وصل للأخبار | سياسة الاحتلال البريطاني في اليمن
يمثل تاريخ اليمن الحديث منذ نهاية القرن الثاني عشر الهجري الموافق للقرن الثامن عشر فصلاً مظلماً ومستمراً من الفتن، والحروب، والاحتلال الأجنبي، والجور السياسي والعقدي.
فبين مخالب المحتل البريطاني الذي نهب ثروات الجنوب وسلب سيادته، وبين مطرقة حكام الشيعة الزيدية المستبدين في الشمال الذين تسببوا بالجهل والمآسي، وتوجت هذه المآسي بالانحرافات الفكرية والعقدية الكبرى؛ تجرع أهل اليمن شتى صنوف البؤس والمعاناة.
أولاً: خنق المنافذ المائية وبداية المأساة (من عام ١٢١٣ هـ الموافق ١٧٩٩ إلى عام ١٢٥٤ هـ الموافق ١٨٣٩)
بدأت معاناة اليمن مع أطماع الاحتلال الغربي مبكراً، حيث تحول موقعه الجغرافي الفريد ومضائقه البحرية الحيوية من نعمة إلى نقمة وضعت البلاد في مرمى نيران الأساطيل الحربية:
– احتلال جزيرة بريم ميون عام ١٢١٣ هـ الموافق ١٧٩٩: بدأ خنق اليمن مائياً حين سارعت بريطانيا لاحتلال جزيرة بريم الواقعة في قلب مضيق باب المندب لمنع أي تمدد فرنسي، مما مثل بداية عزل اليمن مائياً وتأمين مصالح المحتل على حساب عيش المسلمين في اليمن.
– سقوط عدن الدامي عام ١٢٥٤ هـ الموافق ١٨٣٩: استخدم الاحتلال البريطاني ذريعة مهاجمة إحدى السفن ليشن هجوماً بحرياً غادراً وقاسياً بقيادة هينز على مدينة عدن. قصف المحتل المدينة من البحر وعاث فيها تدميراً وقتلاً حتى سقطت عدن تحت وطأة الاحتلال المباشر، وجرى تحويلها إلى مستودع للفحم وقاعدة عسكرية لحماية السفن البريطانية المتجهة للهند، بينما عُزل أهلها وعوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية في بلادهم؛ بسبب خوف بريطانيا على طريق تجارة البحر الأحمر بعد ازدياد نفوذ الطاغية محمد علي في شبه الجزيرة العربية وتحالفه مع الفرنسيين.
– اتفاقيات التبعية القسرية: لم يكتفِ المحتل بعدن، بل فرض تحت قوة السلاح معاهدات حماية جائرة على مشيخات وسلطنات الجنوب المحيطة بها، مكرساً سياسة فرق تسد لضمان عدم قيام أي كيان يمني موحد يهدد وجوده.
ثانياً: مأساة تمزيق الأرض ورسم الحدود الجائرة (من عام ١٢٨٩ هـ الموافق ١٨٧٢ إلى عام ١٣٢٢ هـ الموافق ١٩٠٤)
عاش اليمنيون تفاصيل مأساة حقيقية تجلت في تقسيم بلادهم وتقطيع أواصر قبائلهم بسبب الصراع الدولي والمطامع التوسعية:
– صراعات النفوذ الإقليمي عام ١٢٨٩ هـ الموافق ١٨٧٢: بعد افتتاح قناة السويس عام ١٢٨٥ هـ الموافق ١٨٦٩، تصاعدت التحركات الدولية لبسط السيطرة على شمال اليمن وعسير والحجاز لضرب النفوذ البريطاني المتنامي. وتحول اليمن إلى ساحة للمواجهات الطاحنة التي أنهكت الاقتصاد المحلي واستنزفت دماء القبائل اليمنيّة.
– اتفاقية الحدود عام ١٣٢٢ هـ الموافق ١٩٠٤: بلغت المأساة ذروتها حين شكل المحتل البريطاني مع الأطراف الإقليمية المتنازعة لجنة مشتركة لرسم الحدود بين مناطق نفوذهم. جرى تقسيم اليمن رسمياً إلى شمالي وجنوبي، ورُسم خط حدودي جائر فصل العائلات عن بعضها، وقسم أراضي القبائل الواحدة، ووضع حواجز مصطنعة عمقت الفرقة والضعف بين أبناء الوطن الواحد تلبيةً لمصالح المحتلين.
ثالثاً: عهد الظلام والجهل والفقر في الشمال تحت حكم أئمة الشيعة الزيدية (من عام ١٣٢٢ هـ الموافق ١٩٠٤ إلى عام ١٣٨٢ هـ الموافق ١٩٦٢)
عقب انتهاء التواجد الأجنبي القديم في الشمال عام ١٣٣٧ هـ الموافق ١٩١٨، تفرد حكام الشيعة من بيت حميد الدين -وهم سلالة شيعية زيدية تجعل الحكم حصراً في عرق معين وتحمل عقائد بدعية تصادم معتقد السنّة- بحكم اليمن الشمالي، لتبدأ حقبة كاحلة السواد من الاستبداد والجهل:
– صلح دعان وتبعية حكم الشيعة الزيدية: فرض الحاكم الشيعي يحيى حميد الدين سيطرته على الشمال عام ١٣٢٢ هـ الموافق ١٩٠٤، وعقد صلح دعان عام ١٣٢٩ هـ الموافق ١٩١١، والذي تضمن اعترافه بالسيادة الإقليمية القائمة مقابل منح حكمه الشيعي الاستقلال الذاتي في إدارة شؤون الشمال، وسيطر بالكامل على مقاليد الأمور عقب نهاية الحرب العالمية الأولى عام ١٣٣٧ هـ الموافق ١٩١٨ وفق تفاهمات واتفاقيات دولية منها معاهدة مودروس.
– الأطماع البريطانية وحصار الشمال المائي: عقب الحرب الأولى، احتلت بريطانيا مينائي الحديدة واللحية وسلمتهما لحلفائها الأدارسة في عسير لحرمان اليمن الشمالي من منافذه البحرية الطبيعية.
إلا أن يحيى حميد الدين استعادهما عام ١٣٤٢ هـ الموافق ١٩٢٤ وفتح طريقاً تجارياً يربط هذه الموانئ بصنعاء. وتفادياً لتوطيد العلاقات اليمنية الإيطالية وتخوفاً من سيطرة إيطاليا على مضيق باب المندب، لجأ الاحتلال البريطاني للدبلوماسية ووقع اتفاقية صنعاء عام ١٣٥٢ هـ الموافق ١٩٣٤ مع الشمال، واعترفت فيها بريطانيا باستقلال اليمن الشمالي مع تأجيل البت في مسألة الحدود الجنوبية لمدّة أربعين عاماً.
–سياسة العزلة والتخلف المفروضة لحكم متسلطي بيت حميد الدين الشيعة: حصر الحاكم الشيعي يحيى حميد الدين جميع السلطات والقرارات بيده وبأفراد أسرته السلالية، وعاش الشمال في ظل سياسة عزلة مطبقة أشبه بأنظمة القرون الوسطى أدت إلى ركود اجتماعي واقتصادي تام في اليمن الشمالي، وحرم المسلمين في اليمن من أبسط مقومات الحياة المعاصرة كالمستشفيات، والمدارس، والطرق المعبدة، والكهرباء، بهدف إبقاء الشعب غارقاً في الجهل والفقر، فلا يملك وعياً يهدد به عروش متسلطي الشيعة من أسرته.
– الجبايات والاضطهاد الطائفي لأهل السنّة: عانى الفلاحون والقبائل من اضطهاد مذهبي وجشع خانق من قبل جباة حكم حميد الدين الشيعي، الذين كانوا ينهبون المحاصيل والأموال تحت مسمى الزكاة والضرائب الجائرة والجبايات القسرية، مما نشر المجاعة والأوبئة القاتلة في أرياف الشمال، واضطر آلاف الشباب للهجرة القسرية والفرار من هذا الجحيم.
واغتيل الحاكم الشيعي يحيى عام ١٣٦٧ هـ الموافق ١٩٤٨، ليخلفه ابنه أحمد حميد الدين (الذي كان أشد بطشاً ودموية من أبيه) والذي وقع ميثاق جدة للأمن المشترك مع مصر والسعودية عام ١٣٧٥ هـ الموافق ١٩٥٦ لتأمين بقاء ملك أسرته الشيعية.
رابعاً: النكبة الماركسية في الجنوب والحروب الأهلية (من عام ١٣٨٢ هـ الموافق ١٩٦٢ إلى عام ١٤١٠ هـ الموافق ١٩٩٠)
لم تكد تبدأ حركات التغيير في الشطرين حتى دخل اليمن في دوامة أشد عنفاً وبؤساً:
– حرب الشمال المدمرة عام ١٣٨٢ هـ الموافق ١٩٦٢: بعد الانقلاب على محمد البدر بن أحمد عام ١٣٨٢ هـ الموافق ١٩٦٢ وإعلان النظام الجمهوري برئاسة عبد الله السلال، تحول الشمال إلى وادٍ من الدماء في حرب أهلية طاحنة بين الجمهوريين والملكيين الذين سعوا لإعادة فرض سلطة متسلطي الشيعة من بيت حميد الدين.
جرى تدمير القرى وهُجر أهلها، وتدخلت القوات المصرية عسكرياً، وقوبلت بدعم سعودي للملكيين، ولم تنتهِ هذه الحرب إلا بعد قمة الخرطوم عام ١٣٨٧ هـ الموافق ١٩٦٧ بعد أن خلفت وراءها عشرات الآلاف من القتلى واقتصاداً منهاراً تماماً.
– تطور اليمن الجنوبي والاحتلال البريطاني المباشر: خضعت عدن لإشراف حكومة الهند البريطانية منذ احتلالها عام ١٢٥٤ هـ الموافق ١٨٣٩ وحتى عام ١٣٥٦ هـ الموافق ١٩٣٧، ثم انتقلت إلى إشراف وزارة المستعمرات “الاحتلال” البريطانية مباشرة. ومع تزايد احتمال وجود النفط عام ١٣٦٦ هـ الموافق ١٩٤٧، شدد الاحتلال البريطاني قبضته على الجنوب عام ١٣٧١ هـ الموافق ١٩٥٢ لقمع التحركات الشعبية والإضرابات العمالية، ثم أنشأ اتحاد الجنوب العربي عام ١٣٧٨ هـ الموافق ١٩٥٩ كخديعة لضمان بقاء عدن تحت سيطرته.
– الكارثة الماركسية الإلحادية في الجنوب عام ١٣٨٧ هـ الموافق ١٩٦٧: بعد جلاء الاحتلال البريطاني عام ١٣٨٧ هـ الموافق ١٩٦٧ بقرار الأمم المتحدة الصادر عام ١٣٨٥ هـ الموافق ١٩٦٥، تسلمت الجبهة القومية الحكم وأعلنت النظام الماركسي الشيوعي برئاسة قحطان الشعبي. وعاش الجنوب أقسى فترات القمع العقدي والفكري والجسدي؛ حيث حورب الدين علناً، وأُعدم العلماء وسُحلوا في الشوارع، وعُطلت المحاكم الشرعية، وأُممت الممتلكات الشخصية والمنازل بقوة السلاح، وعاش الناس في رعب مستمر من جهاز أمن الدولة الدموي.
– مجازر الرفاق الدامية عام ١٤٠٦ هـ الموافق ١٩٨٦: توجت المعاناة الماركسية بالصراعات الدموية الداخلية بين أجنحة الحزب الاشتراكي، والتي كان أبشعها أحداث ثلاثة عشر يناير عام ١٤٠٦ هـ الموافق ١٩٨٦، حيث تصارع الرفاق بالأسلحة الثقيلة في شوارع عدن، ومزقت الجثث في الطرقات، وقُتل في غضون أيام قليلة أكثر من عشرة آلاف يمني بدم بارد نتيجة التطرف الفكري والسياسي.
خامساً: الوحدة المشوهة والانقلاب الحوثي الرافضي المدمر (من عام ١٤١٠ هـ الموافق ١٩٩٠ إلى عام ١٤٤٧ هـ الموافق ٢٠٢٦)
جاء إعلان الوحدة عام ١٤١٠ هـ الموافق ١٩٩٠ حاملاً لآمال كاذبة سرعان ما تبخرت في أتون الصراعات النفعية:
– حرب صيف ١٤١٤ هـ الموافق ١٩٩٤ المدمرة: أدى الصراع على السلطة بين قطبي الوحدة إلى تفجر حرب عام ١٤١٤ هـ الموافق ١٩٩٤ التي عاثت في الجنوب دماراً، وكرست شعور الإقصاء والظلم والاضطهاد الاقتصادي والسياسي لأبناء الجنوب تحت غطاء الفساد المستشري في نظام علي عبد الله صالح.
اقرأ أيضًا: التغلغل البريطاني لحصار البحرين ومصادرة قرارها التجاري والبحري
– الانقلاب الحوثي الرافضي عام ١٤٣٥ هـ الموافق ٢٠١٤: تفجرت المأساة الكبرى التي يعيشها اليمن حتى يومنا هذا مع اجتياح الميليشيات الحوثية الرافضية للعاصمة صنعاء. قادت هذه العصابة المرتبطة بالكامل بالمشروع الإيراني الصفوي البلاد إلى أكبر كارثة إنسانية وعقائدية في التاريخ المعاصر:
• تدمير البنية التحتية والمجاعة الممنهجة: تسببت الحرب التي فجرها الحوثيون في انهيار تام للعملة والاقتصاد، وقطع رواتب الموظفين، ونشر المجاعة والأوبئة التي حصدت أرواح الأطفال والنساء، مع نهب المساعدات الإغاثية وتوجيهها للمجهود الحربي لخدمة مشروعهم البدعي الشيعي.
• محاربة عقيدة أهل السنّة: عمد الحوثيون إلى تفجير معاهد دماج ومدارس تحفيظ القرآن ومساجد أهل السنة، وفرض مناهجهم الطائفية الرافضية القائمة على سب الصحابة الأجلاء، والطعن بأمهات المؤمنين، وغرس أفكار الولاء للمرجعية الإيرانية في عقول الأطفال عبر المراكز الصيفية الممنهجة لتدمير عقيدة المجتمع اليمني المسلم.
الانحرافات العقدية وميزان الأحكام في منظور الشريعة
إن استقراء قرنين من تاريخ اليمن ومعاناته يؤكد من منظور إسلامي أثري أن جذور المآسي والاضطهاد الذي عاشه هذا البلد لا تنفصل أبداً عن الانحرافات العقائدية التي ضربت هويته الإسلامية، وتحديداً من خلال تيارين كفريين:
– الاتجاه الإلحادي الماركسي في الجنوب: مثل النظام الماركسي انحرافاً عقائدياً وفلسفياً بمحاربته للدين والذات الإلهية وتبنيه للفلسفة المادية الجاحدة، وهو ما جلب على الجنوب الويلات والفقر والدمار الفكري والمجتمعي كمصداق لسنن الله الكونية فيمن يحارب دينه وشريعته.
– الاتجاه الرافضي الشيعي في الشمال (من الحكام القدامى إلى الحوثيين): يمثل الفكر الذي حكم به متسلطو بيت حميد الدين الشيعة قديماً، والحركة الحوثية الرافضية حديثاً، وجهاً واحداً للضلال العقدي المروق؛ إذ ترتكز عقائدهم المدونة في أمّات كتبهم على الطعن الصريح وتكفير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخاصة الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم، والقول بالحق السلالي الحصري، ونشر البدع الكفرية كالبناء على القبور وتشييد المشاهد الشركية وصرف العبادة لغير الله عز وجل، وفرض التبعية الكاملة للمشروع الإيراني الرافضي الموجه لتدمير ديار المسلمين.
إن نقاء العقيدة وتجريد التوحيد، والذود عن حياض الصحابة الأطهار والبراءة من ضلالات الشيوعية والرافضة والشيعة الزيدية، هو المخرج الشرعي الأوحد لرفع هذا العذاب الممتد عن أرض اليمن. فالاستمساك بالكتاب والسنة وفق فهم القرون الأولى المزكاة هو أساس النصر والتمكين، والعقيدة الصحيحة هي الأمانة العظمى التي سيسأل الله عنها العباد يوم القيامة.






اترك تعليقاً