مازال كثير من أبناء أمتنا ينظرون إلى الحروب الدائرة الآن، باعتبارها اعتداءات أو مطامع أو جرائم أو ماشابه، ولم ينتبهوا إلى حقيقتها التي لاريب فيها، وهي أنها حروب عقيدة بامتياز، ولم يتعلموا من دروس الماضي عندما استندت الحروب الصليبية إلى خطاب ديني منح القتال بعدًا مقدسًا، وعندما استخدمت أوروبا خلال القرون الوسطى، نصوص دينية لتبرير اضطهاد جماعات مختلفة.

في 22 ربيع الأول 1445هـ الموافق 7 أكتوبر 2023م، لم تبدأ الحرب على قطاع غزة بالصواريخ وحدها، بل بدأت أيضًا بكلماتٍ حملت دلالات دينية عميقة، فمع الساعات الأولى للهجوم الإسرائيلي، عاد إلى الواجهة مصطلح ظل حبيس النصوص الدينية لقرون طويلة، هو “العماليق”.
لم يكن استدعاء هذا الاسم مجرد استعارة تاريخية، بل تحول سريعًا إلى جزء من الخطاب السياسي والعسكري والإعلامي الإسرائيلي، حتى أصبح أحد أكثر المفاهيم تداولًا في تبرير العمليات العسكرية التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير قطاع غزة.
هذا المفهوم قادته تيارات دينية قومية داخل إسرائيل أعادت إحياء هذه الرواية باعتبارها إطارًا أيديولوجيًا يفسر الصراع ويمنحه بعدًا دينيًا يتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية، وهنا يبرز سؤال بالغ الخطورة: كيف تحولت نصوص كُتبت قبل آلاف السنين إلى مبررات تُستخدم في واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين؟
“العماليق”.. العدو الأبدي في الرواية التوراتية والإنجيلية
يعود ذكر العماليق إلى أسفار متعددة في العهدين القديم والجديد، أبرزها سفر الخروج، وسفر التثنية، وسفر صموئيل الأول، وبحسب الرواية التوراتية، كان العماليق أول شعب واجه بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر، حيث هاجموا مؤخرة الجيش الإسرائيلي واستهدفوا الضعفاء والمتأخرين عن الركب، ولهذا ارتبط اسمهم في الذاكرة الدينية اليهودية بفكرة “العدو الأزلي”.
ويأتي النص الأشهر في سفر التثنية (25: 17-19): اذكر ما فعله بك عماليق تمحو ذكر عماليق من تحت السماء، لا تنس.”
أما في سفر صموئيل الأول (15: 3) فيرد الأمر الأكثر صراحة: اذهب واضرب عماليق، وحرّموا كل ما له، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعًا، بقراً وغنمًا، جملاً وحمارًا.”
ويعد هذا النص من أكثر النصوص إثارة للجدل في الدراسات الدينية المقارنة، لأنه يتضمن أمرًا بإبادة جماعية كاملة تشمل المدنيين والأطفال والحيوانات.
ولهذا السبب ظل محورًا لنقاشات طويلة داخل الفكر اليهودي نفسه حول ما إذا كان يمثل حكمًا تاريخيًا خاصًا بزمان معين، أم أنه يحمل دلالة دائمة.

من التاريخ إلى العقيدة
وبحسب روايات تاريخية كان العماليق قبائل بدوية عاشت في جنوب فلسطين وشبه جزيرة سيناء وشمال الجزيرة العربية خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، لكن بمرور الزمن، لم يعد اسم العماليق يشير إلى شعب بعينه، بل أصبح رمزًا دينيًا لكل من يُنظر إليه باعتباره عدوًا وجوديًا للشعب اليهودي.
وفي الأدبيات الدينية اليهودية اللاحقة، خصوصًا في بعض نصوص التلمود والمدراش، توسع استخدام المصطلح ليشمل شخصيات وأممًا متعددة اعتُبرت امتدادًا رمزيًا للعماليق.
ففي بعض التفسيرات القديمة وُصف هامان -وزير الإمبراطورية الفارسية في سفر أستير- بأنه من نسل العماليق، ولذلك أصبح عيد “البوريم” يحمل في بعض طقوسه رمزية الانتصار على “عماليق”.
وبمرور القرون، لم يعد السؤال: “من هم العماليق؟”، بل أصبح: من يشبه العماليق؟، وهنا بدأ الباب يُفتح أمام إعادة تفسير النصوص بما يتناسب مع كل صراع جديد.
الدولة الحديثة وإحياء النصوص القديمة
عندما تم اعلان مايسمى بـ “دولة إسرائيل” في 14 مايو 1948م، كان المشروع الصهيوني في معظمه ذا طابع قومي علماني، غير أن العقود التالية شهدت صعودًا متزايدًا للتيارات الدينية القومية، خاصة بعد حرب 28 صفر 1387هـ الموافق 5 يونيو 1967م.
واعتبر كثير من الحاخامات أن احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية يمثل تحقيقًا لوعد توراتي، وأن الدولة ليست مجرد كيان سياسي، بل مرحلة في مشروع ديني أكبر، ومنذ ذلك الحين، أصبحت النصوص التوراتية حاضرة في النقاش السياسي بصورة غير مسبوقة، ولم يعد الاستشهاد بها مقتصرًا على المؤسسات الدينية، بل انتقل تدريجيًا إلى الخطاب الرسمي لبعض الساسة وقادة الجيش.

“اذكر ما فعله بك عماليق”
بعد عملية “طوفان الأقصى”، أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتن ياهو إحياء هذا النص بصورة مباشرة، ففي إحدى كلماته الرسمية استشهد بالآية الواردة في سفر التثنية: “اذكر ما فعله بك عماليق.”
ورغم أن نتن ياهو لم يذكر الفلسطينيين بالاسم داخل الاقتباس، فإن الرسالة كانت واضحة بالنسبة إلى جمهوره، خصوصًا في ظل تكرار استخدام مصطلح العماليق داخل الإعلام الإسرائيلي ومنصات التواصل وخطب عدد من الحاخامات.
لذلك فإن استدعاء هذا النص لا يمثل مجرد توظيف ديني، بل يعيد تعريف الحرب نفسها، فبدل أن تكون مواجهة مع تنظيم مسلح أو نزاعًا سياسيًا، تصبح معركة ضد “عدو توراتي” يجب القضاء عليه، وهذا التحول يحمل آثارًا نفسية وسياسية كبيرة، لأنه ينقل الصراع من مساحة التسوية الممكنة إلى مساحة الصراع الوجودي.
عندما يتحول العدو إلى “شر مطلق”
تعتمد الحروب الحديثة عادة على نزع الإنسانية عن الخصم، لكن استخدام مفهوم “العماليق” يمنح هذه العملية بعدًا دينيًا، فالعدو هنا لا يُصور باعتباره خصمًا سياسيًا يمكن التفاوض معه، بل ككيان يمثل الشر نفسه.
وهذا النمط من الخطاب معروف في دراسات الإبادة الجماعية، ففي معظم عمليات الإبادة التاريخية، سبقت المجازر حملات دعائية تصور الضحية باعتبارها أقل إنسانية، أو خطرًا وجوديًا يجب استئصاله.
ولهذا فإن اللغة المستخدمة خلال الحروب ليست مجرد كلمات، بل قد تتحول إلى عنصر من عناصر التحريض إذا اقترنت بأفعال ميدانية.
هل تمثل هذه النصوص اليهودية كلها؟
رغم تصاعد هذا الخطاب، فإن داخل الفكر اليهودي نفسه توجد مدارس واسعة ترفض التعامل الحرفي مع نصوص الإبادة، ويؤكد عدد من الحاخامات والباحثين اليهود أن أوامر القضاء على العماليق كانت مرتبطة بظرف تاريخي محدد، وأنها لا تصلح أساسًا لأي حرب معاصرة، كما يشير بعضهم إلى أن الحاخامات بعد تدمير الهيكل الثاني أكدوا أن هوية العماليق اندثرت، وبالتالي أصبح تنفيذ هذه الأوامر مستحيلاً من الناحية الدينية.
ومع ذلك، فإن صعود التيار الديني القومي داخل إسرائيل منح التفسير الأكثر تشددًا مساحة متزايدة في المجال العام، وهو ما انعكس بصورة واضحة على الخطاب المصاحب للحرب في غزة.
من المعابد إلى ساحات القتال: كيف أصبحت النصوص الدينية جزءًا من العقيدة العسكرية الإسرائيلية؟
لم يعد استدعاء النصوص التوراتية في إسرائيل مقتصرًا على الخطب الدينية أو المناسبات الدينية، بل أصبح خلال العقود الأخيرة جزءًا من المشهد السياسي والعسكري، فمع صعود التيار الديني القومي، انتقلت مفاهيم مثل “أرض الميعاد”، و”الشعب المختار”، و”العماليق” من فضاء العقيدة إلى فضاء القرار، لتؤثر في تشكيل الوعي العام، وفي تبرير السياسات المرتبطة بالحرب والاستيطان.

هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة مسار طويل بدأ بعد حرب الأيام الستة في 28 صفر 1387هـ الموافق 5 يونيو 1967م، حين اعتبر كثير من الحاخامات أن احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية يمثل “علامة إلهية” على بدء تحقيق النبوءات التوراتية، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النقاش حول الحدود أو الأمن وحدهما، بل دخلت النصوص المقدسة بقوة إلى معادلة السياسة.
“الحرب المقدسة”.. مفهوم قديم يعود بثوب جديد
لا تستخدم التوراة تعبير “الحرب المقدسة” بصيغته الاصطلاحية الحديثة، لكنها تقدم روايات عديدة عن معارك خاضها بنو إسرائيل بأوامر مباشرة من الله، وفق التصور التوراتي، ومن أبرز تلك الروايات: حرب أريحا في سفر يشوع، حيث سقطت المدينة بعد الطواف حول أسوارها سبعة أيام، والحروب ضد الكنعانيين، والحرب ضد المديانيين في سفر العدد (الإصحاح 31)، والحرب ضد العماليق في سفر صموئيل الأول.
في هذه النصوص، لا تُعرض الحرب باعتبارها خيارًا سياسيًا، وإنما تكليفًا دينيًا، ويُستخدم مصطلح “الحِرْم” للدلالة على تخصيص مدينة أو شعب لله عبر إبادته بالكامل، وقد أثار مفهوم “الحرم” جدلًا واسعًا بين علماء اللاهوت اليهود والنصارى ، لأنه يتضمن أوامر بقتل جميع السكان وعدم الإبقاء على الرجال أو النساء أو الأطفال أو حتى الحيوانات في بعض الوقائع الواردة في النصوص القديمة.
وفي ظل مانشهده من اعتداءات نرى بالدليل الواضح أنه لا يزال يتم التعامل مع تلك النصوص باعتبارها أحكامًا قابلة للاستدعاء.
التلمود بين القانون الديني والتأويل السياسي
إلى جانب التوراة، يحتل التلمود مكانة مركزية في الفكر الديني اليهودي، وهو ليس كتابًا واحدًا، بل موسوعة ضخمة تضم مناقشات فقهية وتفسيرات وتعليقات للحاخامات على مدى قرون، وفيما يتعلق بالحروب، يميز التلمود بين نوعين رئيسيين:
أولًا: حرب الفريضة ، وهي الحرب التي تُعد واجبًا دينيًا، مثل الدفاع عن الشعب أو تنفيذ أوامر وردت في النصوص المقدسة.
ثانيًا: حرب الاختيار ، وهي الحروب التي تحتاج إلى موافقة السلطات الدينية والسياسية، ولا تُعد واجبًا شرعيًا بحد ذاتها.
هذا التمييز ظل لقرون نقاشًا فقهيًا نظريًا، إلا أن بعض التيارات الصهيونية الدينية أعادت توظيفه في العصر الحديث، معتبرة أن الصراع مع الفلسطينيين يدخل في إطار “حرب الفريضة” لحماية أرض إسرائيل، وهو تفسير لا يحظى بإجماع داخل المؤسسة الدينية اليهودية.

الصهيونية الدينية.. حين التقت العقيدة بالدولة
عند نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، كانت قياداتها الرئيسية ذات توجهات علمانية، ولم تكن تنطلق من دوافع دينية بالأساس، لكن المشهد تغير تدريجيًا بعد قيام إسرائيل، ثم بصورة أكبر بعد حرب 1967م، حيث برزت آنذاك حركة “غوش إيمونيم” (كتلة المؤمنين)، التي تأسست بعد حرب رمضان/أكتوبر في 10 رمضان 1393هـ الموافق 6 أكتوبر 1973م، ودعت إلى اعتبار الاستيطان في الضفة الغربية والقدس واجبًا دينيًا لا يجوز التراجع عنه.
اعتمدت الحركة على تفسيرات الحاخام أبراهام إسحاق كوك وابنه تسفي يهودا كوك، اللذين اعتبرا أن استعادة الأراضي التوراتية تمثل مرحلة من مراحل الخلاص الإلهي، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت العلاقة بين الدين والسياسة أكثر تشابكًا، خصوصًا داخل الأحزاب اليمينية الدينية.

وقد وثقت منظمات دولية في مناسبات مختلفة توزيع منشورات دينية على جنود قبل العمليات العسكرية، تتضمن اقتباسات توراتية عن الحرب والقتال، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا داخل المجتمع الإسرائيلي حول حدود التداخل بين المؤسسة العسكرية والخطاب الديني.
الحاخامات سلطة موازية للقرار السياسي
لا يقتصر تأثير الحاخامات على الإفتاء في القضايا الدينية، بل يمتد أحيانًا إلى المجال السياسي والعسكري، ففي كل جولة تصعيد تقريبًا، تصدر تصريحات من بعض الحاخامات تصف الحرب بأنها “معركة بين الخير والشر”، أو تربط الخصوم بأعداء بني إسرائيل في النصوص القديمة.
وخلال الحرب على غزة انتشرت تسجيلات وخطب لعدد من رجال الدين المتشددين استخدموا فيها تعبيرات مثل “العماليق” و”الإبادة التوراتية”، ما يعكس حجم النفوذ الذي اكتسبته التيارات الدينية القومية خلال السنوات الأخيرة.
من التعليم إلى الإعلام إعادة إنتاج الرواية
لا تُبنى السرديات الكبرى في ساحات القتال فقط، وإنما داخل المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، حيث يشير متخصصون في الدراسات الإسرائيلية إلى أن المناهج الدراسية في بعض المدارس الدينية تقدم روايات العهد القديم باعتبارها جزءًا من الهوية القومية الحديثة، مع التركيز على فكرة “استعادة الأرض” و”الاستمرار التاريخي” بين إسرائيل القديمة والدولة الحالية.
وفي الإعلام اليميني، تُستخدم هذه المرجعيات بصورة متكررة لتفسير الصراع مع الفلسطينيين، بما يعزز النظرة إلى النزاع باعتباره صراعًا حضاريًا ودينيًا، وليس مجرد نزاع سياسي على الأرض.
كما لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا في تسريع انتشار هذا الخطاب، حيث أُعيد تداول آيات توراتية وصور ومقاطع مصورة تربط بين الحرب الحالية والروايات القديمة، بما منحها حضورًا واسعًا داخل الرأي العام الإسرائيلي.
حين تتحول الحرب إلى عقيدة
إن أخطر ما يترتب على توظيف اليهود والنصارى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للنصوص الدينية في الحروب هو تحويل الخصم إلى قضية عقائدية، فالخصم السياسي يمكن التفاوض معه، أما الخصم الذي يُقدَّم بوصفه “عدوًا لله”، فإن أي تسوية معه قد تُصوَّر باعتبارها خيانة للعقيدة.
ولذلك، فإن الخطاب الديني المتشدد عندهم لا يبرر العنف فحسب، بل يطيل أمد الصراع أيضًا، لأنه يُخرج النزاع من دائرة الحلول السياسية إلى دائرة الصراع الوجودي.
ومن هنا، يصبح استدعاء قصة “العماليق” أكثر من مجرد استعارة دينية؛ إذ يتحول إلى إطار ذهني يُعيد تشكيل نظرة المجتمع إلى الحرب، ويؤثر في طبيعة القرارات العسكرية، وفي استعداد الرأي العام لتقبل مستويات أعلى من العنف.
ولذلك، إذا كان استدعاء قصة “العماليق” قد بدأ بوصفه خطابًا دينيًا، فإن السؤال الأكثر أهمية هو: هل بقي مجرد خطاب؟ أم أنه انعكس على طبيعة الحرب نفسها؟
ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة ، لم يعد الحديث عن “العماليق” حالة معزولة، بل أصبح جزءًا من خطاب أوسع استدعى مفاهيم دينية وتوراتية بصورة غير مسبوقة، في وقت كانت فيه العمليات العسكرية تتسبب في دمار هائل وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
وفي دراسات الإبادة الجماعية، يلفت الباحثون إلى أن معظم الجرائم الجماعية لم تبدأ بالقتل، وإنما بدأت باللغة، فاللغة التي تُجرد الإنسان من إنسانيته، وتحوّله إلى “شر مطلق” أو “عدو أبدي”، تُسهِّل تقبّل العنف ضده.
وقد شهد التاريخ الحديث نماذج عديدة لذلك، ففي إبادة رواندا سنة 1414هـ الموافق 1994م، لعبت إذاعة “راديو الألف تلة” دورًا في التحريض على قتل التوتسي، بعدما وصفتهم بـ”الصراصير”.
وفي حروب البلقان خلال عقد التسعينيات، سبق عمليات التطهير العرقي خطاب قومي وديني صوّر الآخر باعتباره تهديدًا وجوديًا.
“العماليق” في ملف جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية
عندما رفعت جنوب أفريقيا دعواها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في 21 جمادى الآخرة 1445هـ الموافق 29 ديسمبر الأول 2023م، لم تعتمد على الوقائع العسكرية وحدها، بل استشهدت أيضًا بعدد من التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، معتبرة أنها قد تُفهم بوصفها تحريضًا على الإبادة أو دلالة على وجود خطاب ينزع الإنسانية عن الفلسطينيين.
وكان من بين ما أثير في النقاشات القانونية الاستشهاد المتكرر بقصة “العماليق”، باعتبارها مثالًا على استخدام مرجعيات دينية في توصيف الخصم.
ولم تحسم المحكمة في تلك المرحلة الوقائع النهائية المتعلقة بالإبادة، لكنها أصدرت في 16 رجب 1445هـ الموافق 26 يناير الثاني 2024م تدابير مؤقتة، أكدت فيها ضرورة اتخاذ إجراءات لمنع أي أفعال قد تندرج ضمن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، مع التشديد على منع التحريض المباشر والعلني على ارتكابها.
وهنا اكتسب الخطاب الديني بعدًا قانونيًا، بعدما أصبح جزءًا من النقاش أمام أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة.
من الرواية التوراتية إلى الخطاب السياسي
استدعاء النصوص الدينية في الحروب ليس جديدًا على التاريخ الإنساني، فالحروب الصليبية، التي بدأت في 488هـ الموافق 1095م، استندت إلى خطاب ديني منح القتال بعدًا مقدسًا، وفي أوروبا خلال القرون الوسطى، استُخدمت نصوص دينية لتبرير اضطهاد جماعات مختلفة.
لكن خصوصية الحالة الإسرائيلية تكمن في أن النصوص التوراتية تُستدعى داخل دولة حديثة تمتلك جيشًا نظاميًا، ومؤسسات دستورية، وعلاقات دولية، ما يجعل تأثير هذا الخطاب مختلفًا عن تأثيره في المجتمعات القديمة.
فحين يقتبس مسؤول سياسي نصًا دينيًا يتحدث عن “محو” عدو تاريخي، بالتزامن مع حرب دائرة، فإن الرسالة تتجاوز البعد الرمزي، حتى لو أكد بعض المدافعين أنها مجرد استعارة.
هل تمثل هذه القراءة اليهودية؟
داخل اليهودية نفسها، توجد مدارس فكرية متعددة، ولا يوجد إجماع على القراءة الحرفية لنصوص الحروب. الحاخام والفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون (ابن ميمون)، الذي عاش بين 532-601هـ الموافق 1138-1204م، وضع شروطًا صارمة للحروب، من بينها دعوة الخصم إلى السلام قبل القتال، وهو ما اعتبره عدد من الباحثين محاولة لتقييد استخدام القوة، كما يرى كثير من الحاخامات المعاصرين أن أوامر القضاء على العماليق فقدت موضوعها التاريخي، لأن هوية تلك القبيلة لم تعد معروفة منذ قرون، وبالتالي لا يمكن إسقاطها على أي شعب معاصر.
بل إن حاخامات من التيار الإصلاحي والمحافظ، إضافة إلى أكاديميين يهود في إسرائيل وخارجها، انتقدوا بشدة استدعاء هذه النصوص في سياق الحرب على غزة، معتبرين أن ذلك يمثل إساءة للتراث الديني، ويحوّل الدين إلى أداة تعبئة سياسية.
وفي المقابل، تتمسك تيارات دينية قومية متشددة بقراءة مختلفة، ترى أن مفهوم “العماليق” ليس اسمًا لقبيلة اندثرت، بل رمزًا لكل من يسعى إلى القضاء على اليهود، وهو التأويل الذي يثير الجدل داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ما بين التاريخ والعقيدة
يكشف تتبع النصوص التوراتية، وتفسيراتها، وطريقة استدعائها في الخطاب الإسرائيلي المعاصر، أن القضية لا تتعلق بمجرد اقتباسات دينية، بل ببنية فكرية متكاملة ترى في بعض الروايات القديمة إطارًا لتفسير الصراع الحديث.
ولهذا، فإن حضورها المتزايد في خطاب بعض الساسة والحاخامات، بالتزامن مع واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ المنطقة، يجعلها موضع اهتمام قانوني وأكاديمي وأخلاقي واسع.






اترك تعليقاً