لم تكن الكلمات التي أطلقها رئيس المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو، النقيب إبراهيم تراوري، مجرد تصريحات عابرة في خطاب سياسي، فقد جاءت كإعلان عن تحول عميق في طريقة تعامل السلطة مع الدين، والتعليم، والذاكرة التاريخية، والعلاقات الخارجية في آن واحد.
في غضون أيام قليلة، انتقلت بوركينا فاسو من دولة يُنظر إليها باعتبارها إحدى أكثر دول غرب أفريقيا ارتباطًا بالمؤسسات الإسلامية التقليدية، إلى ساحة سجال واسع بعد أن اتهم رئيسها بعض الدول العربية بإعداد مئات الطلاب البوركينيين لدراسة الشريعة الإسلامية تمهيدًا لتطبيقها داخل البلاد، قبل أن يضيف اتهامًا أكثر حساسية حين قال إن أفريقيا تعرضت لأكثر من 1000 عام من العبودية على يد العرب.
التصريحات أثارت غضبًا واسعًا في الأوساط العربية والإسلامية، لكنها في الداخل البوركيني بدت جزءًا من مشروع سياسي يضع الدين والتعليم الخارجي تحت رقابة الدولة.

من خطاب أمني إلى معركة هوية
في السنوات الأخيرة تحولت بوركينا فاسو إلى واحدة من أكثر دول الساحل الأفريقي تعرضًا لهجمات الجماعات المسلحة، حيث فقدت الحكومة السيطرة على مساحات واسعة من البلاد، بينما أصبحت الانقلابات العسكرية عنوانًا للمشهد السياسي.
وسط هذه البيئة المضطربة، صعد إبراهيم تراوري إلى السلطة عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالعقيد بول هنري داميبا في ربيع الأول 1444هـ / سبتمبر 2022م، مستندًا إلى وعود بإعادة الأمن واستعادة الدولة.
لكن ما بدأ باعتباره مشروعًا عسكريًا لمواجهة الجماعات المسلحة، أخذ تدريجيًا منحى مختلفًا، إذ توسع ليشمل إعادة تنظيم المجال الديني نفسه، حيث وجه الرئيس البوركيني سهام النقد إلى منظومة التعليم الديني في الخارج، معتبرًا أن مئات الطلاب الذين يدرسون الشريعة الإسلامية في دول عربية لا يعودون إلى بلادهم بمهارات علمية أو تقنية، وإنما بأفكار قد تُستخدم – بحسب رؤيته – لإقامة نظام ديني لا يتوافق مع طبيعة الدولة.
هذا التصور يعكس تحولًا لافتًا في تعريف مصادر التهديد، إذ لم تعد الجماعات المسلحة وحدها محل اهتمام السلطة، بل أصبحت المؤسسات التعليمية الخارجية نفسها جزءًا من الحسابات الأمنية.
الطلاب في قلب المواجهة
اللافت في خطاب تراوري أنه لم يناقش مضمون التعليم الديني من زاوية فكرية، وإنما من زاوية تتعلق بأولويات التنمية، فالرئيس تساءل علنًا عن جدوى ابتعاث الشباب لدراسة الفقه والقانون الإسلامي في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مهندسين وأطباء وخبراء تكنولوجيا وتقنيين.
وبالتزامن مع هذا الخطاب، شددت الحكومة إجراءات الابتعاث الخارجي، فأصدرت توجيهات تلزم الراغبين في الدراسة خارج البلاد بالحصول على موافقة مسبقة من وزارة التعليم العالي، لضمان توافق التخصصات مع احتياجات الدولة.
بهذا القرار، انتقلت قضية المنح الدراسية من ملف أكاديمي إلى ملف سيادي يخضع لمعادلات أمنية تقيد حرية التعليم والانفتاح العلمي.
قانون جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والدين
لم تأت تصريحات تراوري بمعزل عن سلسلة إجراءات تشريعية اتخذتها السلطة خلال الأشهر الماضية، ففي ذو الحجة 1446هـ / يونيو 2025م، صادق البرلمان الانتقالي بالإجماع على قانون جديد للحريات الدينية، قالت الحكومة إنه يهدف إلى حماية الطابع العلماني للدولة، ومواجهة الممارسات التي تستغل الدين لتحقيق مكاسب سياسية أو مالية.
ويتضمن القانون عقوبات على ممارسات وصفتها السلطات بأنها تمثل تجاوزات، مثل استغلال الأطفال في التسول باسم المؤسسات الدينية، وغياب الشفافية المالية لدى بعض الهيئات الدينية.
لكن معارضي القانون رأوا فيه بداية مرحلة جديدة من التضييق على المؤسسات الإسلامية، خصوصًا بعد اعتراض عدد من الأئمة والعلماء عليه.
من الخلاف إلى الاعتقالات
سرعان ما خرج الخلاف من إطار النقاش القانوني إلى المواجهة الميدانية، فبعد انتقاد الإمام محمد إشاق كيندو لمشروع القانون، اعتقلته السلطات في ذو القعدة 1446هـ / مايو 2025م، الأمر الذي أثار احتجاجات بين أنصاره.
ومع اتساع الاحتجاجات، أغلقت السلطات أحد أكبر المساجد السنية في العاصمة واغادوغو، مبررة القرار بالحفاظ على النظام العام.
كما نقلت تقارير عن إخضاع عشرات المحتجين لما وصفته الحكومة ببرامج “التدريب المدني”، بينما بقي مصير بعض الشخصيات الدينية محل تساؤلات لدى منظمات بحثية ومراقبين.
وقبل ذلك بأسابيع، اعتُقل الإمام محمود بارو في مدينة بوبو ديولاسو في ظروف مشابهة، بما عزز الانطباع بأن العلاقة بين السلطة وبعض الأوساط الإسلامية دخلت مرحلة غير مسبوقة من التوتر.
هل فقد تراوري حلفاءه؟
المفارقة أن إبراهيم تراوري كان يُنظر إليه في بداية حكمه باعتباره قريبًا من كثير من الأوساط الإسلامية المحافظة، التي رأت فيه قائدًا يتبنى خطابًا مناهضًا للنفوذ الأجنبي ومدافعًا عن السيادة الوطنية، لكن هذا التقارب بدأ يتآكل تدريجيًا مع توسع تدخل الدولة في الشأن الديني.
ورغم أن الحكومة كانت تعتمد على ما يشبه “العقد غير المعلن” مع المؤسسات الإسلامية، يقوم على تبادل الدعم والاستقرار، إلا أن هذا التوازن بدأ ينهار مع انتقال السلطة إلى مرحلة أكثر تشددًا في ضبط المجال الديني.
وهكذا، لم يعد الصدام يدور فقط مع الجماعات المسلحة، بل امتد ليشمل شخصيات دينية كانت حتى وقت قريب جزءًا من الحاضنة الشعبية التي استند إليها النظام في سنواته الأولى.
إذا كانت تصريحات إبراهيم تراوري بشأن طلاب الشريعة قد أثارت جدلًا واسعًا، فإن حديثه عن التاريخ فتح بابًا أكثر جدلا ، بعدما اعتبر أن أفريقيا عاشت “أكثر من ألف عام من العبودية على يد العرب”.
لم يكن هذا الطرح مجرد استدعاء لصفحة تاريخية، بل بدا محاولة لإعادة صياغة الذاكرة الجماعية في إطار مشروع سياسي جديد، يجعل من الماضي أداة لتفسير الحاضر، ومن التاريخ وسيلة لبناء خطاب سيادي يلتف حوله الداخل.
هذه الرواية، قوبلت بانتقادات واسعة من مؤرخين وباحثين رأوا أنها مغلوطة وفيها تعمد لتشويه الأبعاد الحضارية والثقافية والدينية .
هل اختُزل التاريخ في اتهام جماعي؟
إن العلاقة العربية الأفريقية لا يمكن قراءتها بمنطق الأبيض والأسود، فالتاريخ شهد بالفعل وجود تجارة للرقيق شاركت فيها أطراف متعددة، عربية وأفريقية وأوروبية، لكن تاريخ الإسلام في القارة مليء بالنقاط المضيئة ، حيث وصل إلى مناطق واسعة من غرب أفريقيا عبر القوافل التجارية والعلماء ، قبل قرون من الاحتلال الأوروبي، وتحولت مدن مثل تمبكتو وجني وغاو إلى مراكز علمية يقصدها طلاب المعرفة من أنحاء مختلفة من القارة، وأسهم العلماء الأفارقة أنفسهم في نشر الثقافة الإسلامية وتأليف مئات الكتب في الفقه واللغة والعلوم.
ومن ثم، فإن تصوير العلاقة على أنها تاريخ ممتد من الاستعباد وحده، يحوّل التاريخ إلى أداة لإنتاج خصومة حضارية جديدة، بدلًا من قراءته في سياقه المركب.
الأمن أولًا.. حتى لو اصطدم بالدين
بعيدًا عن الجدل التاريخي، تبدو تصريحات تراوري مرتبطة قبل كل شيء بعقيدة أمنية جديدة تتشكل داخل الدولة البوركينية، فالبلاد تخوض منذ سنوات حربًا مفتوحة ضد جماعات مسلحة ، وفي ظل هذا المشهد، أصبحت الحكومة تنظر إلى كل الملفات من زاوية الأمن، بما في ذلك التعليم، والعمل الدعوي، والبعثات الخارجية، وخطاب الأئمة.
المفارقة أن النموذج الذي يطرحه تراوري، والقائم على إعطاء الأولوية للعلوم التطبيقية، لا يتعارض في جوهره مع التجربة التاريخية للحضارة الإسلامية نفسها.
ففي ذروة ازدهارها، لم تفصل الحضارة الإسلامية بين علوم الدين وعلوم الدنيا، بل خرج من مدارسها علماء جمعوا بين الفقه والرياضيات، وبين الفلسفة والطب، وبين الشريعة والفلك والهندسة.
ويكفي أن نتأمل إرث ابن الهيثم في البصريات، وابن سينا في الطب، والخوارزمي في الرياضيات، وابن رشد في الفلسفة والفقه، لندرك أن بناء الحضارة الإسلامية قام على التكامل بين المعرفة الدينية والعلوم التطبيقية، لا على التعارض بينهما.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تقليص دراسة العلوم الشرعية، وإنما في بناء منظومة تعليمية متوازنة، تخرج فقيهًا يدرك تحديات عصره، ومهندسًا يحمل منظومة أخلاقية، وطبيبًا يجمع بين الكفاءة المهنية والمسؤولية الإنسانية.
خيط يهودي في المشهد
وبينما كانت الأزمة مع المؤسسات الدينية تتصاعد داخليًا، شهدت السياسة الخارجية لبوركينا فاسو تطورًا لافتًا باستقبال السفير الإسرائيلي الجديد وتسلمه أوراق اعتماده رسميًا، بعد فترة من التأجيل والغموض.

وتزامنت هذه الخطوة مع تحركات إسرائيلية متزايدة في منطقة الساحل، حيث تسعى إلى توسيع حضورها الدبلوماسي والأمني في غرب أفريقيا، مستفيدة من التحولات السياسية التي أعقبت سلسلة الانقلابات العسكرية في المنطقة.
ورغم أن السلطات البوركينية لم تربط رسميًا بين هذا التقارب وبين سياساتها الداخلية، فإن توقيت الحدث أثار تساؤلات حول طبيعة التحولات التي تشهدها البلاد، خصوصًا مع سعي الحكومة إلى تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية بعيدًا عن الأطر التقليدية.
أصغر رئيس.. وأكبر اختبار
ولد إبراهيم تراوري في شعبان 1408هـ / مارس 1988م، ويعد أصغر رئيس دولة في العالم، وانضم إلى الجيش عام 1430هـ / 2009م، ثم خدم ضمن بعثة الأمم المتحدة في مالي، قبل أن يبرز اسمه خلال العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، وصولًا إلى قيادته الانقلاب الذي أوصله إلى السلطة.
ومنذ ذلك الحين، أعاد تشكيل تحالفات بلاده الإقليمية، معززًا التعاون مع مالي والنيجر ضمن تحالف دول الساحل، في مسار يعكس رغبة في التحرر من النفوذ الإقليمي التقليدي وإعادة رسم موقع بوركينا فاسو في معادلات المنطقة.
لذلك تكشف تصريحات تراوري أن المعركة في بوركينا فاسو لم تعد تدور في ساحات القتال وحدها، بل انتقلت إلى قاعات الجامعات، ومنابر المساجد، وكتب التاريخ، وحتى الذاكرة الجماعية للأمة الأفريقية.






اترك تعليقاً