ماذا يفعل الإنسان عندما يمتلك من المال ما يكفي لشراء كل شيء تقريباً، لكنه لا يستطيع شراء ضمانة بأن العالم سيبقى مستقراً؟
بالنسبة إلى شريحة من فائقي الثراء، يبدو أن الإجابة لم تعد تقتصر على بناء المنازل الفاخرة أو تنويع الاستثمارات، بل بدأت تتجه إلى سؤال أكثر قتامة: أين يمكن النجاة إذا انهارت الأنظمة التي تقوم عليها الحياة الحديثة؟
وتكشف تقارير نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» عن تحول لافت في طريقة تعامل بعض الأثرياء مع مخاطر الحرب والأزمات الجيوسياسية والكوارث الكبرى، فبدلاً من الاكتفاء بتخزين الغذاء أو شراء مولدات كهرباء، يتجه هؤلاء إلى شراء ما هو أكثر ندرة: المسافة عن مراكز الصراع، والأرض، والاستقلال النسبي، وحق الدخول إلى بلد آخر عندما تضيق الخيارات.
وهكذا يتحول الاستعداد لنهاية العالم من هواية مرتبطة بأقبية الطوارئ إلى استراتيجية استثمارية لدى بعض أصحاب الثروات الضخمة.

عندما يصبح الموقع أهم من المال
في غرب الأرجنتين، عند السفوح الواسعة لسلسلة جبال الأنديز، تتخذ هذه الفكرة شكلاً ملموساً داخل مزرعة تعرف باسم «واماني».
المكان ليس منتجعاً سياحياً ولا مشروعاً عقارياً تقليدياً، إنه مساحة شاسعة ومعزولة تمتد على نحو 320 كيلومتراً مربعاً من الجبال والسهول، بدأت تظهر فيها خلال العامين الماضيين مساكن صغيرة جاهزة وقباب هندسية، إلى جانب مهبط للطائرات.
وبالنسبة إلى رجل الأعمال الأرجنتيني الإسباني مارتن فارساسكي، فإن الموقع يمثل نوعاً من «مقعد النجاة» في حال وقوع كارثة عالمية.
فالمنطقة، وفق تصوره الذي تنقله الصحيفة، بعيدة عن مراكز القوة النووية الرئيسية، وفي الوقت نفسه قريبة نسبياً من مصادر الغذاء والطاقة في باتاغونيا ومندوزا.
ولا ينطلق فارساسكي من احتمال نظري بسيط، فهو يعتقد أن العالم دخل بالفعل مرحلة يمكن وصفها بالحرب العالمية الثالثة، وأن الاصطفافات الدولية أصبحت أكثر وضوحاً بين روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران من جهة، ومعظم دول العالم الأخرى من جهة ثانية، وفي عالم كهذا، تصبح الأرض النائية بالنسبة إليه نوعاً من التأمين.
مزرعة لا تريد أن تكون مجرد ملجأ
لكن «واماني» تكشف جانباً آخر من تفكير الأثرياء في مواجهة الكوارث، فالهدف ليس الاختباء داخل مبنى محصن وانتظار انتهاء الأزمة، وإنما محاولة بناء مجتمع قادر على الاستمرار إذا تعطلت سلاسل الإمداد العالمية.
ويملك فارساسكي المشروع بالشراكة مع خمسة مستثمرين أرجنتينيين وأمريكيين، بينهم أليك أوكسنفورد، سفير الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي لدى واشنطن، ودان لوبتزكي، مؤسس شركة «كيند».
ويعمل المستثمرون على تطوير منظومة يمكنها توفير قدر من الاكتفاء الذاتي، من خلال الطاقة الشمسية وتربية الماشية، مع دراسة إمكانية توسيع الأراضي المخصصة للزراعة.
لكن الخطط تذهب أبعد من الطعام والطاقة، فالمستثمرون يدرسون أيضاً تشغيل نماذج لغوية كبيرة على أجهزة كمبيوتر تعمل بالطاقة الشمسية، بما يسمح بإنشاء نسخة محدودة من خدمات الإنترنت في حال انهارت البنية التحتية العالمية أو أصبحت مراكز البيانات غير متاحة.
الفكرة هنا ليست النجاة الجسدية فقط، بل الحفاظ على الحد الأدنى من التكنولوجيا التي تقوم عليها الحياة الحديثة.
لماذا أصبحت الأرجنتين وجهة للناجين الأثرياء؟
ترى «فايننشال تايمز» أن الاهتمام بهذه المنطقة يرتبط أيضاً بصورة الأرجنتين الجديدة لدى بعض أثرياء التكنولوجيا.
فصعود خافيير ميلي وسياساته الاقتصادية القائمة على السوق الحرة عززا جاذبية البلاد لدى فئة من المستثمرين الذين ينظرون إليها باعتبارها دولة بعيدة عن مراكز التوتر الرئيسية، وتملك موارد طبيعية واسعة ومساحات شاسعة قليلة الكثافة السكانية.
وفي حسابات فارساسكي، قد يصبح المخروط الجنوبي واحداً من الأماكن القادرة على مواصلة الحياة حتى في سيناريو بالغ السوء، مثل اندلاع حرب نووية.
فالابتعاد الجغرافي عن الأهداف العسكرية الكبرى، وتوافر الأراضي الزراعية ومصادر الطاقة، قد يمنح المنطقة ميزة لا يستطيع المال وحده توفيرها في أماكن أخرى.
لكن هذه النظرة لا تحظى بإجماع محلي. ففي المناطق القريبة من المشروع، يثير شراء مساحات هائلة من الأراضي دون نشاط تجاري واضح تساؤلات بين السكان، بينما يرى آخرون أن وجود مستثمرين أثرياء لا يمثل مشكلة طالما حافظوا على الطبيعة ولم يحولوها إلى مشاريع عمرانية كثيفة.

سباق الأثرياء على خطة بديلة للحياة
«واماني» ليست حالة منفردة، فالتقرير يضع المشروع ضمن ظاهرة أوسع بين أصحاب الثروات الهائلة، حيث أصبح امتلاك مكان بديل للعيش نوعاً من «تأمين نهاية العالم».
ومن الأسماء التي ارتبطت بهذا الاتجاه بيتر ثيل، المشارك في تأسيس «باي بال»، الذي اشترى أرضاً في نيوزيلندا، ومارك زوكربيرغ، الذي يمتلك ملجأً تحت مزرعته في هاواي، أما ريد هوفمان، أحد مؤسسي «لينكدإن»، فقد قدر أن نحو نصف مليارديرات وادي السيليكون يمتلكون شكلاً من أشكال الاستعداد الشخصي لسيناريو كارثي عالمي.
وهذا يكشف تغيراً مهماً في طبيعة «التحوط» لدى الأثرياء.
فالمستثمر العادي يحاول حماية أمواله من التضخم أو انهيار سوق بعينه، بينما يحاول بعض فائقي الثراء حماية أنفسهم من انهيار النظام نفسه.
نيوزيلندا.. عندما تتحول تأشيرة الإقامة إلى خطة نجاة
لكن امتلاك أرض نائية ليس الطريق الوحيد. في نيوزيلندا، يبدو الاستعداد أكثر رسمية، إذ يختار بعض الأثرياء شراء إمكانية البقاء في بلد آخر من خلال برامج الإقامة المرتبطة بالاستثمار.
وبحسب تقرير آخر لـ«فايننشال تايمز»، قفز عدد طلبات الأثرياء للحصول على حق العيش والعمل والدراسة في نيوزيلندا إلى أكثر من 700 طلب خلال 14 شهراً، بعدما كان العدد 115 طلباً فقط خلال السنوات الثلاث السابقة.
وجاء هذا الارتفاع بعد تخفيف شروط برنامج الاستثمار، في وقت جعلت فيه التوترات الجيوسياسية وبعد نيوزيلندا الجغرافي عن بؤر الصراع البلاد أكثر جاذبية لدى أصحاب الثروات.
وتتيح القواعد الجديدة مسارات استثمارية مختلفة، فأحدها يتطلب استثمار ما لا يقل عن 5 ملايين دولار نيوزيلندي، أي نحو 2.93 مليون دولار أمريكي، خلال ثلاث سنوات في صناديق أو شركات أو مؤسسات خيرية محلية.
كما تقدم 127 مستثمراً لمسار أعلى يتطلب ضخ 10 ملايين دولار نيوزيلندي، أي نحو 5.86 ملايين دولار أمريكي، خلال خمس سنوات في أصول أكثر سلبية مثل السندات.
نيوزيلندا تراهن على خوف الأثرياء
بالنسبة للحكومة النيوزيلندية، لا يتعلق الأمر فقط بمنح الأثرياء مكاناً آمناً، فالسلطات ترى في البرنامج وسيلة لجذب رأس المال والخبرات إلى البلاد، في محاولة لمواجهة مشكلة هجرة الكفاءات.
ومنذ تعديل البرنامج في أبريل 2025، تعهد متقدمون من أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا باستثمارات تبلغ 4.8 مليار دولار نيوزيلندي، أي نحو 2.82 مليار دولار أمريكي.
وكان المستثمرون الأمريكيون في مقدمة المتقدمين، بواقع 277 طلباً، مع اهتمام واضح من كاليفورنيا.
لكن خلف الأرقام الاستثمارية توجد دوافع أكثر تعقيداً، فبالنسبة لبعض المتقدمين، لا تمثل الإقامة في نيوزيلندا مجرد فرصة للاستثمار، وإنما تمنحهم خياراً جغرافياً احتياطياً: بلد يمكن الانتقال إليه إذا أصبحت البيئة السياسية أو الأمنية في موطنهم الأصلي أكثر اضطراباً.

ثمن النجاة يدفعه السكان أيضاً
غير أن تدفق رأس المال والثروات الكبيرة لا يمر دون آثار جانبية.
ففي كوينزتاون، إحدى المناطق النيوزيلندية المفضلة لدى الأثرياء والمستثمرين، ساهم الطلب المرتفع في جعل سوق العقارات هناك الأغلى في البلاد.
ويبلغ متوسط سعر العقار نحو 1.8 مليون دولار نيوزيلندي، أي ما يقارب ضعف المتوسط الوطني.
وفي الثقافة المحلية، ظهر تعبير ساخر لوصف بعض المليارديرات الذين يعيشون بعيداً عن الأنظار في المناطق الجبلية، إذ يطلق عليهم بعض السكان وصف «النائمين في التلال».
ويطرح هذا الواقع سؤالاً حول حدود العلاقة بين الاستثمار وحق الإقامة.
فمنتقدو البرنامج يرون أن دفع ملايين الدولارات لا ينبغي أن يكون كافياً للحصول على معاملة خاصة، وأن من يحصل على حق الإقامة يجب أن يكون مستثمراً فعلياً في الاقتصاد والمجتمع المحلي، لا مجرد شخص يشتري خطة بديلة لحياته.
«كل دولار قابل للحركة»
في المقابل، لا تخفي بعض المستثمرات القادمات من الولايات المتحدة منطقهن في التعامل مع هذه البرامج، فإحدى المستثمرات التي حصلت على التأشيرة ترى أن رأس المال يبحث باستمرار عن أفضل استخدام ممكن للدولار، وإذا لم تقدم نيوزيلندا القيمة الأفضل، فإن الأموال يمكن أن تنتقل إلى مكان آخر.
وهذه النظرة تختصر أحد أهم التحولات التي ترصدها الصحيفة: الأثرياء لا يشترون بالضرورة مكاناً واحداً للعيش، بل يشترون القدرة على الاختيار بين عدة أماكن.
الأرض في الأرجنتين تمنحهم العزلة، والإقامة في نيوزيلندا تمنحهم خياراً قانونياً للانتقال، والملاذات الخاصة تمنحهم درجة من الاستقلال عن الخدمات العامة.
أما الثروة نفسها فتمنحهم ما هو أهم: القدرة على اتخاذ القرار قبل الآخرين.
من مخزن الطعام إلى «جواز نجاة»
في عام 2023، كشف استطلاع نشرته منصة «فايندر» أن نحو ثلث البالغين في الولايات المتحدة كانوا يستعدون لسيناريو كارثي، وأن الإنفاق الجماعي على هذا النوع من الاستعدادات بلغ نحو 11 مليار دولار خلال عام واحد.
لكن ما ترصده «فايننشال تايمز» لدى فائقي الثراء يمثل مستوى مختلفاً تماماً من الاستعداد، فالشخص العادي قد يخزن الطعام والمياه ويشتري مولداً كهربائياً أو أدوات إسعاف.
أما فائق الثراء، فيستطيع شراء مزرعة بعيدة، أو بناء منشأة مستقلة، أو الحصول على إقامة في دولة أخرى، أو توزيع ممتلكاته بين مناطق جغرافية مختلفة.
أي أن الفارق لا يكمن فقط في حجم المال، بل في نوع الخيارات التي يفتحها المال أمام صاحبه.
ماذا يشترون فعلياً؟
في النهاية، لا يبدو أن هؤلاء الأثرياء يشترون «نهاية العالم» بقدر ما يشترون لأنفسهم فرصة للنجاة منها، إنهم يشترون الجغرافيا حين يختارون الأنديز أو نيوزيلندا، ويشترون الاستقلال حين يبنون مصادر خاصة للطاقة والغذاء.
ويشترون المرونة القانونية حين يحصلون على حق الإقامة في دول بعيدة، ويشترون الوقت حين يخططون قبل وقوع الكارثة بدلاً من البحث عن مخرج بعدما تبدأ.
وهنا تكمن المفارقة التي تكشفها هذه الظاهرة: كلما ازداد خوف بعض الأثرياء من انهيار العالم، ازداد إنفاقهم على بناء عالم صغير خاص بهم، منفصل قدر الإمكان عن بقية المجتمع.
لكن حتى أكثر الملاذات عزلة لا تستطيع ضمان المستقبل. فالحرب النووية، أو انهيار الأسواق، أو الأوبئة، أو تغير المناخ، أو اضطراب سلاسل الغذاء والطاقة، كلها أزمات لا تحترم الحدود التي يشتريها المال.
وقد يستطيع الأثرياء شراء أرض بعيدة وتأشيرة بديلة ومزرعة مكتفية ذاتياً، لكن السؤال الأصعب سيظل قائماً: إذا انهار العالم الذي تعتمد عليه هذه الملاذات، فإلى أي مدى يمكن أن تبقى معزولة عنه؟.
المصدر: «فايننشال تايمز»





اترك تعليقاً