في أعقاب الخلاف مع اليمن، تسعى المملكة العربية السعودية إلى كبح نفوذ دولة الإمارات العربية المتحدة في الإقليم الأوسع

bcd4d2d297d3bb244897f7af833ca556

تشعر المملكة العربية السعودية بقلق بالغ إزاء ما تعتبره تحركات عدوانية من حليفها السابق، وتسعى إلى مواجهة النفوذ الذي راكمته دولة الإمارات العربية المتحدة في محيط البحر الأحمر.

وقد أدى التنافس المكتوم طويل الأمد بين السعودية والإمارات، والذي انفجر في الأسابيع الأخيرة عبر جنوب اليمن، إلى إحداث تحول دراماتيكي في موازين القوى الإقليمية، مهددًا بزعزعة استقرار دول هشة أخرى يتمتع فيها البلدان بنفوذ مؤثر.

وتدخلت المملكة العربية السعودية، الداعمة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، الشهر الماضي عقب اجتياح انفصاليين مدعومين من الإمارات مناطق واسعة وسيطرتهم على أراضٍ استراتيجية، حيث شنت ضربات على المقاتلين المتمردين واستهدفت شحنة إماراتية قالت الرياض إنها كانت تحمل أسلحة موجهة للجماعة. وعلى إثر ذلك، سارعت الإمارات إلى سحب قواتها، فيما أقدم المجلس القيادي للانفصاليين على حل نفسه على نحو عاجل.

غير أن الشرخ بين الملكيتين الغنيتين بالنفط بدأ يمتد أثره إلى ما وراء اليمن، إذ تتحرك المملكة العربية السعودية، وقد ساورها القلق مما تعتبره خطوات عسكرية وسياسية خارجية عدوانية من جارتها الأصغر حجمًا، لمواجهة شبكة النفوذ العميقة التي أمضت أبوظبي سنوات في نسجها في القرن الإفريقي ومحيط البحر الأحمر.

وقال دبلوماسي سعودي، طلب عدم الكشف عن هويته لبحثه موضوعًا بالغ الحساسية، إن توسع نفوذ الإمارات في هذه المنطقة «يتعارض مع نظرة المملكة العربية السعودية إلى تلك الأقاليم بوصفها جزءًا من حزامها الأمني الاستراتيجي»، مضيفًا أن الرياض عازمة على توجيه رسائل واضحة بشأن «خطوطها الحمراء».

وقد وضعت اللهجة السعودية المفاجئة والأكثر حزمًا دول المنطقة أمام تحدي التعامل مع هذا الانقسام. فعلى مدى سنوات، عملت السعودية والإمارات إلى حد بعيد في تناغم، فدعمتا أنظمة استبدادية أخرى في مواجهة انتفاضات الربيع العربي، وتوحدتا في التصدي لجماعة الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن.

غير أن المملكة العربية السعودية، في الأيام الأخيرة، عمدت إلى تدعيم تحالفات أخرى بهدف تطويق منافسها، ودخلت في محادثات مع كل من مصر والصومال لتوسيع نطاق التعاون الأمني بين الدول الثلاث، بحسب ما أفاد به مسؤول أمني صومالي رفيع المستوى. كما أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية عزمها إلغاء اتفاقياتها الدفاعية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تدير موانئ تجارية وقواعد عسكرية في ما لا يقل عن ثلاث مناطق — أرض الصومال، وبونتلاند، وجوبالاند — وهي مناطق لا يكاد يكون للحكومة في مقديشو فيها حضور أو نفوذ يُذكر.

وفي الوقت ذاته، أظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن الطائرات القادمة من الإمارات — والتي يرجح محللون أنها تنقل إمدادات إلى وكلاء أبوظبي في دول مثل تشاد وليبيا والسودان — قد أعادت مؤخرًا توجيه مساراتها لتفادي الأجواء المصرية والسعودية والصومالية.

وقال ليام كار، قائد فريق إفريقيا في مشروع التهديدات الحرجة التابع لمعهد أمريكان إنتربرايز، إن «حالة التبدل هنا هائلة»، في إشارة إلى التحول في موقفي الإمارات والسعودية.

وأضاف أنه في أواخر كانون الأول، بدا أن الإمارات وحلفاءها في اليمن يتجهون إلى بسط السيطرة على جانبي مضيق باب المندب، الشمالي والجنوبي — وهو ممر مائي ضيق لكنه بالغ الأهمية يربط البحر الأحمر بخليج عدن — فضلًا عن خليج عدن ذاته. غير أنه، ومع رجحان كفة السعودية، «بات المشهد الآن يوحي بأن العكس قد يكون هو الصحيح»، على حد تعبير كار.

لم تُجب وزارة الخارجية الإماراتية، عند التواصل معها للتعليق، بشكل مباشر عن الأسئلة المتعلقة بالتوترات مع المملكة العربية السعودية. كما لم ترد وزارة الإعلام في الرياض، ولا المتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن، على طلبات التعليق، فيما أحجم مسؤولون كبار آخرون عن الإدلاء بأي تصريحات أو لم يستجيبوا للاستفسارات.

وفي الإمارات، ذهب محللون ومعلقون إلى تأطير التحركات السعودية الأخيرة بوصفها نتاج ما يسمونه «عقدة الأخ الأكبر»، أي شعور الرياض بأنها تُركت خلف الركب في وقت اضطلع فيه جارها الأصغر مساحة وسكانًا بدور يفوق حجمه على الساحة الإقليمية والدولية.

ففي عام 1443هـ (2022م)، على سبيل المثال، تجاوزت الإمارات الصين لتصبح أكبر مستثمر في إفريقيا، وفقًا لبيانات «إف دي آي ماركتس»، منصة رصد الاستثمارات العالمية المملوكة لصحيفة فايننشال تايمز. وقد تنوعت هذه الاستثمارات بين تشغيل موانئ تجارية في الصومال وجيبوتي، ومشاريع زراعية في إثيوبيا وكينيا وأوغندا، تهدف إلى تأمين واردات الإمارات الغذائية.

وقال عبد الخالق عبد الله، الأكاديمي الإماراتي البارز، إن «السعوديين يرون في الإمارات تحديًا لقيادتهم في الخليج، وربما التحدي الوحيد القائم حاليًا، بل تحديًا ذا مصداقية على مستوى الإقليم بأسره».

وأضاف أن السعودية على الأرجح شعرت بأن «أمرًا ما كان لا بد من القيام به، وربما كان المكان الأنسب للبدء هو حضرموت»، في إشارة إلى الإقليم اليمني الغني بالنفط الذي كان محورًا للاشتباكات الأخيرة.

وليست الخلافات بين السعودية والإمارات، حول قضايا تمتد من النزاعات الحدودية إلى سياسات إنتاج النفط، بالأمر الجديد؛ إذ ظلت تطفو إلى السطح على فترات متقطعة منذ تأسيس الإمارات من رحم محمية بريطانية عام 1971.

غير أنه في عام 1435هـ (2014م)، ومع بروز ولي العهد محمد بن سلمان لاعبًا محوريًا في معادلات السلطة داخل الأسرة الحاكمة السعودية، رأى فيه رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان «نسخة أصغر من نفسه»، بحسب كريستيان كوتس أولريكسن، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد بيكر. وعلى مدى السنوات اللاحقة، توثقت العلاقة بين الزعيمين، و«بدا أنهما يعيدان تشكيل الخليج»، على حد تعبير أولريكسن.

وكان التحالف الداعم للمقاتلين الذين يخوضون المعارك ضد جماعة الحوثيين، التي سيطرت على العاصمة اليمنية صنعاء عام 1435هـ (2014م) وبسطت نفوذها لاحقًا على مساحات واسعة من شمال غربي البلاد، لعلّه أبرز مؤشر على الشراكة الناشئة آنذاك. غير أن تباين المصالح والاستراتيجيات والأهداف سرعان ما أفرز تصدعات جديدة بين الطرفين.

فالمملكة العربية السعودية، من خلال دعمها للحكومة المعترف بها دوليًا، سعت إلى الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه. أما دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تنظر إلى الإسلام السياسي بوصفه تهديدًا وجوديًا، فقد ضيقت نطاق اهتمامها ليتركز على مواجهة الفصائل الإسلامية في البلاد، بما في ذلك تلك المنضوية ضمن التحالف المناهض للحوثيين.

ونتيجة لذلك، انتهجت الإمارات سياسة تمويل وتسليح وتوحيد القوى الانفصالية في جنوب اليمن، وأسهمت في عام 1438هـ (2017م) في رعاية تأسيس «المجلس الانتقالي الجنوبي»، برئاسة عيدروس الزبيدي، الانفصالي المخضرم والحاكم السابق لمحافظة عدن.

ومع اعتمادها على مقاتلين موالين لها بالوكالة، شرعت دولة الإمارات العربية المتحدة في توسيع نطاق حضورها، فأنشأت مدارج طيران ونقاط ارتكاز وبنى تحتية أخرى في مدن الموانئ أو على جزر قبالة السواحل، أحيانًا من دون موافقة الحكومة المدعومة من السعودية، وهو ما منحها أفضلية استراتيجية كبيرة على امتداد بعض أهم الممرات البحرية في العالم.

وهو نمط كررته الإمارات في دول مثل ليبيا والسودان، إذ نسجت تحالفات مع فاعلين من غير الدول، ما أتاح لها ترسيخ موطئ قدم يخدم استثماراتها ومواردها وأمنها ونفوذها السياسي، في تعارض واضح مع النهج السعودي الأكثر تحفظًا، القائم على دعم الحكومات التقليدية والحفاظ عليها.

وقال الدبلوماسي السعودي إن «المقاربة الإماراتية، من المنظور السعودي، تُنتج مراكز نفوذ خارج إطار الدولة، وهو ما قد يفضي إلى إضعاف دول البحر الأحمر والمساهمة في تفككها».

وقد وصف أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كلية دراسات الأمن بجامعة كينغز كوليدج لندن، الشبكة الإقليمية للإمارات بأنها «محور الانفصاليين».

وقال: «أبوظبي مرتاحة للعمل دون الوصول إلى مستوى الدبلوماسية الرسمية، فهي تبني نفوذها من خلال شبكة من الكيانات التجارية، وإتاحة الخدمات اللوجستية، والمساعدات الأمنية، والوسطاء، والشركاء المحليين المسلحين».

لكن التقدم السريع للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي المهرة وحضرموت وضع قواته على طول الحدود اليمنية مع السعودية. وقد دفع هذا التمدد المملكة إلى التحرك لرد مكاسب المجلس الانتقالي الجنوبي ومواجهة دور الإمارات بشكل علني — رغم أن مسؤولًا إماراتيًا وصف الاتهام بأن أبوظبي وجهت هذا التقدم بأنه «كاذب جملة وتفصيلًا».

وقد نتج عن ذلك «انفصال كامل» في العلاقة السعودية-الإماراتية في اليمن، وفق ما ذكره خالد اليماني، وزير الخارجية اليمني السابق. وأضاف: «كان الانسحاب الإماراتي صادمًا حقًا. ففي يومين فقط، اختفوا تمامًا».

وقال اليماني إن الإمارات بدا أنها امتنعت عن الانخراط في أي جهود دبلوماسية فور انسحابها، حتى عندما استُدعي بعض قادة المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض، واتهم أعضاء المجموعة السعودية بإبقائهم منقطعين عن الاتصال. وأضاف أن الرسالة التي يبدو أن الإمارات ترسلها إلى السعودية هي: «الآن المشكلة عليكم؛ تعاملوا معها».

واتهمت الرياض أيضًا الإمارات بتهريب عيدروس الزبيدي، الذي اتهمته الحكومة بالخيانة، خارج اليمن إلى أرض الصومال عبر مقديشو في السابع من كانون الثاني. وقال كار إن الحركة المزعومة للزبيدي عبر الأراضي الصومالية تأتي ضمن نمط أوسع تعتبره حكومة مقديشو انتهاكًا من الإمارات لأراضي البلاد.

وتحتفظ أبوظبي بميناء عميق وبمدرج جوي مصاحب في بربرة، أرض الصومال، الإقليم المنفصل في شمال الصومال. وفي بونتلاند المجاورة، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، استثمرت الإمارات في ميناء وأنشأت قاعدة عسكرية في بوصاصو على الساحل الجنوبي لخليج عدن.

1000029181

ويعدّ القاعدة في بوصاصو، وفق محللين، محورًا لوجستيًا رئيسيًا للإمارات، وتضم حظيرة للطائرات المسيرة المستخدمة في ضربات الإمارات ضد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في بونتلاند. وقد استقبلت بوصاصو سابقًا عدة طائرات شحن من طراز IL-76 قادمة إلى الإمارات أو عائدة منها، إلا أن تلك الرحلات توقفت في الأسابيع الأخيرة، وفق بيانات تتبع الرحلات الجوية.

وقال جاستن لينش، المدير التنفيذي لشركة أبحاث وتحليلات «كونفليكت إنسايتس جروب»، عن قوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه عسكرية تقاتل الجيش السوداني: «نعلم أن بعض الطائرات التي تهبط في بوصاصو تقدم الدعم والإمدادات لمقاتلي قوات الدعم السريع في السودان».

وللإمارات علاقة طويلة الأمد مع قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، الذي أرسل آلاف المرتزقة للقتال إلى جانب القوات المدعومة من الإمارات في اليمن. كما استثمرت سابقًا في تعدين الذهب السوداني ومشاريع زراعية كبيرة، وأبرمت صفقة بقيمة 6 مليارات دولار لتطوير ميناء في السودان قبل اندلاع الحرب الأهلية.

ونفت الإمارات تسليح قوات الدعم السريع، على الرغم من وجود أدلة توثق تواجد أسلحة مشتراة من الإمارات ضمن مخزونات قوات الدعم السريع التي استولى عليها الجيش السوداني.

وقال الدبلوماسي إن المملكة العربية السعودية مستعدة لاستخدام «جميع الوسائل المتاحة» لردع نفوذ قوات الدعم السريع.

ومع ذلك، ورغم امتداد التنافس من اليمن، يرى البعض أن هناك فوائد في أن تكون حدود الدولتين واضحة، وما نوع التدخل الذي يمكنهما تحمله في المناطق التي تعتبر كل منهما ضمن دائرة نفوذها.

وقال بدر السيف، أستاذ مساعد في جامعة الكويت وزميل مشارك في تشاتام هاوس: «من المهم أن تُوضح جميع الأطراف الخطوط الحمراء. وأرى على المدى الطويل وضوحًا في الهدف».

الواشنطن بوست.

اشترك في نشرتنا البريدية للإطلاع على ملخص الأسبوع

Blank Form (#5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالع أيضا