“ضباط متحرشون”.. كاميرات المراقبة في أمريكا تكشف هشاشة الخصوصية

كاميرات

كشف تحقيق أجرته صحيفة واشنطن بوست عن وقائع إساءة استخدام لأنظمة قراءة لوحات السيارات في الولايات المتحدة، بعدما استخدم عدد من ضباط الشرطة هذه التقنية في تعقب نساء ومراقبة تحركاتهن لأسباب شخصية، بدلاً من توظيفها في مكافحة الجريمة كما خُصصت لها.

ويستند التحقيق إلى مراجعة سجلات شرطية ووثائق قضائية أظهرت أن عشرات الضباط استغلوا صلاحياتهم للوصول إلى بيانات حساسة، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن الرقابة على استخدام أدوات المراقبة الحديثة.

قصة بدأت برسائل غامضة

يروي التحقيق قصة الأميركية مارسي باكيلي، التي بدأت تتلقى رسائل من حبيبها السابق تتضمن تفاصيل دقيقة عن تحركاتها اليومية، رغم أنه يعمل رئيساً للشرطة في بلدة تبعد نحو 15 ميلاً عن مكان إقامتها.

ومع تكرار الرسائل، لجأت باكيلي إلى تركيب كاميرات مراقبة حول منزلها وفحص سيارتها بحثاً عن أجهزة تتبع، قبل أن يكشف لها الرجل في إحدى رسائله أنه يعتمد على نظام “فلوك” لمراقبة تنقلاتها.

كيف يعمل نظام “فلوك”؟

وبحسب واشنطن بوست، يُعد نظام “فلوك” أحد أكبر شبكات قراءة لوحات السيارات في الولايات المتحدة، إذ يضم أكثر من 120 ألف كاميرا موزعة في أكثر من ستة آلاف مجتمع محلي، وتُسجل نحو 20 مليار قراءة للوحات المركبات شهرياً.

وتسوق الشركة المالكة النظام باعتباره أداة لمساعدة أجهزة إنفاذ القانون على مكافحة الجريمة والعثور على المركبات المطلوبة، إلا أن التحقيق أظهر أن التقنية استخدمت في بعض الحالات لأغراض شخصية بعيدة عن العمل الأمني.

عشرات الضباط متهمون بإساءة استخدام النظام

وأفادت الصحيفة بأنها رصدت ما لا يقل عن 50 ضابط شرطة وُجهت إليهم اتهامات أو خضعوا لتحقيقات بسبب إساءة استخدام أنظمة قراءة اللوحات.

وفي 26 حالة، قال محققون أو مدعون إن الضباط استخدموا هذه الأنظمة لتعقب زوجات سابقات أو شريكات سابقات أو نساء سعوا إلى إقامة علاقات معهن، فيما كان نظام “فلوك” مستخدماً في 46 حالة من الوقائع التي حللتها الصحيفة.

مراقبة تتجاوز معرفة موقع السيارة

ويشير التحقيق إلى أن خطورة هذه الأنظمة لا تقتصر على تحديد مكان مرور المركبات، بل تمتد إلى رسم نمط حياة الأشخاص، من خلال تتبع مساراتهم اليومية وأماكن زيارتهم ومواعيد تحركاتهم، بما يسمح ببناء سجل تفصيلي لتحركاتهم مع مرور الوقت.

وأضافت الصحيفة أن بعض حالات التتبع سبقت وقائع تهديد أو مضايقات أو محاولات للسيطرة على الضحايا.

ثغرات رقابية داخل أجهزة الشرطة

ووفقاً للتحقيق، تركت شركة “فلوك” لإدارات الشرطة صلاحية تفعيل عدد من أدوات الحماية والرقابة، وهو ما أدى إلى تفاوت كبير في مستوى الإشراف على عمليات البحث التي يجريها الضباط.

كما أوضحت الوثائق أن الضابط لا يحتاج إلى مذكرة قضائية لإجراء عملية البحث، بل يكفي امتلاكه بيانات الدخول إلى النظام ثم إدخال رقم لوحة المركبة.

وأضافت الشركة لاحقاً مزايا جديدة، من بينها تنبيهات فورية عند ظهور سيارة محددة، إضافة إلى تقنية “البصمة المرئية للمركبة”، التي تسمح بالبحث عن السيارات وفق شكلها أو مواصفاتها حتى دون معرفة رقم اللوحة.

الشركة: سوء الاستخدام لا يمثل سوى نسبة محدودة

ونقلت واشنطن بوست عن مسؤولي “فلوك” قولهم إن من يسيئون استخدام النظام يمثلون نسبة ضئيلة من إجمالي المستخدمين النشطين، البالغ عددهم نحو 140 ألف مستخدم.

وأكد الرئيس التنفيذي للشركة، غاريت لانغلي، أن إساءة الاستخدام أمر يصعب منعه بالكامل، مشيراً إلى أن دور الشركة يتركز على توفير أدوات تساعد إدارات الشرطة على اكتشاف المخالفات بعد وقوعها.

وقائع من عدة ولايات

ورصد التحقيق حالات متعددة في ولايات أميركية مختلفة، من بينها ولاية ويسكونسن، حيث استخدم أحد الضباط النظام لمعرفة ما إذا كانت شريكته السابقة زارت عيادة طبية.

وفي ولاية كنساس، قالت هيئة شرطية إن رئيس شرطة تتبع تحركات حبيبته السابقة عبر النظام قبل إنهاء خدمته.

أما في ولاية فلوريدا، فأشارت التحقيقات إلى أن نائباً في الشرطة لاحق شابة بعد إدراجها ضمن قائمة مراقبة في نظام آخر لقراءة لوحات السيارات.

فراغ تشريعي يثير مخاوف خبراء الخصوصية

وأوضح التحقيق أن الولايات المتحدة لا تمتلك قانوناً اتحادياً ينظم استخدام أنظمة قراءة لوحات السيارات، ما ترك آلاف أجهزة الشرطة تعمل وفق قواعد محلية تختلف من ولاية إلى أخرى.

وأشار مشروع الشرطة في كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وفقاً لـ واشنطن بوست، إلى أن 13 ولاية أقرت قوانين تلزم أجهزة الشرطة بمراجعة استخدام هذه الأنظمة، بينما جرّمت ثماني ولايات على الأقل إساءة استخدامها.

ويرى خبراء في الخصوصية أن الحد من الانتهاكات يتطلب إجراءات أكثر صرامة، مثل إلزام الضباط بربط كل عملية بحث برقم قضية جنائية، غير أن هذه الخاصية لا تزال اختيارية لدى كثير من أجهزة إنفاذ القانون.

التكنولوجيا تتقدم أسرع من القوانين

ويخلص التحقيق إلى أن الجدل الدائر لا يتعلق بفاعلية التكنولوجيا في دعم التحقيقات الأمنية، بل بغياب الضوابط الكافية التي تمنع إساءة استخدامها، في وقت تتطور فيه أدوات المراقبة بوتيرة أسرع من تحديث القوانين والرقابة المنظمة لها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *