عاد المشهد الليبي، خلال الساعات الماضية، إلى واجهة التطورات الأمنية من بوابتين شديدتي الحساسية: الأمن والنفط.
شهدت بنغازي، مقتل رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية في «الجيش الوطني الليبي» فوزي المنصوري إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته قرب منزله في منطقة الهواري، بينما تعرضت مصفاة الزاوية، الواقعة غرب طرابلس، لاستهداف أدى إلى اندلاع حريق هائل في أحد خزانات الوقود.
اغتيال داخل بنغازي
أعلن «الجيش الوطني الليبي» مقتل فوزي المنصوري، الذي يشغل منصب رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية، إثر انفجار عبوة ناسفة في سيارته.
وبحسب بيان الجيش، وقع الهجوم عقب خروج المنصوري من أحد المساجد بعد أداء صلاة العشاء، في منطقة الهواري بمدينة بنغازي.
ووصف الجيش العملية بأنها «عمل خسيس وجبان»، متوعداً بملاحقة المسؤولين عنها، ومؤكداً أن الاغتيال لن يوقف ما وصفه بجهوده لمكافحة الإرهاب والحفاظ على استقرار البلاد.
وأعلنت إدارة التوجيه المعنوي إقامة مراسم تشييع المنصوري في ساحة الكيش ببنغازي عقب صلاة الظهر.
ولا تكمن أهمية الحادث في مقتل مسؤول أمني رفيع فحسب، وإنما في طبيعة الهدف ومكان العملية أيضاً، فاستهداف رئيس الاستخبارات العسكرية داخل مدينة تعد مركزاً رئيسياً للسلطات والقوات المسيطرة على شرق ليبيا يسلط الضوء مجدداً على قدرة الخلايا المسلحة أو الجهات المعادية على اختراق البيئة الأمنية.
ضربة ثانية في قلب قطاع الطاقة
وفي الجانب الآخر من البلاد، كانت مدينة الزاوية تواجه حادثاً من نوع مختلف، لكنه لا يقل حساسية.
فقد اندلع حريق ضخم في أحد خزانات الوقود داخل مصفاة الزاوية، بعد ما قالت المؤسسة الوطنية للنفط إنه «استهداف مباشر» للخزان.
وكان الخزان يحتوي، وفق المؤسسة، على نحو 4.5 مليون لتر من بنزين السيارات، قبل أن تلتهم النيران محتوياته وينهار الخزان بالكامل.
وأعلنت المؤسسة حالة الطوارئ القصوى في المنطقة، وطالبت بفتح تحقيق شامل للكشف عن طبيعة الهجوم والجهة المسؤولة عنه.
أما شركة البريقة لتسويق النفط، التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، فأعلنت أن فرق الإطفاء تحركت لاحتواء الحريق، وأن عملية تقييم الأضرار بدأت بالتوازي مع جهود السيطرة على النيران.
مصفاة الزاوية.. لماذا يمثل استهدافها خطراً أكبر؟
ليست مصفاة الزاوية منشأة نفطية عادية، حيث أنها تقع على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتصل قدرتها التكريرية إلى حوالي 120 ألف برميل يومياً، ما يجعلها من أهم منشآت تكرير النفط في البلاد، خصوصاً في ظل توقف مصفاة رأس لانوف.
كما ترتبط بمنظومة إمدادات نفطية مهمة، من بينها حقل الشرارة الذي يصل إنتاجه إلى نحو 300 ألف برميل يومياً.
ولهذا فإن أي اضطراب طويل في عمل المصفاة قد لا يبقى تأثيره محصوراً داخل منشأة صناعية واحدة، وإنما يمكن أن يمتد إلى سوق الوقود والإمدادات المحلية.
والأخطر أن الخزان المستهدف كان يحتوي على كميات ضخمة من البنزين، ما يجعل أي هجوم على المنشأة يحمل مخاطر أمنية وبيئية واقتصادية في الوقت نفسه.

هجوم جديد بعد حادث الطائرة المسيّرة
حادث الزاوية لم يأت منفرداً، فبحسب المعلومات الواردة، تعرضت المصفاة قبل يومين من الحريق إلى حادث آخر عندما اصطدمت طائرة مسيّرة بصهريج يحتوي على مادة النفتا غير المعالجة في ساعات الصباح الأولى.
وأدى الاصطدام إلى حدوث تسرب، لكن العاملين تمكنوا من السيطرة عليه.
من ناحية أخرى تحدثت المؤسسة الوطنية للنفط عن استهداف مباشر لخزان البنزين، بينما ذكرت شركة البريقة أن ملابسات الواقعة لا تزال قيد التقييم.
وفي الوقت ذاته، نقل عن مهندسين يعملون داخل المصفاة أن عمليات التشغيل استمرت ولم تتوقف.
وهذا التفصيل مهم، لأن اندلاع حريق في منشأة بهذا الحجم لا يعني بالضرورة توقف المصفاة بالكامل، خصوصاً إذا أمكن عزل الجزء المتضرر عن بقية وحدات التشغيل.
صور للنيران.. لكن التفاصيل لم تكتمل
أظهرت مقاطع مصورة متداولة على الإنترنت ألسنة نار ضخمة وأعمدة كثيفة من الدخان الأسود فوق الزاوية، لكن هذه المقاطع لم يكن ممكناً التحقق منها بشكل مستقل.
كما أن تحديد طبيعة الجهة التي تقف خلف الاستهداف لم يكن قد حُسم عند إعداد هذا التقرير
وتأتي هذه التطورات في بلد لم يتمكن، رغم توقف العمليات العسكرية الكبرى، من تجاوز الانقسام السياسي والأمني بصورة نهائية.
فمنذ عام 2014، انقسمت ليبيا بين سلطات وقوى متنافسة في الشرق والغرب، بعد سنوات من سقوط نظام معمر القذافي في أعقاب انتفاضة عام 2011.
ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار عام 2020، فإن الاتفاق لم يؤد إلى إنهاء الانقسام المؤسساتي أو توحيد القوى المسلحة بصورة كاملة.
ويفرض «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر نفوذه على مساحات واسعة من شرق وجنوب البلاد، ويتحالف مع السلطات الموجودة في بنغازي، في حين تتمركز حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وتفرض نفوذها على معظم مناطق الغرب.
وهذه الخريطة تجعل أي حادث أمني كبير قابلاً للتأثير في التوازن الهش بين مراكز القوى المختلفة.
لماذا تثير الحادثتان القلق؟
الاغتيال والهجوم على المصفاة ينتميان إلى مجالين مختلفين، لكنهما يضربان عنصرين أساسيين في قدرة الدولة على الصمود.
الأول يستهدف الأمن والمعلومات عبر اغتيال شخصية تتولى منصباً رفيعاً في الاستخبارات العسكرية، والثاني يضرب الطاقة والوقود، وهما من أكثر القطاعات ارتباطاً بالحياة اليومية والاقتصاد الليبي.
ولهذا فإن تكرار مثل هذه العمليات يمكن أن يخلق أثراً يتجاوز الخسائر المباشرة، فاستهداف مسؤول أمني قد يبعث برسالة حول هشاشة الحماية الأمنية، بينما استهداف منشأة نفطية يمكن أن يبعث برسالة أخرى حول إمكانية ضرب البنية التحتية الحيوية.
وعندما يجتمع الاثنان في فترة زمنية متقاربة، فإنهما يذكران بأن الاستقرار الليبي لا يزال قائماً على توازن أمني هش، وليس على تسوية نهائية للصراع.
النفط.. نقطة القوة ونقطة الضعف
تمثل الثروة النفطية بالنسبة إلى ليبيا مصدر قوتها الاقتصادية الرئيسي، لكنها في الوقت ذاته تجعل منشآتها النفطية أهدافاً شديدة الحساسية.
فالمنشآت النفطية لا تنتج فقط الإيرادات، وإنما ترتبط بالنقل والكهرباء والوقود والتصدير وإمدادات السوق المحلية.
ومن ثم، فإن أي عمليات متكررة تستهدف المنشآت النفطية يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، حتى إذا لم تؤدِّ في البداية إلى توقف الإنتاج.
وهذا ما يجعل حادث الزاوية أكثر من مجرد حريق داخل خزان، فإذا أثبت التحقيق وجود هجوم متعمد، فإن السؤال لن يكون فقط عن قيمة الخسائر المادية، بل عن قدرة السلطات على حماية المنشآت التي تعتمد عليها البلاد في تأمين الوقود وتحريك اقتصادها.
بنغازي والزاوية.. جغرافيا الانقسام الليبي
تزداد دلالة التطورين بالنظر إلى موقعهما الجغرافي. بنغازي تمثل مركزاً رئيسياً للسلطة والقوة العسكرية في شرق البلاد، بينما تقع الزاوية في غرب ليبيا ضمن المجال الجغرافي الذي تسيطر عليه سلطات طرابلس والقوى المسلحة المتحالفة معها.
وبالتالي، فإن وقوع حادث أمني كبير في كل من الشرق والغرب يذكّر بأن مشكلة ليبيا ليست محصورة في منطقة واحدة، لكن في الوقت ذاته، لا يمكن اعتبار ذلك دليلاً تلقائياً على عودة الحرب الأهلية أو وجود حملة منسقة بين الحادثين.
فالاستنتاج الأكثر تحفظاً هو أن البيئة الأمنية الليبية لا تزال قابلة للاختراق، وأن مؤسسات الدولة والمنشآت الحيوية لم تصل بعد إلى مستوى الحماية الذي يتناسب مع أهميتها.
هل تعود ليبيا إلى مربع الفوضى؟
السؤال الأكثر إلحاحاً الآن ليس ما إذا كانت ليبيا ستشهد حرباً شاملة جديدة، إذ لا توجد في هذه الوقائع وحدها مؤشرات كافية على ذلك.
الأخطر ربما هو سيناريو مختلف: استمرار الهجمات المحدودة والمتفرقة على شخصيات أمنية ومنشآت استراتيجية، بما يؤدي تدريجياً إلى إنهاك مؤسسات الدولة وإضعاف الثقة في قدرتها على فرض الأمن.
فليبيا لا تحتاج إلى معارك واسعة كي تعاني من عدم الاستقرار، يكفي أن تصبح الاغتيالات ممكنة، والمنشآت النفطية قابلة للاستهداف، والطائرات المسيّرة قادرة على اختراق مواقع حساسة، حتى يبقى الاستقرار السياسي معرضاً للاهتزاز.
ومن هنا، فإن اغتيال فوزي المنصوري والحريق الذي ضرب خزان الوقود في مصفاة الزاوية يقدمان، كل في سياقه، صورة عن مشكلة أعمق لم تُحل بعد: ليبيا توقفت عن الحرب الكبرى، لكنها لم تنهِ بعد البيئة التي تجعل العودة إلى العنف أمراً ممكناً.
وبين بنغازي والزاوية، يبدو أن الاختبار الحقيقي أمام السلطات الليبية لم يعد فقط منع اندلاع حرب جديدة، بل إثبات قدرتها على حماية رجال الدولة، والمنشآت الحيوية، والثروة النفطية، والمؤسسات التي يفترض أن تكون فوق حسابات الصراع السياسي والعسكري.





اترك تعليقاً