بلغ صراعٌ استمرّ لأسابيع ووضع اليمنيين في مواجهة بعضهم بعضًا وأحدث شرخًا بين حليفين خليجيين قويين، ذروته على ما بدا يوم الجمعة، حين أعلن مسؤول من فصيل انفصالي يقع في صميم الخلاف حلَّ الجماعة.
غير أنّ ملابسات الإعلان المتلفز أثارت تساؤلات جدّية بشأن ما إذا كان القرار قد اتُّخذ بإرادة ذاتية، فالفصيل الانفصالي، «المجلس الانتقالي الجنوبي»، يسعى إلى اقتطاع دولة مستقلة في جنوب اليمن تُسمّى «جنوب العرب»، وقد تلقّى دعمًا كبيرًا من دولة الإمارات.
ووضع ذلك الجماعة على مسار تصادمي مع السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وسافر وفد من مسؤولي المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض الثلاثاء لإجراء محادثات مع الحكومة السعودية، حيث أعلن المجلس يوم الجمعة حلَّ نفسه.
إلا أنّ أعضاء الوفد ظلّوا إلى حدّ كبير غير قابلين للتواصل عبر الهواتف المحمولة من قبل زملاء في الخارج وأفراد العائلة وصحافيي “نيويورك تايمز” منذ وصولهم إلى السعودية فجر الأربعاء.
وكتب مسؤول رفيع في المجلس الانتقالي الجنوبي، يقيم حاليًا في دولة الإمارات، يوم الجمعة على منصة «إكس»: “أُكره الوفد، في مشهد مقزّز ومسرحي هزلي، على إعلان الحل”، ولم تردّ الحكومة السعودية فورًا على طلبات التعليق على هذا الادعاء، كما لم تردّ الحكومة الإماراتية.
وقال عدد من المسؤولين الذين تحدّثوا إلى «نيويورك تايمز» إن الوفد لا يتحدّث باسم المجلس بأكمله، لكنهم تجنّبوا التصريح صراحةً عمّا إذا كان زملاؤهم في الرياض قد أُكرهوا على إعلان حلّ الجماعة.
وكان الانفصاليون قد قلبوا المشهد السياسي اليمني رأسًا على عقب مطلع الشهر الماضي عندما سيطروا على مساحات من الأراضي كانت بيد الحكومة اليمنية. وندّد مسؤولون سعوديون بتلك التحركات، التي اقتربت من منطقة حدودية مع المملكة، قائلين إنها تهدّد الأمن الوطني. واستعادت قوات موالية للحكومة اليمنية معظم تلك المناطق خلال الأسبوع الماضي، إضافة إلى مناطق أخرى، بدعم سعودي، وأعادت بسط السيطرة على مدينة عدن.
وقد تحوّل القتال فعليًا إلى مواجهة بالوكالة بين السعودية والإمارات، تتعلّق فيها سيادة اليمن ومصير شعبه، الذي يعاني أصلًا إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، بميزان دقيق.
وظهر أحد المندوبين في الرياض ويدعى عبد الرحمن السبَيحي، على التلفزيون اليمني الرسمي وقنوات مملوكة للسعودية الجمعة، وهو يقرأ بيان الحل من ورقة وبصوت متكلّف متعثّر.
ومن المؤكد أنه من الممكن، بل من المرجّح، وجود انقسام داخل صفوف المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا سيما بعد الهزيمة السريعة والكاسحة التي مُني بها ميدانيًا في اليمن. وقد حمّل بعض المحللين اليمنيين وبعض أبناء الجنوب تلك الهزيمة لما بدا أنه أخطاء سياسية جسيمة ارتكبها الزعيم الانفصالي عيدروس الزبيدي، الذي لا يزال مكانه مجهولًا، غير أنّ محللين آخرين يقولون إن وفد الرياض لم يُترك أمامه خيار سوى الرضوخ.
وقال فارع المسلمِي، الخبير في الشأن اليمني لدى «تشاتهام هاوس» في لندن، إن طريقة إعلان الجمعة كانت مهينة للوفد، سواء أكان مُكرهًا أم لا، وأضاف: “مهما كان رأيك، لا تُحلّ منظمة سياسية لبلدٍ ما خارج ذلك البلد”. من جانبه، قال محمد السحمي، ممثل المجلس الانتقالي الجنوبي في بريطانيا، في اتصال هاتفي، إن قرار حلّ الجماعة الانفصالية غير صالح لأنه اتُّخذ في السعودية من دون تصويت كامل المجلس، وأضاف أنه حاول الاتصال بزملائه في الرياض من دون جدوى.
وقال أحد أقارب مسؤول في الوفد إن قريبه أجرى مكالمة واحدة مدتها دقيقة يوم الخميس لطمأنتهم بأنه بخير، لكنهم لم يسمعوا عنه شيئًا منذ ذلك الحين، وطلب القريب عدم الكشف عن هويته خوفًا من تعريض قريبه للخطر.
وأدلى عدد من أعضاء الوفد بمقابلات مسجّلة مع قنوات تلفزيونية سعودية خاضعة لسيطرة الدولة بعد الإعلان، وهاجموا زعيم الجماعة، الزبيدي، وتطورات الشهر الماضي، وبدا على كل واحد منهم الإرهاق وعدم الحلاقة.
وثمّة تاريخ لحالات أدلى فيها سياسيون بارزون بتصريحات في السعودية تبيّن لاحقًا أنها صدرت تحت الضغط، ففي عام 2019، احتُجز الزبيدي قسرًا في السعودية لأشهر خلال مفاوضات تقاسم السلطة في جنوب اليمن، بحسب شخصين اطّلعا على الواقعة من الزبيدي نفسه، وتحدّث الاثنان بشرط عدم الكشف عن هويتهما لتجنّب انتقام الحكومة السعودية، التي لم تردّ على طلب تعليق على هذا الادعاء.
وقال وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي يوم الجمعة، إن «القضية الجنوبية»—في إشارة إلى المطالبة التاريخية لسكان جنوب اليمن بتمثيل سياسي أكبر وحكم ذاتي—دخلت «مسارًا حقيقيًا ترعاه المملكة».
وسارت السعودية والإمارات شبه متطابقتين في قضايا السياسة الخارجية الإقليمية لسنوات، غير أنّ حكومتيهما باتتا على خلاف متزايد في السنوات الأخيرة، بدعمهما جماعات متنافسة في اليمن والسودان.
ويرى بعض المحللين اليمنيين أن الجماعة الانفصالية بلغت نقطة اللاعودة. وقال محمد الباشا، وهو محلل مقيم في الولايات المتحدة يركّز على اليمن: “بات المجلس الانتقالي الجنوبي محظورًا إلى حدّ كبير في جنوب اليمن في هذه المرحلة، سواء جرى ذلك بالإكراه أو بالضغط أو في إطار تسوية سياسية متفاوض عليها”.
نيويورك تايمز | ترجمة زيد بنيامين.





اترك تعليقاً