سايكس بيكو: من التراب إلى التكنولوجيا

c7luRIF5HsRMcpaz5eIN6dEashxYM3UQDHp61ut1Si8psTes14EqCheDEg5kjLDz92TQIHA8Vl PAjdEMmVTjHM y57oTu2cUQTZLxAnfF9ZcGcfUzJ3yBQNW g9jUl6rxa6rjH0GSLFRwLosuOHa2eIIynD7vvtK9 VG98IM F2BRdOgT9UDMFvSmdqvtkB scaled

من يسمع “سايكس-بيكو” يتبادر لذهنه قلم حبرٍ رُسمت به الحدود الترابية على خريطة المشرق؛ لكن قلّ من يسبر أغوار الاتفاقية ليتكشف له أنها كانت “هندسة وظيفية” وزّعت الأدوار الإقليمية بدقة متناهية، فجعلت دولة للمرور، وأخرى للنفط، وثالثة للهامش.

في ذكرى الاتفاقية التي مرت قبل أيام، يبرز المنطق الوظيفي ذاته داخل أحشاء الجيوتكنولوجيا الحديثة—من ألياف الضوء، ورقائق السيليكون، إلى خوادم السحابة الرقمية—ليُعاد توزيع العالم بين أسيادٍ للطباعة التقنية، وحراسٍ للسحابة، ومناجم مفتوحة لاستخراج البيانات؛ وهي الوظيفة الأخيرة التي أُريد لمنطقتنا أن تؤديها كـسوق استهلاكي خاضع.

وهم تفتيت الشبكة

بينما يسود في أدبيات التحليل السياسي الحديث حديثٌ مكرر عن “تفتيت الشبكة” أو تجزئة الإنترنت (Splinternet)—مع التركيز السطحي على “جدار النار العظيم” في الصين أو فصل الشبكات في روسيا—يغفل الكثيرون عن أن الشبكة تظل في عمقها موحدة لخدمة نظام وظيفي واحد: نظام يضمن استمرار تدفق البيانات من الجنوب العالمي، والمنطقة العربية في صدارته، نحو مراكز القوة التقنية.

هنا تحديداً لا تظهر شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) كمجرد مزودي خدمات، بل كممارسين لـ “استعمار جديد” (New Colonialism). لم يعد هذا الاستعمار بحاجة لانتزاع النفط والذهب كما في القرن التاسع عشر، بل بات يستهدف “استخراج الحياة البشرية والبيانات” (Data Extraction).

وبالعودة للوضعية التاريخية التي كان يُستغلُّ فيها أبناء المنطقة في السخرة لحفر القنوات ورصف الطرق لخدمة التجارة الغربية، تُستغل منطقتنا اليوم في مستويين: الأول كـمناجم بيانات مفتوحة نولد فيها يومياً ملايين التفاعلات والسلوكيات بالمجان لتدريب خوارزمياتهم. والثاني كـعمالة سخرة رقمية تكتفي بتنسيق وتنظيف البيانات مقابل سنتات، ليُعاد بيع التكنولوجيا النهائية لنا في شكل اشتراكات باهظة، في عملية تثبيت قسري لتخلفنا الهيكلي.

ولكي نفهم كيف أُحكمت هذه الوظيفة، علينا أن نتجاوز مجرد فكرة استخراج البيانات لنصل إلى ما يُعرف بـرأس مالية الاختناق (Chokepoint Capitalism).

المفهوم هنا بسيط للغاية، لكنه شديد الخبث: في عام 1916، لم تكن الدول الإمبريالية بحاجة لاحتلال كل شبر؛ كان يكفي أن تسيطر على “المضايق والقنوات المائية”—مثل قناة السويس ومضيق هرمز—لتتحكم في حركة التجارة والعالم كله.

اليوم، تُبنى الجيوتكنولوجيا بنفس المنطق، ولكن بـ “مضايق رقمية”: فأنت لا تستطيع إيصال أي خدمة للناس إلا عبر متاجر تطبيقات محتكرة، ولا تستطيع تشغيل بنيتك الرقمية دون استئجار السحابة من سيرفراتهم، فإن كانت سايكس-بيكو قد خيطت حدودها فوق أراضي المشرق لتأمين خطوط الإمبراطورية ومنافذها المائية، فإن “سايكس-بيكو الرقمية” تعتمد على ذات الجغرافيا تماماً.

