«حواضر الإسلام عبر التاريخ 37»: كابول.. المدينة التي صنعت الطريق بين خراسان والهند

04h2pDHkJRnSkUXet1PWxytQ44PSPu28do9jzDYJftqnPN6YhZlVIbaZ5dTxwLAAiATZS hcD SWTQFCkz eIJwMtEhnyL MC5Mb1uvnFquTfHFprZl1A l ieYaRKpYs4mVvxEJR4fn4S 1vC5tWOUhkonM8HD26BcBIqGfHbnfW8 5bAUUapgkA74hA7uY

في وادٍ تحيط به الجبال، وعلى ملتقى الطرق القادمة من آسيا الوسطى وخراسان والمتجهة نحو شبه القارة الهندية، نشأت كابول لتصبح واحدة من أهم المدن التي ربطت بين عالمين.

لم تكن كابول في معظم تاريخها الإسلامي عاصمة لإمبراطورية كبرى، كما كانت بغداد أو دمشق أو القاهرة، لكنها امتلكت ميزة جغرافية جعلتها ذات قيمة استراتيجية استثنائية، فهي تقع عند بوابة طبيعية تصل الهضبة الإيرانية وآسيا الوسطى بطرق الهند.

ولهذا ارتبط تاريخها الإسلامي بالجيوش والقوافل والتجار والعلماء والسلاطين، ثم أصبحت في العصر التيموري والمغولي مدينة ذات طابع عمراني وثقافي مميز، قبل أن تتحول في القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي إلى عاصمة للدولة الأفغانية الناشئة.

من الثغر الحدودي إلى المدينة الإسلامية

كان موقع كابول مأهولًا ومهمًا قبل الإسلام بقرون، لكن دخول المنطقة في المجال الإسلامي بدأ منذ القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، عندما وصلت الحملات الإسلامية إلى تخومها.

ولم تتحول كابول فورًا إلى مركز إسلامي كبير، حيث ظلت المنطقة لفترة طويلة منطقة حدودية تتنازع السيطرة عليها قوى محلية وإسلامية مختلفة.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن كابول ظلت خلال القرون الأولى بعد الفتح الإسلامي أقرب إلى قاعدة عسكرية ونقطة حدودية، ثم ارتبطت بالدولة السامانية والغزنوية، بينما ظل مركز الثقل السياسي للغزنويين في غزنة الواقعة إلى الغرب منها.

وهذا التفصيل مهم لفهم تاريخ المدينة: لم تصنع كابول أهميتها من كونها عاصمة مبكرة، وإنما من موقعها الذي جعلها عقدة استراتيجية بين الشرق والغرب.

كابول على طريق الغزنويين

خلال العصر الغزنوي، بين القرن الرابع والسادس الهجري/العاشر والثاني عشر الميلادي، أصبحت كابول قاعدة عسكرية مهمة وموقعًا لتجمع الجيوش المتجهة نحو الهند.

وتكشف المصادر أن السلطان مسعود الغزنوي استعرض في كابول سنة 423هـ/1031م نحو 1670 فيلًا حربيًا، في مشهد يعكس أهمية المدينة في إعداد الحملات العسكرية المتجهة شرقًا.

وفي الوقت نفسه، لم تكن كابول مجرد معسكر للجنود؛ فقد احتفظت بوظيفتها التجارية التي فرضها موقعها الجغرافي، وكانت القوافل تمر بها بين مناطق آسيا الوسطى والهند.

ويذكر الجغرافي المسلم اليعقوبي في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي أن التجار كانوا يقصدون كابول، وأن المدينة كانت تصدر بعض المنتجات المحلية إلى مناطق أخرى من العالم الإسلامي.

9VUz92m0FHmg ahVmKAnk TUhOslOfNKr8Wq9hm4betyOIydPZ6FHOuMb6b7xKNUw cGRGgKOSHrgt oOlA9QcKNW7CQCktiAlELAe6TUhJcJI3uOn7WRLYvvXcu56DErrY0cM3FefuZbArzEabJKUB1KRbVv8PLiP0zZu8 LUyYkfzTPXEptL1g1SCGYAQ
البلدة القديمة في كابول .. الأسواق والأحياء التقليدية للمدينة

التيموريون.. بداية التحول العمراني

شهدت كابول مرحلة مهمة في العصر التيموري، خصوصًا في عهد أولوغ بيك، الذي ارتبط اسمه بالعلم والفلك والعمران في العالم التيموري.

وتشير الدراسات الأثرية إلى بقايا منشآت تيمورية في المدينة، كما يُنسب إلى عهد أولوغ بيك إنشاء قناة حملت المياه من نهر لوغر إلى منطقة حدائق كابول.

لكن التحول الأكبر في تاريخ المدينة جاء مع ظهور رجل سيصبح اسمه مرتبطًا بكابول ارتباطًا لا يقل عن ارتباطه بالهند: ظهير الدين محمد بابُر.

بابُر.. الأمير الذي وجد في كابول وطنًا

دخل بابُر كابول سنة 910هـ/1504م، بعد سنوات من الصراع في آسيا الوسطى، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المدينة مركزًا أساسيًا في مشروعه السياسي، ومنها بدأ بناء قوته التي ستقوده لاحقًا إلى الهند.

لم ينظر بابُر إلى كابول باعتبارها مجرد قاعدة عسكرية، فقد أحب طبيعتها ومناخها وحدائقها، ووصف في مذكراته جمال موقعها وتنوع بيئتها بين الجبال والأنهار والسهول.

وتذكر المصادر أن بابُر جعل كابول عاصمة له، وأن المدينة ازدهرت في عهده، كما أقام فيها الحدائق ذات التخطيط الفارسي والتيموري، وهو تقليد سيحمله معه إلى الهند.

ومن هنا أصبحت كابول نقطة الانطلاق الحقيقية نحو تأسيس الإمبراطورية المغولية في الهند.

حدائق بابُر.. عندما تحولت المدينة إلى لوحة عمرانية

كان بابُر شغوفًا بالحدائق، وقد تأثر بحدائق المدن التيمورية في سمرقند وهراة، وفي كابول طبق هذا النموذج على نطاق واضح، فأنشأ الحدائق القائمة على تقسيم الأرض إلى أربعة أقسام، مع قنوات المياه والأشجار والمحاور الهندسية، وهو النمط المعروف بالـ«جهارباغ».

وأصبحت حدائق كابول نموذجًا انتقل لاحقًا إلى الهند، حيث لعبت الحدائق الفارسية والتيمورية دورًا أساسيًا في تشكيل العمارة المغولية.

pSzAYqn 7KjdHaN9Rkc82WOPqa0Kju0kwWQtXfe3veVmbskc8BKCvs7Pi8CKjc79BHSOfcqfkOFKXvq 9lihz4 ZHPPViZqk8LG wlSW5CD3zBqAQPpBZ1J4Cz1UBW4fWR5V9LAplXK5bwCSVE7I3Abh4bEBf6PwlrqhllF7xGqSnrFwfIVcElAY cjCjh6z
باغ بابُر .. الحديقة التي ارتبطت بذاكرة مؤسس الدولة المغولية

قبر بابُر.. نهاية الرحلة في المدينة التي أحبها

توفي بابُر سنة 937هـ/1530م، ودُفن أولًا في أغرا، ثم نُقلت رفاته لاحقًا إلى كابول، المدينة التي ارتبط بها وجدانيًا وسياسيًا.

وفي عهد جهانكير سنة 1016هـ/1607م أُقيمت شواهد رخامية حول قبر بابُر، وأصبح المكان جزءًا من الحديقة التي عرفت باسم «باغ بابُر».

وهكذا أصبحت كابول تحتضن قبر مؤسس الإمبراطورية التي ستصبح بعد عقود واحدة من أعظم القوى السياسية في شبه القارة الهندية.

كابول في الدولة المغولية

بعد انتقال بابُر إلى الهند، لم تفقد كابول أهميتها بالنسبة إلى خلفائه، بل احتفظت بموقعها الاستراتيجي باعتبارها قاعدة متقدمة للإمبراطورية المغولية في مواجهة القوى المنافسة في آسيا الوسطى وإيران، وأصبحت كذلك مقرًا يقصده أفراد الأسرة المغولية خلال فصل الشتاء.

وتشير المصادر إلى أن كابول ازدهرت في عهد المغول، واشتهرت بأسواقها المغطاة وحدائقها، ومن بينها سوق «جهار تشته» الذي أنشأه علي مردان خان في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي.

كما استمر اهتمام الأباطرة بالحدائق، فكان لجهانكير حدائقه المفضلة، بينما أعاد شاه جهان تنظيم عدد من الحدائق والمنشآت في المدينة.

مسجد شاه جهان.. أثر مغولي باقٍ

لم تقتصر آثار المغول في كابول على الحدائق، فمن أبرز ما بقي من ذلك العصر مسجد صغير من الرخام الأبيض بناه شاه جهان تخليدًا لذكرى جده بابُر، بالقرب من مدفنه.

ويُعد المسجد من أفضل الآثار المغولية الباقية في كابول، خصوصًا بعدما تعرضت أجزاء كبيرة من العمارة المغولية القديمة في المدينة للاندثار أو التدمير خلال الصراعات اللاحقة.

9zUqh1w2XrledvRnFH Ih0K7E I3EO ou0h6Dtfti59r gDpQyuq3A2o6JQT5g7pgrC1fL940KrB5Hqzw90IqEFlXInjDfIPYz8MTUW6IBvm7iCiYzzflxuKfnlVfdRvjMElkwiDNxJgyxEZdnzGcjjFl
مسجد شاه جهان في باغ بابُر .. الأثر المغولي الرخامي الباقي في كابول

كابول.. مدينة العلماء والتجار والقوافل

كان ازدهار كابول مرتبطًا دائمًا بموقعها التجاري، فالمدينة تقع على شبكة طرق تصل الهند بآسيا الوسطى، وتربطها بالمناطق الواقعة خلف الممرات الجبلية الأفغانية.

ولهذا كانت الأسواق والخانات والقوافل جزءًا أساسيًا من الحياة الحضرية فيها.

وكانت بنية المدينة الإسلامية التقليدية تقوم حول ثلاثة مراكز رئيسية: المسجد الجامع، والقلعة أو مقر الحكم، والسوق، وهو نمط عمراني كان حاضرًا في المدن الإسلامية الكبرى، ومنها كابول.

وبذلك لم تكن التجارة نشاطًا ثانويًا، بل كانت أحد أسباب بقاء كابول مدينة مؤثرة رغم تغير الدول التي حكمتها.

من المغول إلى عاصمة الدولة الأفغانية

في القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي دخلت كابول مرحلة جديدة تمامًا، فبعد قيام الدولة الدرانية بقيادة أحمد شاه الدراني سنة 1160هـ/1747م، بقيت قندهار مركزًا رئيسيًا في البداية، لكن ابنه تيمور شاه نقل العاصمة إلى كابول سنة 1189هـ/1775م تقريبًا.

ومنذ ذلك الوقت بدأت كابول تتحول من مدينة ذات أهمية استراتيجية وتجارية إلى عاصمة سياسية لدولة أفغانية مستقلة.

وأدى انتقال العاصمة إلى نمو المدينة وازدياد عدد سكانها، وظهور أحياء جديدة وقصور ومبانٍ إدارية ومساجد وأسواق.

كابول في العصر الدراني

مع تحول كابول إلى عاصمة، ظهرت منشآت مرتبطة بالحكم الدراني، كما شهدت المدينة توسعًا في الأسواق والأحياء السكنية، وأصبحت مركز الدولة السياسي والإداري.

وبذلك انتقلت كابول من كونها بوابة إلى الهند إلى كونها عاصمة دولة تقع بين الهند وآسيا الوسطى.

كابول.. مدينة تحمل طبقات من التاريخ الإسلامي

تكمن خصوصية كابول في أن تاريخها الإسلامي لم يرتبط بدولة واحدة، فقد مرت بها مراحل السامانيين والغزنويين والغوريين والتيموريين والمغول، ثم أصبحت عاصمة للدولة الدرانية، قبل أن تدخل في تاريخ أفغانستان الحديث.

وفي كل مرحلة تركت القوى الحاكمة أثرًا على المدينة، لكن أكثر الطبقات التي بقيت واضحة في عمرانها هي الطبقة التيمورية والمغولية والدرانية.

وتبقى «باغ بابُر» من أبرز الشواهد على تلك الذاكرة، لأنها تجمع في مكان واحد بين تاريخ المدينة وتاريخ بابُر وبدايات الإمبراطورية المغولية، وتذكر بأن كابول لم تكن مجرد محطة في طريق الفتح، بل كانت المدينة التي انطلقت منها إحدى أهم التجارب السياسية والعمرانية الإسلامية في جنوب آسيا.

كابول اليوم.. مدينة بين الجبل والذاكرة

رغم ما تعرضت له كابول من حروب وصراعات خلال القرنين الأخيرين، فإن صورتها التاريخية لم تختفِ بالكامل.

ولا تزال بعض الحدائق والمساجد والمعالم المرتبطة بالعصور الإسلامية المختلفة شاهدة على مراحل طويلة من تاريخ المدينة.

وتبقى قيمة كابول التاريخية أكبر من كونها عاصمة أفغانستان، فهي واحدة من المدن التي شكل موقعها الجغرافي مسار التاريخ نفسه، إذ وقفت قرونًا بين عالمين: آسيا الوسطى من جهة، وشبه القارة الهندية من جهة أخرى.

ومن هذه الجغرافيا خرجت القوافل والجيوش، ودخلت الثقافات واللغات والتقاليد العمرانية، حتى أصبحت كابول جزءًا لا يمكن فصله عن تاريخ الإسلام في أفغانستان والهند وآسيا الوسطى.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *