دخل الميثاق الجديد للاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء حيز التنفيذ في 12 يونيو، في إشارة إلى توجه التكتل نحو إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين في دول ثالثة. غير أن بعض الدول الكبرى داخل الاتحاد تبدو معارضة لهذا التوجه. فقد أعرب قادة كل من فرنسا وإسبانيا مؤخرا عن مخاوفهم بشأن إنشاء واستخدام هذه المراكز.
وكان البرلمان الأوروبي قد أقر قواعد جديدة تسمح للدول الأعضاء بإنشاء “مراكز إعادة” خارج الاتحاد الأوروبي لطالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم أو الذين صدرت بحقهم أوامر ترحيل. وقد عُدّ التصويت الأخير مؤشرا على توجه عام نحو تحويل هذه الفكرة إلى واقع.
وفي حين تدعم حكومات عديدة ميثاق الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء، برز إيمانويل ماكرون كأحدث المعارضين لهذا الإجراء.
وقال ماكرون يوم الجمعة 19 يونيو، في حديثه لوسائل الإعلام في ختام قمة للاتحاد الأوروبي استمرت يومين في بروكسل: “لم أرَ مركز إعادة في دولة ثالثة يعمل بالفعل بصورة ناجحة”.
كما أعرب بيدرو سانشيز عن مخاوف مماثلة بشأن تنفيذ ميثاق الهجرة، معتبرا أن هذه المراكز تستهلك موارد أوروبا المحدودة أصلا دون جدوى.
رواندا: مركز الترحيل الذي لم ير النور
تبدو تصريحات ماكرون وسانشيز انعكاسا للتجارب المتعثرة التي أحاطت بمحاولات أوروبا لنقل إجراءات الهجرة إلى خارج حدودها، وعلى رأسها خطة المملكة المتحدة الخاصة برواندا، واتفاق إيطاليا مع ألبانيا.
وفي ظل الصعوبات التي واجهتها الحكومة البريطانية في التعامل مع وصول المهاجرين عبر القوارب الصغيرة من خلال القناة الإنجليزية، اقترحت عام 1443هـ (2022م) إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين في رواندا كوسيلة لردع عبور المهاجرين عبر القناة.
وبموجب الاتفاق المقترح، كانت حكومة رواندا ستتولى دراسة طلبات اللجوء ومنح حق اللجوء للأشخاص الذين تُقبل طلباتهم.
وبعد عامين، وتغيير الحكومة، وخوض معارك قانونية عديدة خلال تلك الفترة، ألغت حكومة حزب العمال البريطاني المنتخبة حديثا في عام 1445هـ (2024م) خطة رواندا، وأعلنت أنها ستعيد توجيه المخصصات المالية المرصودة لها لتمويل وكالة جديدة لحماية الحدود.
ووفقا لتحليل وجدول زمني أعده مرصد الهجرة في المملكة المتحدة، فإنه باستثناء أربعة أشخاص خضعوا لبرنامج منفصل للترحيل الطوعي، “لم يتم ترحيل أي شخص قسرا إلى رواندا بموجب هذا البرنامج”.
وأضاف تقرير مرصد الهجرة: “لا يوجد دليل على أن النقاشات السياسية المحيطة بسياسة رواندا قد ردعت وصول المهاجرين عبر القوارب الصغيرة”، مشيرا إلى أن عدد الأشخاص الذين سلكوا هذا المسار لم ينخفض بعد الإعلان عن السياسة في 1443هـ (أبريل/نيسان 2022م).
وبحلول ذلك الوقت، كانت مبالغ كبيرة قد أُنفقت على هذه التجربة. وتُظهر سجلات مكتب التدقيق الوطني البريطاني أن الحكومة البريطانية التزمت بتخصيص 370 مليون جنيه إسترليني (433 مليون يورو) للشراكة، كما دفعت حتى 1443هـ (أبريل/نيسان 2022م) مبلغ 20 مليون جنيه إسترليني (23.4 مليون يورو) مقدما استعدادا لوصول أول دفعة من الأشخاص الذين كان من المقرر نقلهم.
وفي وقت لاحق، رفعت رواندا دعوى قضائية ضد الحكومة البريطانية للمطالبة بتعويضات بسبب إلغاء اتفاق الهجرة، إلا أن المحاكم رفضت الدعوى في وقت سابق من هذا الشهر.
ألبانيا: الاحتكاك القانوني
أنشأت إيطاليا مركزين في ألبانيا لمعالجة طلبات اللجوء الخاصة بالمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر. وبموجب الاتفاق الذي وُضع عام 1444هـ (2023م)، سُمح لإيطاليا بنقل الأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر إلى “مراكز معالجة” داخل ألبانيا.
وكان من المفترض أن تعمل هذه المراكز بالكامل وفق القانون الإيطالي، وأن تكون مخصصة للمهاجرين الذين لا يعانون من حالات ضعف خاصة، والذين ينحدرون من دول تُصنّف على أنها “آمنة”.
وقد واجه هذا الترتيب طعونا متكررة أمام المحاكم الإيطالية، وفي عام 1446هـ (2025م) أعادت إيطاليا استخدام هذه المرافق كمراكز لإعادة الترحيل للمهاجرين الذين رُفضت طلبات لجوئهم بعد أن تم النظر في قضاياهم ومعالجتها داخل الأراضي الإيطالية.
كما أعلنت ألبانيا بالفعل أنها لن تمدد اتفاقها في مجال الهجرة مع إيطاليا لما بعد عام 1451هـ (2030م). وفي مقابلة مع موقع “Euractiv”، قال وزير الخارجية الألباني فيريت هوجا إن بلاده لن تجدد الاتفاق بعد ذلك التاريخ، لأن ألبانيا ستكون بحلول ذلك الوقت جزءا من الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لن تُعتبر “دولة ثالثة” يمكن إقامة مراكز إعادة فيها.
وأشار أيضا إلى أن ألبانيا تسير على الطريق نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن ذلك يتطلب موافقة بالإجماع من الدول الأعضاء الـ27 قبل أن تصبح عضوا رسميا.
مضيفون غير راغبين
تواصل الدول الأعضاء البحث عن شركاء محتملين من الدول التي قد تكون مستعدة لاستضافة ما يُعرف بـ”مراكز الإعادة” المحتملة. وتشير تقارير إلى أن المناقشات “تركزت على 12 دولة، وهي: رواندا، وغانا، والسنغال، وتونس، وليبيا، وموريتانيا، ومصر، وأوغندا، وأوزبكستان، وأرمينيا، ومونتينيغرو، وإثيوبيا”.
ورغم أن مونتينيغرو كانت ضمن القائمة الأولية، فإن قادتها صرحوا العام الماضي بأنهم غير مستعدين لاستضافة طالبي اللجوء من دول أخرى على أراضيهم. كما قال الرئيس التونسي قيس سعيّد تصريحات مماثلة، مؤكدا: “لن تكون تونس أبدا أرضا يستقر فيها المهاجرون”.
وبينما تم إقرار الإطار القانوني لمراكز الإعادة داخل البرلمان، يبدو أن العثور على دول مضيفة راغبة بات يمثل تحديا متزايدا أمام تنفيذ هذه السياسة.
التقرير مترجم من صحيفة: “إنفو ميغرانتس”





اترك تعليقاً