تجارب شركات الأدوية في الصين: بين التجارب العلمية ومخاوف الاستغلال

في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، فرضت واشنطن قيودًا واسعة على الشركات المرتبطة بالجيش الصيني أو بإقليم شينجيانغ–الإيغور–، شملت قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا وسلاسل التوريد.

غير أن قطاع الأدوية يبرز كاستثناء لافت، إذ تواصل شركات دوائية عالمية إجراء تجارب سريرية داخل الصين، بما في ذلك في مناطق حساسة، دون أن تخضع لنفس مستوى التدقيق.

واقع التجارب السريرية في الصين

تكشف بيانات قاعدة ClinicalTrials.gov — وهي منصة أمريكية رسمية — أن شركات أدوية متعددة الجنسيات رعت خلال السنوات الماضية تجارب سريرية في الصين، وبعضها أُجري في “شينجيانغ” أو في مستشفيات ترتبط بجيش التحرير الشعبي الصيني.

غير أن الصورة الكاملة تبقى غير واضحة تمامًا، إذ إن بعض البيانات لا تحدد بدقة مواقع التجارب، فتكتفي بذكر المدينة دون اسم المستشفى، كما أن عددًا من المؤسسات الطبية لا يعلن صراحة عن ارتباطاته العسكرية.

ووفق تحليلات شركة WireScreen، يوجد في الصين ما يقارب 165 مستشفى مرتبطًا بالجيش، ما يزيد من تعقيد عملية التحقق من طبيعة الجهات المشاركة في هذه التجارب.

مثال تطبيقي

من بين الأمثلة التي يوردها التقرير تجربة دواء Evusheld، الذي طورته شركة AstraZeneca، حيث أُجريت إحدى تجاربه في شينجيانغ ضمن سلسلة من التجارب العالمية بين عامي 2021 و2023. ويعكس هذا المثال واقعًا أوسع، يتمثل في قدرة شركات الأدوية على إجراء تجارب في مناطق تخضع لانتقادات دولية، ثم تسويق منتجاتها لاحقًا في الأسواق الغربية، دون مواجهة متطلبات تنظيمية إضافية مرتبطة بمخاوف مثل العمل القسري.

الفجوة التنظيمية

تكشف هذه المعطيات عن فجوة واضحة في السياسات الأمريكية؛ فبينما تُفرض قيود صارمة على قطاعات مثل التكنولوجيا بسبب مخاوف أمنية، لا يخضع قطاع الأدوية لنفس الدرجة من الرقابة، رغم تعامله مع بيانات بشرية حساسة، وارتباط بعض تجاربه بمؤسسات ذات طابع عسكري.

ويُعزى ذلك جزئيًا إلى طبيعة صناعة الأدوية، التي تعتمد على:

• توفر أعداد كبيرة من المرضى

• سرعة إنجاز التجارب

• انخفاض التكاليف

وهي عوامل تجعل الصين بيئة جذابة للغاية للشركات العالمية.

البعد الأخلاقي ومسألة الأقليات

تكتسب هذه القضية حساسية خاصة بسبب ارتباط بعض التجارب بإقليم ‘شينجيانغ”، الذي تقطنه أقلية “الإيغور” المسلمة، والتي كانت محور تقارير دولية تتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان.

وفي هذا السياق، أشار بعض المشرعين الأمريكيين إلى وجود تاريخ من الإكراه في برامج طبية داخل الإقليم، ما يثير تساؤلات حول مدى تحقق الموافقة الحرة للمشاركين في التجارب السريرية.

بين العلم والسياسة

تعكس هذه القضية تناقضًا واضحًا في السياسات الدولية؛ ففي الوقت الذي تُقيَّد فيه قطاعات معينة بشدة لأسباب سياسية وأمنية، يُسمح لقطاع الأدوية بالاستمرار في العمل ضمن بيئات معقدة سياسيًا.

ويطرح ذلك تساؤلات جوهرية: هل يتم التغاضي عن بعض المخاطر بسبب الحاجة الطبية؟

أم أن هناك ثغرات حقيقية في الإطار التنظيمي؟وكيف يمكن تحقيق التوازن بين التقدم العلمي والاعتبارات الأخلاقية؟

خاتمة

تُظهر تجارب شركات الأدوية في الصين، وخاصة في مناطق مثل شينجيانغ–الإيغور–، وجود فجوة تنظيمية تستحق الدراسة والمراجعة.

ففي حين لا توجد أدلة مباشرة على وقوع انتهاكات داخل هذه التجارب، فإن السياق العام يفرض ضرورة تعزيز الشفافية والرقابة، لضمان احترام المعايير الأخلاقية في البحث الطبي.

وفي ظل تزايد التداخل بين العلم والسياسة، تبقى الحاجة قائمة إلى أطر تنظيمية أكثر وضوحًا، تضمن عدم تحول البحث العلمي إلى مجال محتمل للمخاطر الأخلاقية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالفئات الضعيفة.

ترجم بتصرف عن مجلة : The Wire China

التفاعلات في شبكات الفيدافيرس

رد واحد على “تجارب شركات الأدوية في الصين: بين التجارب العلمية ومخاوف الاستغلال”

  1. الصورة الرمزية لـ القلم العربي ✅

    @wasl
    البشر ليسوا فئران تجارب … حياة الإنسان غالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *