بقلم أنيس الرحمن وأشيش سينغ
قدّم المسرح الملكي الدرامي (دراماتن) في ستوكهولم مؤخرًا مسرحية “كوكس بازار”، وهي عمل لا يكتفي بتصوير المعاناة، بل يدفع جمهوره إلى مواجهتها. تم تطوير المسرحية ضمن مبادرة Dramaten.Doc، واستنادًا إلى مقابلات ميدانية أجراها الكاتب والصحفي البنغلاديشي ديباشيش ديب عام 2025، حيث تعيد المسرحية بناء تجارب لاجئي الروهينجا بأسلوب مؤثر ومباشر. عُرضت المسرحية لأول مرة كقراءة مسرحية في مسرح دراماتنبارن، محولةً الشهادة إلى عمل مسرحي، والمسرح إلى بحث أخلاقي يتجاوز حدود الواقع.
تُعدّ كوكس بازار، مسرح هذه الشهادات، اليوم مركزًا لإحدى أطول الأزمات الإنسانية استمرارًا في عصرنا. يعيش أكثر من مليون نازح، نصفهم تقريبًا من الأطفال، في مكان لم يُصمم أصلًا لاستيعاب هذا العدد الكبير من السكان أو هذه المدة الطويلة. وصلوا إلى هناك هربًا من الاضطهاد في ميانمار، لا سيما خلال تصاعد العنف عام ٢٠١٧. ما كان يُنظر إليه في البداية على أنه ملجأ مؤقت، تحوّل إلى حالة طويلة من عدم اليقين، حيث يُعمّق مرور الوقت من هشاشتهم بدلًا من أن يُزيلها.
لا يُعدّ الروهينجا مجرد لاجئين بالمعنى التقليدي؛ بل هم شعبٌ حُرم من الانتماء بشكل ممنهج. تاريخيًا، ترسخت جذورهم في ولاية راخين بميانمار، وأصبحوا بلا جنسية نتيجة حرمانهم من الجنسية، واستبعادهم من الحياة السياسية، وتكرار دوامات العنف. في بنغلاديش، يعيشون تحت الحماية الإنسانية، لكن البقاء على قيد الحياة لا يعني العيش. لا يستطيعون العمل بشكل رسمي، وفرص حصولهم على التعليم محدودة، وحركتهم مقيدة. والنتيجة هي حالة من الوجود المُعلّق، حيث يبدو أن العودة والاندماج مستحيلان.
الأبعاد الإنسانية لهذه الأزمة واضحة، لكنها غير مفهومة بشكل كافٍ. أدت سنوات من الاعتماد على المساعدات الدولية إلى صناعة بيئة هشة في المخيمات، بدأت تتآكل. وقد أدت تخفيضات التمويل في السنوات الأخيرة إلى تقليص الحصص الغذائية، وإرهاق الخدمات الصحية، وتقليص المبادرات التعليمية. وتتجلى هذه العواقب بوضوح بين الأطفال، الذين يعاني الكثير منهم من سوء التغذية المزمن، وتأخر النمو، وانعدام الفرص. ولا يقتصر الحرمان هنا على الجانب المادي فحسب، بل يمتد إلى الجانب الزمني أيضًا. فجيل كامل ينشأ دون أن يحظى بالتجارب التكوينية التي تُشكل فاعليته وطموحه وهويته.
ومع ذلك، فإن النظر إلى أزمة الروهينجا من منظور إنساني فقط يُغفل تداعياتها السياسية والأمنية الأوسع. فقد حوّل حجم النزوح ومدته هذه الأزمة إلى قضية إقليمية ذات عواقب وخيمة. فبالنسبة لبنغلاديش، أدى استضافة هذا العدد الكبير من اللاجئين إلى ضغط مستمر على الأراضي والبنية التحتية والموارد العامة. وتواجه المجتمعات المحلية، التي تعاني بدورها من هشاشة اقتصادية، هذا الوجود بشكل متزايد ليس كواجب أخلاقي، بل كعبء هيكلي. والتوترات الاجتماعية، وإن كانت غالبًا ما تكون خافتة، هي نتيجة حتمية لاختلال التوازن طويل الأمد.
في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك الهند وأجزاء من جنوب شرق آسيا، تداخلت الأزمة مع قضايا مراقبة الحدود، وإدارة الهجرة، والأمن الداخلي. وقد اتسعت مسارات الهجرة غير النظامية، ما أدى أحيانًا إلى ربط الفئات السكانية الضعيفة بشبكات الاتجار بالبشر والاقتصادات غير الرسمية. وبينما تتضخم المخاوف من التطرف في الخطاب السياسي، فإن الواقع الأكثر إلحاحًا هو واقع الهشاشة الهيكلية، حيث يُمكن أن يُعرّض غياب الهوية القانونية والفرص السكان النازحين للاستغلال. ولذلك، تجد الدول نفسها تخوض غمارًا شائكًا، حيث غالبًا ما تُطرح المسؤولية الإنسانية والاعتبارات الأمنية في تعارض.
ولا يزال غياب حل سياسي موثوق في ميانمار يُمثل العقبة الرئيسية. فبدون ضمانات للأمان والمواطنة والحقوق، يبقى احتمال العودة الطوعية والكريمة إلى الوطن بعيد المنال. وهكذا تستمر الأزمة في حالة من التأجيل غير المحدد، مدعومة بتدابير مؤقتة لم تُصمم أصلًا للاستمرار. في ظل هذه الظروف، يبدأ الخط الفاصل بين حالة الطوارئ والوضع الطبيعي بالتلاشي، ويُصبح النزوح مُهددًا بأن يُصبح سمة دائمة بدلًا من كونه استثناءً.
هنا تكتسب مسرحية كوكس بازار أهميتها العميقة. فهي لا تقدم وصفات سياسية أو تحليلات جيوسياسية، بل تعيد إحياء الجانب الإنساني لأزمة غالباً ما تُختزل إلى مجرد أرقام وروايات. ومن خلال شذرات من الذاكرة والشوق والصمود، تُعيد المسرحية إلى الروهينجا صوتاً غالباً ما يُحجب أو يُتجاهل. كل حوار لا يُفضي إلى حل، بل إلى تساؤل حول المسؤولية والعدالة وحدود الإرادة الدولية.
إذن، فإن قضية الروهينجا ليست محصورة في مخيمات كوكس بازار أو على حدود ميانمار وبنغلاديش. إنه اختبار لقدرة العالم المعاصر على التوفيق بين السيادة والإنسانية، والأمن والكرامة، والتعاطف والواقعية السياسية. إنه يُجبرنا على مواجهة حقائق مُزعجة: أن الأزمات الإنسانية لا تحدث بمعزل عن غيرها، وأن تداعياتها تتجاوز الحدود، وأن التقاعس عن العمل ينطوي على شكل من أشكال العنف.
بالنسبة للروهينجا أنفسهم، يبقى المستقبل معلقًا بين وطن غير آمن وملجأ غير مُرحِّب. ميانمار هي المكان الذي ما زالوا يتخيلونه وطنًا، ومع ذلك فهي أيضًا مصدر نزوحهم. بنغلاديش تُوفر لهم الأمان، لكنها لا تُوفر لهم الانتماء. بين هذين القطبين، ينشأ جيلٌ بلا أفق واضح، وتتشكل حياتهم بقرارات لا رأي لهم فيها.
في النهاية، لا يقتصر السؤال على ما يُمكن فعله من أجل الروهينجا، بل يتعداه إلى ما يكشفه وضعهم عن العالم الذي سمح باستمرار هذا الوضع.
CounterCurrents
أنيس الرحمن كاتب وشاعر بنغلاديشي-سويدي. بينما يكتب أشيش سينغ باستمرار عن القضايا الاجتماعية والسياسية.





اترك تعليقاً