بداية أزمة أخرى.
فقد عاد آلاف الأشخاص إلى المغرب بعدما واجهوا نقصًا في الطعام والماء، وإغلاق عدد من المتاجر والخدمات، إضافة إلى الإرهاق والظروف الصعبة والعداء الذي واجهه بعضهم.
ونقلت رويترز عن مهاجرين قولهم إن بعضهم انجذب إلى سبتة بعد انتشار مقاطع ومعلومات عبر الإنترنت توحي بأن الحدود أصبحت سهلة العبور، قبل أن يكتشفوا أن الدخول إلى سبتة لا يعني الانتقال بحرية إلى إسبانيا القارية أو بقية أوروبا.
أزمة إنسانية تتحول إلى أزمة سياسية
أعادت أحداث سبتة ملف الهجرة إلى قلب النقاش السياسي الأوروبي، ولا سيما في إسبانيا، حيث استغل اليمين واليمين المتطرف المشاهد القادمة من الحدود للمطالبة بتشديد الرقابة وتسريع عمليات الإبعاد.
كما أثارت الأزمة خلافات داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما دعا مسؤولون وسياسيون في دول أوروبية إلى إجراءات أكثر صرامة لحماية الحدود الخارجية للاتحاد.
وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد رفض الانتقادات التي وجهت إلى سياسة حكومته بشأن الهجرة، وانتقد الدعوات التي ربطت أزمة سبتة بمستقبل إسبانيا في منطقة شنغن، معتبرًا أن بعض هذه المواقف تستند إلى معلومات مضللة أو مصالح سياسية.
وفي الوقت نفسه، دافعت الحكومة الإسبانية عن تعاون المغرب، رغم أن الأزمة أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول مدى قدرة البلدين على ضبط الحدود المشتركة والتعامل مع التدفقات المفاجئة.
بين أمن الحدود وحق المهاجرين

تكشف مأساة سبتة مجددًا عن معضلة الهجرة على الحدود الأوروبية الجنوبية: فبينما تسعى الحكومات إلى منع الدخول غير النظامي وتشديد الرقابة، يواجه المهاجرون الذين يسلكون طرقًا خطرة للوصول إلى أوروبا مخاطر قد تنتهي بالموت.
وتزداد حساسية الوضع في سبتة تحديدًا لأنها تمثل، إلى جانب مليلية، أحد الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع القارة الإفريقية، ما يجعلها نقطة شديدة الحساسية في سياسة الهجرة الأوروبية.
لكن ارتفاع عدد الوفيات إلى 72، إلى جانب استمرار وجود آلاف الأشخاص في المدينة، يجعل الأزمة أكبر من مجرد قضية أمن حدود. إنها أيضًا أزمة إنسانية تتطلب التعامل مع أسباب الهجرة، وشبكات التضليل والاتجار بالبشر، وظروف المهاجرين، إلى جانب تنظيم عمليات الإنقاذ والاستقبال بما يحفظ حياة البشر وكرامتهم.
وبينما أقامت إسبانيا حاجزًا بحريًا جديدًا وأرسلت مزيدًا من القوات إلى الحدود، تبقى الأسئلة الأصعب معلقة: هل تستطيع الحواجز الأمنية وحدها منع تكرار المأساة؟ أم أن إغلاق طرق العبور سيدفع مزيدًا من الأشخاص إلى البحث عن طرق أكثر خطورة للوصول إلى أوروبا؟
وتبدو الإجابة مرتبطة ليس فقط بما ستفعله مدريد والرباط خلال الأيام المقبلة، بل أيضًا بقدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياسة موحدة تراعي الالتزامات الإنسانية تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء.





اترك تعليقاً