لقد أعادت عملية الإنزال الجوي التي قامت بها قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان الأسبوع الماضي للأذهان العمليات المشابهة التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.
على مدار نصف قرن الأخير، لعبت عمليات الإنزال الجوي دورًا محوريًا في الاستراتيجية العسكرية التي اعتمدتها الولايات المتحدة وإسرائيل، في الحروب والعمليات العسكرية التي شنتاها في مختلف بقاع العالم الإسلامي. تتراوح هذه العمليات بين إنزال المظلات خلف خطوط العدو، والاقتحام الجوي بواسطة طائرات الهليكوبتر، وعمليات الإنزال الجوي في المطارات.
عمليات الإنزال الجوي الأمريكية
الصومال – معركة مقديشو (1993) – فيما عرف ب”بلاك هوك داون”

هذه العملية هي الأشهر على الإطلاق كرمز للفشل الأمريكي في تسعينيات القرن العشرين .
التاريخ: 3-4 أكتوبر 1993.
كان هدف العملية اعتقال قياديين في الجماعات الصومالية المسلحة بقيادة الجنرال محمد فرح عيديد في مقديشو.
القوة التي كلفت بتنفيذ العملية كانت من قوة المهام “رينجر” (Task Force Ranger) والتي ضمت قوات من الرينجرز و دلتا فورس.
أحداث العملية: تم الإنزال بواسطة طائرات هليكوبتر من طراز Black Hawk في منطقة مكتظة بالسكان. فشلت العملية بسرعة عندما تم إسقاط طائرتين من طائرات الهليكوبتر بقذائف RPG. تحولت العملية من اعتقال سريع إلى معركة شوارع عنيفة استمرت طوال الليل.
كانت النتيجة: فشل ذريع وكارثة سحق فيها الجيش الأمريكي. قُتل 18 جنديًا أمريكيًا وجُرح العشرات، تم جر جثث الجنود الأمريكيين في شوارع مقديشو، مما أدى إلى انسحاب كامل للجيش الأمريكي من الصومال .
تعتبر هذه المعركة مرجعا عسكريا في تدريس القتال داخل المدن.
الحرب في أفغانستان (2001-2021)

منذ بداية الغزو الأمريكي لأفغانستان في 7 أكتوبر 2001، الذي أسماه الجيش الأمريكي عملية “الحرية الدائمة” (Operation Enduring Freedom) التي وصفها الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش” بالحملة الصليبية, اعتمدت القوات الأمريكية بشكل كبير على عمليات الإنزال الجوي في التضاريس الوعرة لأفغانستان . شملت هذه العمليات:
عمليات اقتحام جوي بواسطة طائرات الهليكوبتر من طراز Black Hawk و Chinook لاستهداف مخابئ القيادات وملاحقة عناصر تنظيم القاعدة.
استخدام قواعد متقدمة في الجبال لا يمكن الوصول إليها إلا جواً.
في أفغانستان، لم يكن النموذج هو إنزال ألوية كاملة بالمظلات، بل الاعتماد على فرق صغيرة من القوات الخاصة يتم إدخالها خلف خطوط العدو لتوجيه الضربات الجوية والعمل مع تحالف الشمال.
عملية “الحرية الدائمة” (Operation Enduring Freedom) – إدخال فرق القوات الخاصة

التاريخ: بدأت في 19 أكتوبر 2001، بعد 12 يومًا من بدء الحملة الجوية .
كان هدفها: العمل كفريق اتصال وتوجيه ضربات جوية مع قوات تحالف الشمال (Northern Alliance) لمساعدتها على هزيمة حركة طالبان .
وقد تكلف بالتنفيذ فرق قوات خاصة من نوع A-Teams (فريق “الستة رجال”) تابعة للقوات الخاصة للجيش (Green Berets) .
عدد القوات: بدأت العملية بإدخال فرق صغيرة. على سبيل المثال، كان فريق Tiger 01 مكونًا من 6 أفراد .
تفاصيل التنفيذ: تم إدخال هذه الفرق بواسطة طائرات هليكوبتر خاصة من طراز MH-53J Pave Low تابعة لفوج الطيران الخاص 160 . كانت هذه الفرق تتنقل مع قادة تحالف الشمال مثل الجنرال عبد الرشيد دوستم، وتستخدم أجهزة تحديد أهداف بالليزر لتمييز أهداف طالبان (دبابات، مدفعية، مواقع) لتدميرها بواسطة الطائرات الأمريكية (B-52، F/A-18، AC-130) .
النتيجة: نجاح استراتيجي كبير في السنوات الأولى للحرب. على الرغم من صغر حجمها، أحدثت هذه الفرق تأثيرًا كبيرًا. ففي غضون أسابيع، انهارت جبهات طالبان. على سبيل المثال، ساهم فريق Tiger 01 في تدمير 29 دبابة في الهجوم على كابول وحدها . بحلو12ل 13 نوفمبر 2001، سقطت كابول . بحلول 7 ديسمبر، انهارت حكومة طالبان بالكامل وتراجعت كل قواتها إلى الجبال
أثبت هذا النموذج أن الجمع بين القوات الخاصة والطيران الدقيق وجيش كبير من القوات العميلة من داخل البلد يمكن أن يحقق نصرًا سريعًا.
عملية “غضب الكوماندوز” (Operation Commando Wrath) في وادي شوك (2008)

التاريخ: أبريل 2008 .
في وادي شوك (Shok Valley)، شمال شرق أفغانستان .
كان هدفها: قتل أو أسر قائد عسكري كبير في حركة طالبان “المُلا عُمر” ، وكان يُعتقد أنه يتواجد في قرية ضمن هذا الوادي الوعر. صنفت الاستخبارات هذا الهدف على أنه لا يقل أهمية عن أسامة بن لادن .
شاركت في العملية عناصر من الفرقة الثالثة لمجموعات القوات الخاصة (3rd Special Forces Group) بالجيش الأمريكي، بالاشتراك مع قوات من الكوماندوز التابعة للجيش الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد دخولها أفغانستان .
عدد الجنود: تتحدث المصادر عن إنزال “عناصر” من الفرقة الثالثة، دون وجود معلومات مؤكدة من الجانب الأمريكي عن عددها .
أحداث العملية: بمجرد بدء القوات الأمريكية والعميلة التابعة لها بالتقدم، سقطت في كمين محكم من قبل مسلحين يتمركزون في أعالي الجبال وفوق أسطح المنازل. وجدت القوات نفسها محاصرة بنيران كثيفة من جميع الجهات.
سقط عشرات الجنود الأمريكيين بين القتلى والجرحى.
استمرت المعركة عدة ساعات قبل أن يستطيع من تبقى من القوات الأمريكية الانسحاب.
فشل استراتيجي – تحويل الموارد من أفغانستان للعراق (2002)
لا يعتبر هذا فشل عملية واحدة، بل فشل استراتيجي نتج عن إعادة توجيه موارد العمليات الخاصة والطائرات المتطورة من ساحة معركة (أفغانستان) إلى أخرى (العراق).
الخلفية: في ربيع عام 2002، بينما كانت عملية “الحرية الدائمة” في أفغانستان على قدم وساق وتحقق نجاحات ضد تنظيم القاعدة، بدأت القيادة الأمريكية في سحب وحدات النخبة والمعدات المتطورة تحضيرًا لغزو العراق .
· القوات والمعدات التي تم سحبها:
الفرقة الخامسة للقوات الخاصة (5th Special Forces Group): وهي الوحدة المتخصصة في الشرق الأوسط والتي يتكلم جنودها العربية، وتم استبدالها بالفرقة الثالثة (المتخصصة في أفريقيا والناطقة بالفرنسية)، مما أحدث فجوة ثقافية وتواصلية كبيرة مع الأفغان .
طائرات “بريداتور” بدون طيار: التي كانت ناجحة جدًا في رصد وتصفية قادة القاعدة، تم تحويلها إلى مسرح العمليات في العراق .
طائرات التجسس الإلكتروني RC-135: تم سحبها أيضًا .
· النتيجة: فشل في استغلال النجاح الأولي. وفقًا لخبراء ومسؤولين سابقين (مثل فلينت ليفيريت، مدير شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأسبق)، فإن هذا التحول المفاجئ للموارد أعطى حركة طالبان ، فرصة ثمينة لإعادة التجمع والتنظيم والاختباء في المناطق الوعرة وإعادة التمركز، مما أدى إلى إطالة أمد الحرب لعقد ونصف آخر واستنزاف الجيش الأمريكي واندحاره من أفغانستان.
غزو العراق (2003)

