مع اشتداد المنخفض الجوي الأخير، تحولت معاناة سكان قطاع غزة من أزمة إنسانية مزمنة إلى كارثة مفتوحة على كل الاحتمالات. أمطار غزيرة ورياح عاتية اجتاحت مناطق واسعة من القطاع، لتكشف هشاشة واقع يعيشه مئات الآلاف من النازحين الذين احتموا بخيام مهترئة لا تقي بردًا ولا تصدُّ ماءً.
في ساعات قليلة، غرقت عشرات الخيام في المياه، وتسربت الأمطار إلى الفرش والأغطية القليلة التي يملكها النازحون. تحولت الأرض إلى طين، واختلطت مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي في بعض المناطق، ما فاقم المخاطر الصحية، خاصة على الأطفال وكبار السن.
الخيام، المصنوعة من أقمشة رقيقة وبلاستيك ممزق، لم تصمد أمام الرياح القوية. سقط بعضها بالكامل، فيما انهارت أخرى جزئيًا فوق ساكنيها. مشاهد الأطفال وهم يحاولون الاحتماء بأجساد ذويهم، أو الالتفاف بأغطية مبللة، تختصر حجم المأساة التي يعيشها القطاع في ليالٍ باردة لا تعرف الرحمة.
مصادر طبية أفادت بوقوع وفيات بين الأطفال، نتيجة الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، في ظل غياب وسائل التدفئة، ونقص الملابس الشتوية، وعدم توفر رعاية صحية كافية. أطفال لم تقضِ عليهم القذائف، لكن قضى عليهم البرد، في مشهد يعكس قسوة الواقع وعمق الكارثة الإنسانية.
المنخفض الجوي لم يكن مجرد حالة طقس عابرة، بل اختبارًا قاسيًا لبنية إنسانية منهكة أصلًا. فمع استمرار الحصار، وتدمير البنية التحتية، وانهيار النظام الصحي، باتت كل موجة برد أو مطر تهديدًا مباشرًا للحياة. الطرق غير ممهدة، ومراكز الإيواء مكتظة، والمساعدات الإنسانية شحيحة ولا تواكب حجم الاحتياج المتزايد.
وفي مقابل هذه المشاهد القاتمة، يخيّم صمت دولي ثقيل. بيانات قلق تتكرر، دون تحرك فعلي يضمن حماية المدنيين، أو يوفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. مناشدات الإغاثة تتكدس، فيما يبقى الواقع على الأرض شاهدًا على عجز المجتمع الدولي عن ترجمة أقواله إلى أفعال.
أهالي غزة لا يطلبون المستحيل؛ يطلبون خيامًا تقي من المطر، ووسائل تدفئة تحمي أطفالهم من الموت بردًا، وممرات آمنة لوصول المساعدات. لكن حتى هذه المطالب البسيطة تبدو بعيدة المنال في ظل استمرار الأزمة.
ومع كل منخفض جوي جديد، يتجدد السؤال: إلى متى سيبقى أطفال غزة يواجهون البرد والجوع والخوف وحدهم؟ وإلى متى سيبقى العالم شاهدًا صامتًا على مأساة تتفاقم يومًا بعد يوم؟



اترك تعليقاً