تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية: 63% زيادة خلال النصف الأول من 2026

88627dc8 94c4 11f1 8ee3 00163e02c055

تشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا لافتًا في اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين، بالتزامن مع توسع الاستيطان وتزايد القيود المفروضة على القرى والبلدات الفلسطينية. ووفق بيانات نقلتها هيئة البث الإسرائيلية KAN، ارتفع عدد الهجمات التي نفذها مستوطنون خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 63% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وبحسب البيانات، سُجلت 660 حادثة اعتداء خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مقابل 405 اعتداءات خلال الفترة نفسها من 2025. كما ارتفعت حصيلة الضحايا الفلسطينيين، إذ قُتل 6 فلسطينيين وأصيب 140 آخرون في اعتداءات المستوطنين خلال النصف الأول من العام، مقارنة بإصابة 82 فلسطينيًا وعدم تسجيل قتلى خلال الفترة المناظرة من العام السابق.

ولا تتوقف المؤشرات عند شهر يونيو/حزيران؛ إذ أشارت KAN إلى تسجيل نحو 100 حادثة إضافية من الجرائم القومية خلال يوليو/تموز، ما يعكس استمرار الاتجاه التصاعدي.

اعتداءات تحت مظلة الحماية العسكرية

تكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية في ظل ما تقوله المصادر الإسرائيلية والدولية عن العلاقة بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية.

وتصنف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية اعتداءات المستوطنين ضمن ما يسمى «الجرائم القومية»، وتتعامل معها في بعض الحالات باعتبارها أعمالًا إرهابية. لكن تقارير حقوقية وأممية تقول إن المشكلة لا تكمن فقط في وقوع الاعتداءات، وإنما في الظروف التي تسمح باستمرارها، بما في ذلك ما تصفه تلك التقارير بتوفير الحماية للمستوطنين أو ضعف المحاسبة.

وفي يونيو/حزيران، خلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، وفق ما نقلته رويترز، إلى أن السلطات الإسرائيلية مكّنت اعتداءات المستوطنين من خلال الدعم المالي والعسكري، وفي ظل ما وصفته اللجنة بمناخ من الإفلات من العقاب داخل المؤسسات القضائية والأمنية.

كما أشارت اللجنة إلى أن الاعتداءات على القرى والأراضي الزراعية الفلسطينية شهدت ارتفاعًا كبيرًا منذ عام 2023، وأن بعض الهجمات نفذها مستوطنون مسلحون وملثمون في وجود جنود إسرائيليين.

المستوطنات والبؤر الاستيطانية

يتصل تصاعد العنف كذلك بالصراع على الأرض. فالمستوطنون يقيمون بؤرًا استيطانية على التلال المحيطة بالقرى الفلسطينية، وتستخدم بعض هذه المواقع كنقاط انطلاق لهجمات على السكان والأراضي الزراعية والممتلكات.

وتعتبر البؤر الاستيطانية غير قانونية حتى وفق القانون الإسرائيلي في كثير من الحالات، إلا أن بعضها يحصل لاحقًا على اعتراف رسمي أو يتطور إلى مستوطنات أكبر.

أما على المستوى الدولي، فتُعد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي، وقد أكدت الأمم المتحدة مرارًا عدم قانونيتها. لكن بدون أدنى تحرك يردع الاحتلال عن اعتداءاته.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الاعتداءات ليست مجرد مواجهات متفرقة بين أفراد، بل ترتبط أيضًا بصراع أوسع حول الأرض والوجود الفلسطيني ومستقبل الضفة الغربية.

طيبة تحت الحصار

ومن أبرز التطورات الأخيرة إعلان الجيش الإسرائيلي تحويل بلدة الطيبة الفلسطينية التي يسكنها النصارى في الضفة الغربية إلى «منطقة عسكرية مغلقة» أمام غير المقيمين، في خطوة قال الجيش إنها جاءت بعد اعتداءات عنيفة نفذها إسرائيليون في المنطقة بهدف حماية السكان والحفاظ على النظام.

لكن رئيس بلدية الطيبة سليمان خورية انتقد القرار، معتبرًا أنه يفرض مزيدًا من القيود على سكان البلدة بدلًا من حمايتهم من اعتداءات المستوطنين. كما أشار إلى أن إغلاق البلدة أمام الزوار قد يضر بالسكان الذين يعتمد بعضهم على السياحة كمصدر للدخل.

وتعد الطيبة من آخر البلدات الفلسطينية ذات الغالبية النصرانية في الضفة الغربية، ولذلك اكتسبت الاعتداءات عليها بعدًا يتجاوز الصراع السياسي والعسكري.

