بعد أكثر من عقدين على سقوط نظام صدام حسين، تبدو الدولة العراقية وكأنها تقف في قلب معركة مفتوحة تتجاوز حدود السياسة التقليدية، معركة تتداخل فيها الأيديولوجيا بالمصالح، والطائفة بالجغرافيا، والنفط بالأمن، والهوية بمشروعات إقليمية ودولية متنافسة.
المشروع الإيراني.. العراق بوابة النفوذ الكبرى
ربما لا توجد دولة تأثرت بالسياسة الإيرانية بعد ثورة الخميني بقدر العراق، فطهران لا تنظر إلى العراق باعتباره دولة مجاورة فقط، بل باعتباره عمقاً استراتيجياً وأمنياً وعقائدياً لا يمكن التفريط فيه.
منذ إسقاط نظام صدام حسين، استثمرت إيران في بناء شبكة نفوذ معقدة داخل العراق، امتدت من الأحزاب السياسية إلى الفصائل المسلحة والمؤسسات الاقتصادية والدينية ، اليوم لا يقتصر النفوذ الإيراني على العلاقات الدبلوماسية أو التحالفات الحزبية، بل يمتد إلى بنية السلطة نفسها.
وتتمثل أهم أدوات هذا النفوذ في الفصائل المسلحة المنضوية ضمن “الحشد الشعبي”، خصوصاً التشكيلات الأكثر قرباً من “الحرس الثوري” الإيراني، والتي تحولت خلال السنوات الماضية إلى قوة عسكرية وسياسية واقتصادية موازية للدولة. المفارقة أن هذه الفصائل تحصل على تمويل ورواتب من الخزانة العراقية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بأجندات تتجاوز حدود الدولة العراقية نفسها.
ومع اندلاع الحرب الإيرانية الأخيرة، برز هذا التناقض بصورة أكثر وضوحاً، بعدما وُجهت اتهامات إلى بعض الفصائل بشن هجمات على أهداف أمريكية وخليجية انطلاقاً من الأراضي العراقية، ما وضع بغداد في موقع الدولة التي تتحمل تبعات قرارات لا تملك السيطرة الكاملة عليها.
الولايات المتحدة.. منع سقوط العراق في الفلك الإيراني
في المقابل، لا تزال واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره إحدى أهم ساحات المواجهة مع إيران، فبعد إنفاق مئات المليارات من الدولارات وخوض حربين كبيرتين، لا تبدو الولايات المتحدة مستعدة لرؤية العراق يتحول بالكامل إلى منطقة نفوذ إيرانية، لكن المشكلة الأمريكية تكمن في أنها نجحت في إسقاط النظام السابق، دون أن تنجح في بناء نظام مستقر موالٍ لها، بل إن كثيراً من القوى التي صعدت إلى السلطة بعد 2003 كانت أقرب فكرياً أو سياسياً إلى طهران منها إلى واشنطن.
لذلك تحولت الاستراتيجية الأمريكية تدريجياً من محاولة الهيمنة المباشرة إلى سياسة الاحتواء والضغط الاقتصادي والسياسي، وتبرز هذه السياسة في استخدام أدوات مثل العقوبات المالية، والتحكم في التحويلات الدولارية، والضغط على الحكومات العراقية المتعاقبة لإضعاف نفوذ الفصائل المسلحة وإعادة حصر السلاح بيد الدولة، لكن هذه الضغوط غالباً ما تصطدم بحقيقة معقدة، وهي أن القوى المرتبطة بإيران أصبحت جزءاً من النظام السياسي نفسه، لا مجرد أطراف خارجه.
الحلم الكردي.. بين الواقعية والطموح التاريخي
في شمال العراق، تخوض القوى الكردية معركة مختلفة تماماً، حيث لاتتعلق القضية بالنسبة للأكراد فقط بالصراع بين إيران وأمريكا، بل بمستقبل الكيان الكردي نفسه.
منذ تأسيس إقليم كردستان، عملت القيادات الكردية على تعزيز استقلالها السياسي والاقتصادي والأمني عن بغداد، دون الذهاب إلى مواجهة شاملة قد تهدد المكاسب التي تحققت، لكن الانقسام بين الحزبين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، جعل الإقليم نفسه ساحة تنافس إقليمي، وبينما يميل أحد الطرفين إلى علاقات أوثق مع تركيا والغرب، يحتفظ الآخر بقنوات أكثر مرونة مع إيران. هذا الانقسام لا يعكس خلافاً حزبياً فقط، بل يعبر عن رؤيتين مختلفتين لمستقبل كردستان والعراق معاً.
السنة العراقيون.. البحث عن دور مفقود
أما القوى السنية، فما زالت تعيش آثار التحولات الكبرى التي أعقبت 2003، فبعد سنوات من المواجهة المسلحة ثم الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية ، وجدت النخب السنية نفسها أمام معضلة إعادة التموضع داخل النظام السياسي الجديد، ولذلك برزت قيادات جديدة أكثر براغماتية، تعتمد على شبكات النفوذ المحلية والعشائرية والتنموية بدلاً من الخطابات الأيديولوجية الحادة التي طبعت مرحلة سابقة.
لكن هذا التحول لم ينهِ الشعور لدى قطاعات واسعة من السنة بأن موازين القوة داخل الدولة لا تزال تميل بصورة واضحة لصالح القوى الشيعية المسلحة والأحزاب المرتبطة بها.
إسرائيل تدخل المشهد.. الحرب على إيران تمر عبر العراق
وفي معرض الحديث عن الصراع الأمريكي الإيراني والنفوذ المتشابك داخل العراق، يبرز لاعب آخر . فإسرائيل، التي لطالما نظرت إلى العراق باعتباره جزءاً من البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، لم تعد تكتفي بالمراقبة من بعيد، بل بات اسمها يتردد بصورة متزايدة في التقارير الغربية المتعلقة بالحرب الدائرة في المنطقة.
وخلال الأيام الماضية، نشرت صحف أمريكية بارزة، من بينها وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز، تقارير تحدثت عن إنشاء مواقع عسكرية اسرائيلية متقدمة ومؤقتة في مناطق نائية من الصحراء الغربية العراقية وصحراء النجف، استخدمت ـ بحسب تلك التقارير ـ لأغراض الدعم اللوجستي والتزود بالوقود وتسهيل العمليات العسكرية المرتبطة بالمواجهة مع إيران.
بعيداً عن الجدل حول دقة هذه المعلومات أو تفاصيلها العملياتية، فإن مجرد تداولها يكشف حقيقة أكثر أهمية: العراق بات يُنظر إليه من قبل أطراف إقليمية ودولية باعتباره منصة استراتيجية يمكن استخدامها في الصراع الأوسع على الشرق الأوسط.
وهنا تتضح المعضلة العراقية بأقسى صورها، فبينما ترى طهران العراق خط الدفاع الأول عن أمنها القومي، تعتبره واشنطن إحدى أهم ساحات احتواء النفوذ الإيراني، فيما تنظر إليه إسرائيل بوصفه جزءاً من المجال الجغرافي المحيط بإيران والذي يمكن أن يؤثر مباشرة في ميزان القوى الإقليمي.
وبذلك يجد العراق نفسه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أمام احتمال أن تتحول أراضيه إلى نقطة تماس بين ثلاثة مشاريع أمنية كبرى في المنطقة، لكل منها حساباته وأولوياته المختلفة.
صراع الأجيال.. المعركة التي لا يراها أحد
بعيداً عن هذه الصراعات ، هناك مواجهة أخرى تتشكل بصمت، وهي أن العراق الذي تسيطر عليه نخب تشكل وعيها السياسي خلال الحروب والثورات والانقسامات الطائفية، يختلف جذرياً عن عراق الشباب الذين ولدوا بعد 2003. هذا الجيل لا يحمل ذاكرة الحرب العراقية الإيرانية، ولا يعيش هواجس الصراع الطائفي بالطريقة نفسها التي عاشتها الأجيال السابقة.
بالنسبة لكثير من الشباب العراقيين، تبدو شعارات “المقاومة” و”الولاية” و”المشروع الأمريكي” و”القومية التاريخية” أقل أهمية من قضايا الوظائف والخدمات والفساد والفرص الاقتصادية، وهنا تكمن إحدى أخطر أزمات العراق المعاصرة، فبينما تستمر النخب التقليدية في إدارة الصراع بمنطق الهوية والأيديولوجيا، يتجه جزء متزايد من المجتمع نحو أولويات مختلفة تماماً.
وسط كل ذلك يقف العراق نفسه بوصفه الخاسر الأكبر، ذلك أن بلاد الرافدين التي كانت يوماً مركزاً لصناعة الحضارة، تجد نفسها اليوم في قلب معركة تتجاوز حدودها بكثير.. معركة لا تدور حول من يحكم بغداد فقط، بل حول هوية الدولة نفسها، ومن يملك حق رسم مستقبلها.





اترك تعليقاً