شكلت عمليات الإنزال الجوي عنصراً حاسماً في اجتياح العراق عام 2003. في الأيام الأولى من الحرب، نفذت القوات الأمريكية عمليات إنزال جوي في المناطق الغربية من العراق للسيطرة على قواعد جوية استراتيجية ومنع إطلاق صواريخ سكود باتجاه إسرائيل والأردن. كما تم إنزال قوات في عمق المدن الرئيسية لدعم التقدم السريع للقوات البرية.
عملية الإنزال في الشمال
بسبب رفض تركيا السماح للقوات الأمريكية بالعبور من أراضيها لفتح جبهة شمالية، لجأت القيادة الأمريكية إلى عملية إنزال جوي ضخمة لإنشاء هذه الجبهة. تكونت هذه العملية من مرحلتين رئيسيتين:
- عملية “التأخير الشمالي” (Operation Northern Delay) – الإنزال المظلي
هذه هي عملية الإنزال المظلي الجماعي الرئيسية والأكثر شهرة في الحرب.
26 مارس 2003 .
القوة المنفذة: اللواء 173 المحمول جواً (173rd Airborne Brigade) .
عدد الجنود: 996 جندي مظلي قفزوا من طائرات C-17 . تقدر بعض المصادر عددهم بأكثر من 1000 جندي.
تم الإنزال ليلاً في منطقة كانت بالفعل تحت سيطرة قوات البشمركة الكردية والقوات الخاصة الأمريكية، مما يعني أن المقاومة كانت معدومة . كان الهدف هو تأمين المطار لاستقبال تعزيزات ثقيلة.
تم تأمين المطار دون أي خسائر تذكر في صفوف المظليين أثناء الإنزال. هذا النجاح مهد الطريق للمرحلة التالية الأكثر أهمية .
- عملية “التنين المحمول جواً” (Operation Airborne Dragon) – إنزال الدروع
هذه العملية كانت فريدة من نوعها وتعتبر أول إنزال جوي لقوات مدرعة أمريكية في التاريخ .
التاريخ: 7 أبريل 2003 .
كان هدفها تعزيز قوات اللواء 173 المحمول جواً بمدرعات ثقيلة لتشكيل قوة قادرة على هزيمة القوات العراقية في الشمال .
القوة المنفذة: فريق عمل 1-63 (Task Force 1-63) من الكتيبة الأولى، فوج المدرعات 63 .
القوات والمعدات: تم نقل التعزيزات جواً بواسطة طائرات C-17.
حققت نجاحا تاما. بعد وصول هذه التعزيزات، تمكنت القوات الأمريكية المشتركة مع البيشمركة من القضاء على المقاومة العراقية المنظمة في الشمال خلال ثلاثة أيام فقط (بحلول 10 أبريل). الأهم من ذلك، أن وجود هذه القوة في الشمال أجبر ستة فرق عراقية على البقاء هناك للدفاع عن الجبهة الشمالية، مما منعها من الانسحاب لمحاربة القوات الأمريكية المتقدمة من الجنوب نحو بغداد. هذا خفف الضغط بشكل كبير على القوات الرئيسية وقلل من الخسائر .
عملية الاقتحام في باكستان (2011)
نفذت القوات الخاصة الأمريكية عملية إنزال جوي بطائرات هليكوبتر في 2 مايو 2011 داخل الأراضي الباكستانية في مدينة أبوت آباد، والتي قال الجيش الأمريكي أنها أسفرت عن مقتل قائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. تعتبر هذه العملية نموذجًا للعمليات الجراحية التي تعتمد على الإنزال الجوي المباشر خلف خطوط العدو دون دعم بري تقليدي.
عمليات إنزال جوي إسرائيلية بارزة
- عملية “عنتيبي” (1976)

في واحدة من أشهر عمليات الإنزال الجوي في تاريخ جيش الاحتلال الإسرائيلي، نفذت القوات الإسرائيلية عملية اقتحام جوي لمطار عنتيبي في أوغندا. أقلعت طائرات C-130 محملة بقوات كوماندوز إسرائيلية وقطعت مسافة 4000 كيلومتر لتحرير رهائن كانوا محتجزين على متن طائرة فرنسية. تم إنزال القوات والسيارات العسكرية مباشرة على أرض المطار، وتمت العملية بنجاح .
- عمليات في جنوب لبنان (1982-2000)
خلال تواجدها في جنوب لبنان، نفذت القوات الإسرائيلية المئات من عمليات الإنزال الجوي بطائرات الهليكوبتر لاستهداف قواعد المقاومة. كانت أبرز هذه العمليات خلال اجتياح 1982، حيث تم إنزال قوات مدرعة ومظليين خلف الخطوط اللبنانية والسورية في وادي البقاع.
- عمليات حديثة في قطاع غزة والضفة الغربية
على مدار العقدين الأخيرين، نفذت القوات الإسرائيلية العشرات من عمليات الإنزال الجوي الليلي بواسطة طائرات الهليكوبتر لاعتقال مطلوبين أو تنفيذ اغتيالات موجهة. تعتمد هذه العمليات على سرية الحركة وسرعة التنفيذ, وتنقصم هذه التي كانت في قطاع غزة ما بين الناجحة والفاشلة حيث اشتهرت قوات كتائب القسام الجناح العسكري لحماس بقدرة كبيرة على التصدي لمثل هذه الإنزالات.
تشكل القوات الجوية في الحروب الحديثة عامل تفوق وهيمنة ودائما ما كانت عامل حسم في كل المعارك المعقدة, وقد كان الضعف في هذا الجانب إن لم يكن انعدام وجوده أصلاً سببا رئيسا في الهزائم التي تعرضت لها كل الدول العربية والإسلامية في الـ150 سنة الماضية.
وقد أظهرت الجماعات الإسلامية تفوقا في التصدي للإنزالات الأمريكية والإسرائيلية أكثر من دول وقوات دولية!
وعلى صعيد القوات الخاصة شهد العالم الإسلامي عدة تجارب متطورة في هذا الشأن.



اترك تعليقاً