وقال الكاهن الكاثوليكي في البلدة بشار فواصلة إن الوضع تدهور بصورة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، متحدثًا عن اقتحامات متكررة، واعتداءات على الممتلكات الخاصة، وإتلاف الأراضي الزراعية، وإغلاق الطرق وفرض قيود على حركة السكان.

من استهداف الأراضي إلى استهداف الوجود

وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الاعتداءات التي طالت محيط الطيبة. ففي يونيو/حزيران، أفاد الدفاع المدني الفلسطيني بأن مستوطنين منعوا فرق الإطفاء من إخماد حريق كبير أُشعل بالقرب من البلدة.

كما تعرضت البلدة في العام الماضي لحريق بالقرب من كنيسة القديس جورج التاريخية، وهي كنيسة يعود بناؤها الأول إلى القرن الخامس، ما أثار إدانات من رجال دين وقيادات كنسية ودبلوماسيين زاروا المنطقة.

ويرى رجال الدين المحليون أن ما يحدث لا يمكن فصله عن الضغط المتزايد على السكان الفلسطينيين، مسلمين ونصارى، وعلى قدرتهم على البقاء في أراضيهم.

تداخل متزايد بين المستوطنين والجيش

ويثير تداخل أدوار المستوطنين والقوات الإسرائيلية مخاوف متزايدة بشأن طبيعة السيطرة على الضفة الغربية.

ووفق تقرير نشرته صحيفة هآرتس، جرى منذ عام 2023 تجنيد نحو 5,500 مستوطن من الضفة الغربية في كتائب دفاع إقليمية للعمل كاحتياط داخل مستوطناتهم وبالقرب من القرى الفلسطينية.

ويرى التقرير أن هذا التطور جعل الحدود بين المستوطن المسلح والجندي الإسرائيلي أكثر ضبابية، خصوصًا مع انتشار الأسلحة ووجود المستوطنين في مناطق قريبة من القرى الفلسطينية.

وفي المقابل، تقول تل أبيب إن قواتها تعمل على حفظ الأمن ومنع العنف، وإن الإجراءات العسكرية تستهدف حماية السكان والحفاظ على النظام.

اعتقالات فلسطينية بالتزامن

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه عنف المستوطنين، استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.

ووفق وكالة وفا الفلسطينية، اعتقلت القوات الإسرائيلية، في يوم واحد، ما لا يقل عن 19 فلسطينيًا خلال مداهمات في عدة مناطق، بينهم خمسة اعتُقلوا في مخيم بلاطة شرق نابلس. كما أصيب شاب فلسطيني برصاص القوات الإسرائيلية خلال إحدى العمليات ونُقل إلى المستشفى.

ويضيف تزامن الاعتقالات العسكرية مع تصاعد اعتداءات المستوطنين بُعدًا آخر إلى المشهد، إذ يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية ضغوطًا متزامنة من العمليات العسكرية، والقيود على الحركة، واعتداءات المستوطنين، والاستيطان المتوسع.

تصعيد يتجاوز الأرقام

تكشف أرقام النصف الأول من 2026 عن تحول مقلق في مستوى عنف المستوطنين: 660 اعتداءً، وستة قتلى، و140 مصابًا، بزيادة 63% عن الفترة نفسها من العام السابق، وفق البيانات التي نقلتها KAN.

لكن أهمية التطورات لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في السؤال المتعلق بالمسار الذي تسلكه الضفة الغربية: هل تبقى الاعتداءات أحداثًا منفصلة، أم تتحول إلى وسيلة مستمرة للضغط على الفلسطينيين ودفعهم بعيدًا عن أراضيهم؟

وتزداد خطورة السؤال مع ما تثيره التقارير الأممية والإسرائيلية من مخاوف بشأن الإفلات من العقاب، والتداخل بين المستوطنين المسلحين والمؤسسة العسكرية، واستمرار التوسع الاستيطاني.

أما بلدة الطيبة، فتقدم صورة مصغرة عن هذا الواقع؛ فبينما يُعلن إغلاقها بحجة حمايتها من العنف، يرى سكانها أن الإجراء يفرض عليهم قيودًا إضافية دون أن يعالج أصل المشكلة: الاعتداءات المتكررة على السكان وأراضيهم وممتلكاتهم.

وبذلك، تبدو الضفة الغربية أمام معادلة متصاعدة، يتداخل فيها الاستيطان والعنف والوجود العسكري والقيود على الحركة، بما يجعل مستقبل الفلسطينيين على الأرض مرتبطًا ليس فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل أيضًا بما يجري يوميًا في القرى والأراضي الزراعية والبلدات الواقعة تحت الاحتلال.

Fediverse reactions

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *