تجد الجماعات الساعية إلى التحوّل إلى حركات تمرد في الدعم المُقَدَّم من دول أخرى عدة مزايا.
ومن أهم أشكال المساعدة التي يُمكن أن تُقدّمها دولة للمتمردين المحتملين توفير ملاذ آمن.
فخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تمكّن الشيعة العراقيون، على سبيل المثال، من تنظيم أنفسهم وتلقّي تدريب عسكري أساسي في إيران، وهي أنشطة كانت مستحيلة في العراق في ظل نظام صدام حسين.
كما يمكن أن توفر مخيمات اللاجئين أيضًا ملاذات آمنة، وهو ما يتطلب عادةً دعم الدولة المضيفة، أو على الأقل موافقتها. وقد تُثبت مخيمات اللاجئين التي أنشأتها المنظمات الدولية أنها ملاذات يصعب على القوات الحكومية مهاجمتها سياسيًا. في مثل هذه الحالات، يُحتمل أن تصبح المخيمات أماكن آمنة لعائلات المقاتلين، وقواعد آمنة للتنظيم، ومصادر للغذاء والمأوى للمقاتلين.
عادةً ما يجعل تلقي دعم من دولة ما الجماعة المتمردة الناشئة أكثر اقتدارا، مما يُمكِّنها من مقاومة حملات مكافحة الإرهاب التي تشنها الحكومة التي تحاربها، وبالتالي يصبح لديها القدرة لشن المزيد من الهجمات أو الانخراط في التعبئة السياسية.
الكثير من الأفراد المنتمون للجماعات الصغيرة التي تسعى للتحول لحركة تمرد، لديهم دوافع قوية لما يقومون به؛ لكنهم يرتكبون أخطاء ساذجة، مثل السماح لعدد كبير جدا من الناس بمعرفة خططها، أو التحدث بحرية عبر الهاتف.
علّمت إيران وكلاءها تقنيات أمنية عملياتية مهمة، مكّنتهم من الاختباء بشكل أفضل من الحكومات التي يعارضها كلاهما. ومن الجماعات الأخرى، ما يعانون ببساطة من نقص في المال والمعدات.
ومن الأمثلة على ذلك، دعمت ليبيا الجيش الجمهوري الأيرلندي المؤقت (PIRA) بالأسلحة، وكمية هائلة من مادة السيمتكس (semtex) البلاستيكية المتفجرة؛ وهو ما شكَّل تقدما تكتيكيا لحركة لطالما كافحت للحصول على الأسلحة والمتفجرات.
ولكن عادة يكون الأثر الأكبر للدولة الداعمة، هو عرقلة حملة مكافحة الإرهاب التي تشنها الحكومة التي يقاتلها المتمردون ضدهم.
يمكن للدعم أن يساعد حركة تمرد ناشئة على التحمل طويل المدى، وهو عامل لا غنى عنه لنجاح المتمردين؛ كما أشار بروس هوفمان في كتابه ((داخل الإرهاب))، ينتصر الإرهابيون بعدم الانهزام.
وعندما تتمتع جماعة بملاذ آمن ودعم تنظيمي من دولة أجنبية، يصعب التخلص منها بضربة قاضية.
وكثيرا ما يقطن القائد في دولة أجنبية، مما يجعل اعتقال عناصر الجماعة في ساحة الصراع، بذاته، غير مؤد لاعتقال القائد نفسه.
على سبيل المثال، لطالما أثخنت قوات الأمن التركية والجيش التركي في كوادر حزب العمال الكردستاني (PKK) وحققت نجاحات عملياتية كبيرة.
ولكن إقامة قائد الPKK، عبد الله أوجلان، في سوريا، مكنته من توجيه العمليات وأن يُشَكِّل نقطة ارتكاز يلتف حولها التنظيم.
إقامة قيادات أخرى من الPKK بالخارج، مكَّن الجماعة من البقاء متماسكا من التماسك الداخلي، حيث أن معظم الدول تفضل أن تنأى بنفسها عن التصادمات الدولية، التي قد يجرها اتخاذ تدابير عسكرية، أو شن حملات اعتقال ضد قادة التمردات الناشئة.
كما يساعد الدعم المجموعات على التغلب على الصعوبات اللوجستية، وهي أحد أهم التحديات التي تواجههم.
الكثير من حركات التمرد يدعمها مجموعة من الأفراد الذين يأتون بالمؤن، ويوفرون التدريب العسكري، ويزورون المستندات، ويتولون توفير القواعد الآمنة، ويعتنون بأسر النشطاء الذين يموتون أو يتم اعتقالهم.
يُمكن الاضطلاع بالكثير من هذه الأعمال على أرض الداعم الأجنبي، مما يُصعِّب منعها من جهة الحكومة التي يقاتلها المتمردون.
كما أن دعم دولة لحركة تمرد ناشئة يعيق جمع المعلومات الاستخباراتية.
فعندما تكون الجماعة صغيرة، يكون شكل حمايتها الأساسي – أو ربما الوحيد – هو السرية.
وإذا تم الكشف عن أسماء أعضاء الجماعة وأماكن وجودهم، فغالبًا ما تتمكن قوات أمن النظام من اعتقالهم أو قتلهم بسرعة. وبشكل عام، من الأسهل بكثير زرع جواسيس ومخبرين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.
بعد حرب 1967، أنشأ جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي شبكة تضم آلاف المخبرين في جميع أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة، مما مكّن إسرائيل من إحباط العديد من الهجمات الإرهابية ومنع تشكيل الجماعات المعادية لإسرائيل من الأساس.
في المقابل، لم تُحقق جهود إسرائيل نجاحًا يُذكر في لبنان عندما احتلت أراضيه بعد غزوها عام ١٩٨٢. تمثلت إحدى المشكلات الرئيسية لإسرائيل في أنها لم تُسيطر على الأراضي اللبنانية بنفس الطريقة التي سيطرت بها على الضفة الغربية وقطاع غزة. ونتيجة لذلك، امتلك حزب الله معلومات استخباراتية محلية أفضل بكثير مما كان لدى الإسرائيليين، وتمكن فعليًا من إجبار أو ترهيب الشيعة الذين ربما لم يكونوا ليدعموا جهوده لولا ذلك.
تُصبح جهود الحكومة المناوئة للجماعة المتمردة الناشئة لنزع الشرعية عنها شبه مستحيلة إذا كانت الجماعة مدعومة من دولة أخرى.
وكما ذُكر أعلاه، فقد حظيت منظمة التحرير الفلسطينية (PLO) باعتراف واسع النطاق كحكومة بحكم الأمر الواقع في سبعينيات القرن الماضي، على الرغم من النجاح المحدود لعملياتها ضد إسرائيل.
حتى تلك الحكومات التي لم تدعم منظمة التحرير الفلسطينية خشيت أن يؤدي رفض القضية، أو التقارب الشديد معها إلى إغضاب الدول العربية الداعمة للمنظمة، وهو ثمن لن يدفعه إلا القليل.
لا يشترط أن يكون الدعم واسع النطاق كما كان الحال مع منظمة التحرير الفلسطينية. قد يهتم الأتباع المحتملون لجماعة ما برأي عدد قليل من الدول الداعمة أكثر من اهتمامهم برأي “المجتمع الدولي”. فعلى سبيل المثال، كان الشيعة اللبنانيون يهتمون برأي الحكومة الشيعية الثورية في إيران، أكثر من اهتمامهم برأي القوى الغربية الكبرى في العالم.
[لكن] كثيرا ما تتدفق مغانم دعم الدول من منبع مسموم.
حتى أكثر الدول سخاءا في دعمها، وأكثرها تعاطفا مع المتمردين على الصعيد الأيديولوجي، لديها سياساتها الداخلية ومصالحها القومية الخاصة، مما يجعل اعتناقها الكلي لأجندات حركات التمرد الناشئة أمرا مستبعدا.
كما أن الكثير من الدول تنظر إلى الإرهابيين والمتمردين المبتدئين كوكلاء يمكن التخلص منهم إذا لزم الأمر.
أحد أكبر مغارم تلقي الدعم هو تقلص مساحة حرية الحركة لدى القوة المتمردة الصاعدة.
فالدول الداعمة كثيرا ما تكبح جماح وكلائها، آملة أن تستخدمهم لاستنزاف خصومها، أو للإبقاء على جذوة صراع مشتعلة، مع عدم الرغبة في المخاطرة بتصعيد قد يؤدي إلى اندلاع حرب.
ونادرا ما تقدم الدول الدعم للتمردات الناشئة عندما تتمتع بالتفوق العسكري على خصمها.
بالإضافة أن الدول أحيانا تستخدم الإرهابيين للردع؛ حيث تحرص على بقائهم أقوياء، مع احتواء عنفهم.
كما أن الكثير من الدول لا تثق في وكلائها [السابقين]، خشية أن ينقلب عليها تحالف المصالح الذي جمعهم.
ومن الإشكاليات العميقة، تقويض شرعية الجماعة المتمردة؛ حيث أن الكثير من حركات التمرد الناشئة تقاتل باسم التحرير، الوطني أو الديني.
مجاهدي خلق، جماعة إرهابية تعارض نظام الملالي في طهران، فقدت شرعيتها عندما بدأت تشن عملياتها من العراق خلال الحرب الإيرانية – العراقية.
ويجادل الصحفي ويلفرايد بوكتا، صاحب كتاب ((من يحكم إيران؟))، بأن سبب نبذ الحركة من قِبل الغالبية العظمى من الإيرانيين داخل وخارج البلاد، هو دعمها لبغداد خلال الحرب الإيرانية – العراقية واستمرار دعمها لصدام.
ولأن القومية أداة تعبئة قوية، فإن المجموعات التي تسمح للحكومات بلعب هذه الورقة تخسر ميزة هائلة. وتريد الدول التي تقدم الدعم أيضًا أن تكون المجموعات محدودة في نطاقها وقوتها، لأن تقوية هذه الجماعات بما يزيد عن حد معين من شأنه أن يهدد سيطرة الداعم على القضية.
ودعمت باكستان المنافسين الإسلاميين لجبهة تحرير جامو وكشمير على، الرغم من أن جبهة تحرير جامو وكشمير كانت أقوى في البداية، لأن إسلام أباد لم تدعم أجندة جبهة تحرير جامو وكشمير.
ودعمت سوريا العديد من المنافسين الفلسطينيين لقيادة ياسر عرفات لمنظمة التحرير الفلسطينية، مفضلة وجود وكلاء ضعفاء تحت سيطرة دمشق على حركة أقوى ولكن أكثر استقلالية.
وفي بعض الأحيان، قد تقوم الدولة باتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعة العنيفة التي كانت تدعمها ذات يوم، فيتحول الملاذ إلى سجن.
على سبيل المثال، كانت منظمة أبو نضال تتمتع بملاذ في ليبيا حتى إخراجها منها عام 1999. ومع ذلك، في السنوات القليلة الماضية، شن القذافي حملة قمع ومنعتها من القيام بعمليات قد تضر بمحاولاته للتقارب مع الولايات المتحدة.
وقد يؤدي دعم الدولة في بعض الأحيان إلى إضعاف عمليات حركة التمرد الناشئة، وخفوت بريقها.
فتلقي الدعم يعرقل العملية التطورية التي يمر بها المتمردون الناجحون، من تعلم كيفية التهرب أو التغلب على ردود أفعال الحكومة التي يحاربونها.
كثيرا ما كان يسخر مسؤولو الأمن في بريطانيا من حركة PIRA عند تقييم عملياتها، والتي كان يفشل الكثير منها بسبب الأخطاء ونقص التدريب.
لكن مع مرور الوقت، أصبحت بيرا أكثر فتكا، وكانت واحدة من الجماعات الإرهابية الأكثر مهارة في العالم. ولو كانت اعتمدت بشكل كبير على الدعم، ربما كانت ستفوتها فرصة تعلم المهارات التشغيلية اللازمة لتحقيق النجاح.
ولعل الأمر الأكثر أهمية هو أن رعاية دولة ما لجماعة، يمكن أن يؤدي إلى اغترابها عن حاضنتها الشعبية -والتي تتكون من الأشخاص الذين يسعى المتمردون إلى تولي قيادتهم في نهاية المطاف.
فقد تطور الجماعة المتمردة الناشئة استراتيجية سياسية وعسكرية تنفر الناس، وتخفض من احتمالات دعمهم لها على المدى الطويل.
مُستل من دراسة ((فهم التمردات الناشئة)) لدانيال بايمان المنشورة عام ٢٠٠٧م من قِبل مركز راند.
Understanding Proto-Insurgencies, Daniel Byman




اترك تعليقاً