على مدار العام المنصرم، تعرّض أكثر من 400 من صيادي الروهينجا للإخفاء القسري على يد جيش أراكان. وخلال الفترة نفسها، تكرّرت عمليات اختطاف سفن الصيد البنغلاديشية العاملة في نهر ناف، حيث نُهبت أصول تُقدّر بملايين التاكا، واحتُجز صيادون بنغلاديشيون. وتشير عدة تقارير إخبارية إلى الإفراج لاحقًا عن 188 شخصًا، غير أنّ أكثر من 200 أسرة لا تزال تنتظر عودة أحبّتها، فيما يقبع آخرون في قبضة جيش أراكان ومصيرهم مجهول.
وعلى النقيض الصارخ، اختفى صيادو الروهينجا دون أي أثر، ولا يُعلم أين هم ولا ماذا حلّ بهم. وبينما نجحت حكومة بنغلاديش في التفاوض على إطلاق سراح مواطنيها، يقف صيادو الروهينجا بلا دولة ترعاهم، ولا حماية تقيهم، ولا من يدافع عن حريتهم.
شريان حياة تحت التهديد
على مدى أجيال، ظلّ نهر ناف مصدر العيش الرئيس للمجتمعات القاطنة على امتداد الحدود بين بنغلاديش وميانمار؛ فمن مياهه اقتاتت الأسر، وبعائداته دُفعت نفقات تعليم الأبناء، وعلى ضفافه ترسّخ نمط حياة توارثه الفقراء جيلًا بعد جيل، ممن جعلوا الصيد سبيل بقائهم.
ومنذ عام 1445هـ (2024م) حتى اليوم، حوّلت سلسلة من عمليات الاختطاف التي نفّذها «جيش أراكان» النهر إلى موطنٍ للخوف، تاركةً الصيادين وعائلاتهم أسرى القلق والترقّب. ويعتمد صيادو بنغلاديش والروهينجا على نهر ناف للبقاء، غير أنّ المجموعات المسلحة التابعة لجيش أراكان في شمال ولاية أراكان صعّدت استهداف المدنيين لأغراض متعددة.
لقد كان الصيد من أبرز مهن الروهينجا منذ أزمنة سحيقة حتى يومنا هذا؛ إذ امتلك كثير منهم قوارب وسفن جرّ وسفن شحن خشبية، لكنهم فقدوا كل شيء خلال ساعات إبّان أحداث العنف عام 1438هـ (2017م). ويعمل بعض الروهينجا اليوم عمّال صيد على متن سفن بنغلاديشية لإعالة أسرهم، غير أنّ جيش أراكان يعمد إلى اختطافهم اختطافًا دائمًا، بحيث يُستبعد عودتهم من قبضة احتجازه. ولم يقتصر الاستهداف على الروهينجا فحسب، بل طال أيضًا الصيادين البنغلاديشيين المحليين.
قصة فاطمة
ذكرت فاطمة، زوجة فايز الله، أنّ «جيش أراكان» أقدم في 26 مُحَرَّم 1446 (الثاني من أغسطس عام 2024م) على اختطاف زوجها مع ثلاثين شخصًا آخرين، وكان ربان القارب ديلو مازي.

البطاقة الخاصة بفايز الله لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وقالت: «رأينا صورة لهم منشورة على صفحة جيش أراكان في فيسبوك، ومنذ ذلك الحين لم أتلقَّ أي معلومة عن زوجي أو عن الثلاثين شخصًا الذين كانوا على متن القارب. فمنذ يوم الاعتقال وأنا أبحث في كل مكان، لكن لا أحد يستطيع أن يخبرني إن كان زوجي حيًا أم مصابًا أم قُتل. إنني أعيش في خوف دائم وحيرة لا تنقطع».
ويعاني فايز الله من عدة أمراض مزمنة، منها حصى الكلى وآلام جسدية أخرى، ولا يقوى على الأعمال الشاقة. ولأنه أب لستة أطفال، اضطر إلى الخروج للصيد لإعالة أسرته، فاختُطف في الثاني من أغسطس.
وأضافت فاطمة: «إنّ الحصص الغذائية لا تكفي لسد حاجات الأسرة؛ ولهذا كان مضطرًا إلى العمل لضمان بقاء أطفالنا على قيد الحياة».
كما تعاني هي نفسها من ارتفاع ضغط الدم، وتكابد مشقة رعاية أربع بنات وولدين بمفردها. وقالت: «من دون والدهم، يعاني أطفالي الجوع والبكاء والألم كل يوم في هذا المخيم القاسي. لا مصدر لنا للدخل، ولا أستطيع توفير الطعام أو الملبس أو أبسط مقومات الحياة. بناتي يجُبن الطرقات بحثًا عن أبيهن، يبكين ليلًا ونهارًا وينادين: يا أبي، يا أبي. وحالتهن النفسية تتدهور يومًا بعد يوم».

عائلة فايز الله.
وأضافت: «أتوسل إليكم والدموع في عينيّ؛ ابحثوا عن زوجي، وأخبروني بأي معلومة تصلون إليها. ساعدوني في إعادته إلينا. فمنذ ثلاثة أشهر ونحن نعيش معاناة لا تُحتمل من الفقر والخوف والجوع».
وأفادت أسرة ربان القارب ديلو مازي، ربان فايز الله، أنّه حُكم عليهم بالسجن عشر سنوات في سجون جيش أراكان. كما أشاروا إلى وجود مجموعة أخرى من الصيادين يقودها ربان يُدعى ضياء، غير أنهم لا يعلمون على وجه الدقة عدد الأشخاص الذين كانوا على متن قاربه.
ادعاء هوية زائفة قسرًا من أجل البقاء
أُفرج عن مجموعة من الصيادين بعدما اضطروا إلى ادعاء أنهم بنغلاديشيون. وكان من بينهم محمد شفي، صياد يبلغ من العمر خمسةً وستين عامًا ويقيم في المخيم 14، القطاع B-3. وقد كان قائدًا لواحدٍ وعشرين صيادًا، وامتهن الصيد منذ شبابه، أولًا في ميانمار ثم لاحقًا على امتداد نهر ناف.
وفي 14 شعبان 1446 (الثالث عشر من فبراير عام 2025م)، كان شفي يقود مجموعة من واحدٍ وعشرين صيادًا من الروهينجا عندما اعترضهم متمردو «جيش أراكان» قرب جنوب مونغداو، في نهر مينت هلو (ميرولا) ناماي-8، نحو منتصف النهار.

صورة لشفي.
وقال شفي: «اعتقلونا مع قواربنا؛ كنا جميعًا صيادين من الروهينجا، ولم يكن بحوزتنا سوى شباك الصيد». وأفاد محمد سلطان، مالك أحد قوارب الجر، لموقع bdnews24 بأن «جيش أراكان» لاحق القارب بزوارق سريعة واختطف جميع من كانوا على متنه، كما نُهبت أصول تُقدّر بنحو ثلاثة ملايين تاكا.
ونُقلت المجموعة إلى القطاع 8 (ناماي-8) في مينت هلو، حيث احتُجزوا معًا، وبعد ستة عشر يومًا فُصل شفي عن الآخرين ونُقل منفردًا إلى مونغداو، حيث خضع للاستجواب وتدوين سيرته الشخصية.

صياد من قارب شفي.
«قلت لهم إننا بنغلاديشيون»، قال شفي بصوت خافت، «فلو صرّحنا بأننا من الروهينجا لقتلونا أو أخفونا قسرًا كما فعلوا مع كثير من الصيادين الآخرين».
وبقي شفي محتجزًا في ثكنة تابعة لجيش أراكان في مونغداو ما لا يقل عن سبعة عشر يومًا إضافيًا، معزولًا عن بقية المجموعة. وفيما نُقل الآخرون لاحقًا إلى معسكر آخر تابع لجيش أراكان، ظلّ هو منفصلًا عنهم بينما كانت تُجرى، بحسب ما ورد، مفاوضات مع السلطات البنغلاديشية للإفراج عنهم.
الإفراج تحت التهديد والابتزاز
بعد أكثر من شهر من الاحتجاز، أُطلق سراح الصيادين في منتصف مارس، غير أنّ الإفراج تمّ تحت وطأة التهديد. وأفادت مصادر بأن كثيرًا من الصيادين أُجبروا على دفع «ضرائب» لجيش أراكان مقابل السماح لهم بالصيد في المنطقة. كما ذكر صياد بنغلاديشي أنهم تعرّضوا للضرب فور اعتقالهم دون أي استجواب، وأن جميع معداتهم نُهبت.
ولا تزال أسباب استهداف الصيادين في نهر ناف يكتنفها الغموض؛ إذ أفاد عدد من الصيادين والتجار بأن جيش أراكان اختطف أشخاصًا ليس بسبب تجاوزهم المياه الميانمارية، بل مباشرةً من داخل الأراضي البنغلاديشية. وذكر أحد الصيادين، طالبًا عدم الكشف عن هويته، أنّ بعض المحتجزين أُفرج عنهم مقابل إمدادات من الطعام والدواء.
كما أفاد ربان قارب بنغلاديشي لصحيفة «بروثوم ألو» بأن عناصر جيش أراكان نهبوا الأسماك والوقود والمؤن من القوارب قبل أن يُفرجوا عنها في نهاية المطاف.
«حذّرونا بأننا إن عدنا إلى الصيد قرب حدود ولاية أراكان فسوف يُعتقلوننا ويعاقبوننا مجددًا»، قال شفي، «وهذا هو عملنا الوحيد».
ولم تُعاد إليهم قواربهم ولا شباك صيدهم قط؛ فلم يكن التحذير مجرد تهديد، بل حكمًا بالجوع على أطفال الصيادين وأسرهم. كما صادر جيش أراكان المؤن والإمدادات الطبية لدعم عملياته القتالية.
وأضاف شفي: «ادّعينا أننا بنغاليون؛ فتواصل مالك القارب مع حرس الحدود البنغلاديشي، وسُلّمنا إلى بنغلاديش، لكن لم نحصل على أي تعويض، إذ صادَر جيش أراكان جميع معداتنا». وتابع موضحًا: «نحن أناس بسطاء غير متعلمين؛ فإذا لم نصطد في النهر أو البحر، فكيف نطعم عائلاتنا؟ لقد كان الصيد مهنتي منذ أن كنت أعيش في ميانمار، وهو العمل الوحيد الذي أعرفه».
مناخ من الرعب
يشترك الصيادون الأصغر سنًا في الشعور ذاته بالخوف. فقد قال هاشم، البالغ من العمر ستةً وعشرين عامًا، إن متمردي «جيش أراكان» أبلغوهم بأن الصيد في نهر ناف بات يتطلب إذنًا مسبقًا، وأضاف: «قالوا لنا: إن أردتم الصيد هنا، فعليكم إبرام اتفاق مع جيش أراكان، وإلا قتلناكم في عرض البحر».
ووصف صياد آخر لحظة اعتقالهم بأنها مرعبة، وقال: «كنا نعلم أنهم يقتلون الروهينجا ويضربون الناس بعنف شديد، وظننا أننا لن ننجو، ولم يُنقذنا إلا الله». وأكد أنهم تعرّضوا لإساءة جسدية شملت اللكم والركل والضرب، إضافةً إلى التهديد بالسلاح.
وليس ما جرى لشفي حالةً منفردة؛ إذ شهد عام 1446هـ (2025م) سلسلةً من عمليات الاختطاف المتكررة على امتداد نهر ناف. ففي فبراير، اختُطف صيادون قرب شاه بورير دويب وغولاشار ونايخونغديا، وفي أغسطس أقدم مسلحون على اختطاف اثني عشر صيادًا من قارب واحد، أعقبها اختطاف عشرات آخرين خلال أسابيع متتالية.
وفي 1446هـ (أوائل أغسطس عام 2024م)، أفادت قوات حرس الحدود البنغلاديشية باختطاف واحدٍ وخمسين صيادًا، بينما سجّلت ناحية تكناف ثمانيةً وخمسين حالة، وأعلنت رابطة ملاك قوارب الجر وجود سبعةٍ وخمسين محتجزًا.
وقال صياد آخر يُدعى أمين إن «جيش أراكان» اختطف ما يقارب أربعمائة صياد من الروهينجا منذ عام 1445هـ (2024م)، وأضاف: «كما اختطفوا مئات الصيادين البنغلاديشيين؛ وقد أُفرج عن بعض البنغلاديشيين بعد مفاوضات مع حرس الحدود البنغلاديشي، أما صيادو الروهينجا فلم يُفرج عنهم قط، بل أُخفوا قسرًا بصورة دائمة».
وفي 1447هـ (أوائل ديسمبر عام 2025م)، أكدت «نترا نيوز» الإفراج عن مئةٍ وثمانيةٍ وثمانين شخصًا، في حين لا تزال أكثر من مئتي أسرة تنتظر عودة أحبّتها. كما أفاد ملاك قوارب الجر بأن من بين محتجزي جيش أراكان عمّالًا يوميين من الروهينجا كانوا يعملون على متن قوارب الصيد.
وقد أدانت منظمات حقوق الإنسان عمليات الاختطاف، وطالبت بالإفراج الفوري عن المدنيين وتعزيز الحماية للصيادين العاملين في مياه الحدود.
ومع ذلك، تبدو الحلول بعيدة المنال لمن يعيشون على ضفاف نهر ناف؛ إذ حوّلت الاعتقالات المتكررة نهر الحياة إلى نهرٍ من الخوف. وحتى تُصان حياة المدنيين ويستطيع الصيادون مزاولة عملهم بلا تهديد، ستبقى الأسر على امتداد ناف عالقةً بين البقاء والخطر، رهينةَ صراعٍ لم تختره ولم تملك زمامه.
Rohingya to Grapher.




اترك تعليقاً