أكثر من 17% من حركة البيانات العالمية تمر اليوم عبر كابلات الألياف الضوئية القابعة في قاع البحر الأحمر وقناة السويس ومضيق باب المندب؛ أمعاء فيزيائية صلبة تربط خوادم السحابة في الغرب بمراكز الاستهلاك في الشرق.

نحن إذن أمام تطابق مرعب بين “المضايق الجغرافية” و”المضايق الرقمية”: المنطقة الجغرافية الممتدة من قناة السويس إلى الخليج ليست سوى ممر مائي وفيزيائي للبيانات تُحرس به السحابة الرقمية للملوك الجدد، تماماً كما كانت مجرد ممر لمصالح شركتي “هند الشرقية” و”قناة السويس” في القرن الماضي.

وهنا يسقط الكثيرون في وهم “البدائل المحلية”؛ إذ يظن البعض أن إنشاء “تطبيق عربي” هو سيادة رقمية، بينما الحقيقة أن هذا التطبيق مبنيٌّ على سيرفراتهم ومُدارٌ بشروطهم—تماماً كما كانت تُدار “الحكومات الصورية” تحت عباءة المندوب السامي قديماً.

وفي الوقت الذي يرتعد فيه الاتحاد الأوروبي خشية أن يتحول إلى “مستعمرة رقمية” بين فكي أمريكا والصين لافتقاره للشركات السحابية والمعالجات المتقدمة، يُصاب المشهد العربي بـ “تخدير كامل” أمام هذه التبعية، مستسلماً لوظيفته المقدرة له—جاهلاً بـ “الهرمية الثلاثية” التي صُممت بها هذه اللعبة.

تشريح الهرم الرقمي.. الطبقات الثلاث للسيادة الجيوتكنولوجية

في أعلى قمة هذا الهرم الجيوتكنولوجي، حيث يتربع أسياد «الطباعة التقنية»، تسود قاعدة مادية صارمة: فلا وجود لذكاء اصطناعي ولا لسحابة رقمية دون أجهزة مادية تُحركها؛ وتحديداً “رقائق السيليكون” (Semiconductors).

ولتبسيط المفهوم: هذه الرقائق ليست سوى “العقول والأجهزة العصبية المادية” لكل تقنيات العالم الحديث؛ فبدونها تحول أحدث هاتف ذكي أو أعقد نموذج ذكاء اصطناعي إلى مجرد قطعة معدن خاوية. داخل كل شريحة بحجم ظفر الأصبع، تُطبع مليارات المكونات المجهرية التي تُعالج ملايين الأوامر في الكسر من الثانية.

وهنا تتجلى نقطة الاختناق المادية المطلقة التي تحتكرها دولتان وشركتان فقط: هولندا بشركة ASML؛ التي تتربع على عرش “الطباعة التقنية” عالمياً باحتكارها المطلق لإنتاج آلات الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية الشديدة (EUV Lithography). وهي أعقد آلة صنعها البشر في التاريخ الصناعي؛ وبدونها يُصبح من المستحيل على شركات مثل “Apple” أو “Nvidia” طبع شريحة متقدمة واحدة.

إنها آلةٌ انعدامُها يعني العدم، ومحاولة إعادة تصنيعها محلياً في أي دولة تتطلب عقوداً من البحث والتراكم المعرفي المعقد.

تليها تايوان عبر شركة “TSMC”، التي تُسيطر على ما يقرب من 90% من إنتاج الرقائق الأكثر تقدماً في العالم. هذه الشركة لا تبتكر التصاميم، بل تخصصت في وظيفة حاسمة: السبك والتصنيع الفعلي؛ فهي التي تحول تصاميم الشركات العالمية إلى شرائح مادية صلبة عبر مصانعها المعقدة.

نزولاً درجة واحدة في الهرم الرقمي، ننتقل من “صناعة المادة” إلى “إدارة العقول والبنية التحتية”؛ وهنا تبرز طبقة “حُرّاس السحابة” (Cloud & AI Masters).

وللتوضيح، يُقصد بالسحابة مراكز بيانات ضخمة (Data Centers) تضم أجهزة سيرفر عملاقة تُخزن عليها الدول والشركات بياناتها، وتُشغل من خلالها برمجياتها ونماذج ذكائها الاصطناعي.

تحتكر مهمة حراسة هذه السحابة ثلاث شركات أمريكية عملاقة يُطلق عليها اسم (Hyperscalers)—وهي: Amazon AWS، وMicrosoft Azure، وGoogle Cloud—بما يعادل 65% إلى 70% من سوق خدمات البنية التحتية السحابية (IaaS) على مستوى العالم.

ومع هذا الاحتكار، برز ما يُعرف بـ “السيادة السحابية” (Cloud Sovereignty)؛ إذ وجدت الدول نفسها تعتمد كلياً على بنية مملوكة لشركات أجنبية تُسيطر قانونياً وتقنياً وتشغيلياً على بياناتها الحكومية، وسجلاتها الوطنية، وحتى أنظمتها المصرفية والعسكرية القائمة على السحابة، متنازلةً بذلك ضمنياً عن جزء أساسي من قرارها الوطني.

وبعد أن أُحكمت السيطرة على “المادة” في قمة الهرم، وعلى “السحابة” في وسطه، تُركت لهذه المنطقة الوظيفة الأضعف في المعادلة: إذ ترتع في الأسفل دول الجنوب ودولنا العربية، يرتدون كسوة عمال السخرة الرقمية؛ يصنفون البيانات، ويُصفّون المحتوى، وينظفون الخوارزميات مقابل أجور زهيدة.

هذا بالإضافة إلى اعتبارنا موقعاً للاستخراج الخام؛ ينقبون في بياناتنا ويستخرجون سلوكياتنا دون موافقة صريحة، ثم يعالجونها في مركز الهرم ويُعيدون بيعها لنا من غير أن نملك منها أي سيادة أو ملكية حقيقية.

وهكذا، فإن سيادة الأمم في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُبنى على جغرافيتها الترابية فحسب، بل على سيادتها الرقمية؛ بأن تمتلك الملكية التامة لطبقات الهرم الثلاث وبنيتها التحتية التكنولوجية: بدءاً من الرقائق المادية في القمة، مروراً بالسيطرة التشغيلية على السيرفرات ومراكز البيانات والشفرة المصدرية في الوسط، وصولاً إلى حماية بيانات ومجهودات العنصر البشري في القاعدة.

والارتهان لشبكات الآخرين دون بناء هذه السيادة، يهدد بإعادة إنتاج الأدوار الوظيفية ذاتها التي فُرضت علينا منذ تقسيم سايكس-بيكو عام 1916. غير أن هذا الامتلاك الشامل لا ينتظر صحوة رسمية من دول أضحت مرتهنة لهذه التكنولوجيا، بل تبدأ لبناته الأولى من الأفراد والعقول الحية؛ فالمستعمر الرقمي يتغذى ويقوى بجهل الضحية بميكانيزمات السيطرة وبإقناعها بحتمية واقعها.

ومن ثمّ، فإن الوعي بـخرائط الجيوتكنولوجيا هو شرط المقاومة الأول؛ لأن كسر هذه الهرمية لا يتم عبر القوانين والاتفاقيات المؤجلة، بل عبر “سيادة معرفية رقمية من الأسفل”؛ تبدأ بتعرّف الفرد على موقعه الدقيق داخل الهرم، وانتقاله من موقف المستهلك السلبي إلى موقع الباني للمعرفة—عبر توطين العلوم الصلبة والتخصص في هندسة المعالجات، والرياضيات التطبيقية، وأنظمة التشغيل، وشبكات الاتصال، إلى جانب الانحياز للأنظمة مفتوحة المصدر وحماية السيادة على البيانات—ليعيد بذلك تعريف وجوده الرقمي: من مجرد منجمٍ مفتوح للبيانات إلى فاعلٍ ينتزع سيادته المعرفية باقتدار.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *