بعد 13 عامًا من مذبحة رابعة.. عائلات المعتقلين تطالب مصر بفتح صفحة جديدة

ac21a180 2302 468f 8681 c056588fa5f0

بعد ثلاثة عشر عامًا على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في القاهرة، لا تزال تداعيات ذلك اليوم حاضرة في المشهد المصري، ليس فقط من خلال الضحايا الذين سقطوا في عملية الفض، وإنما أيضًا عبر عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين الذين تقول منظمات حقوقية إنهم ما زالوا يقبعون في السجون المصرية.

وفي الذكرى الثالثة عشرة للمجزرة، دعت جمعية أسر المعتقلين المصريين (FEDA) السلطات المصرية إلى الإفراج عن المعتقلين على خلفية أحداث رابعة، معتبرة أن إنهاء هذا الملف يمكن أن يمثل خطوة نحو طي صفحة مؤلمة من تاريخ البلاد، وفتح الطريق أمام المصالحة والعدالة الانتقالية.

رابعة.. جرح لم يُغلق

image 102

في 14 أغسطس/آب 2013، اقتحمت قوات الأمن المصرية اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، بعد أسابيع من عزل الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في الثالث من يوليو/تموز من العام نفسه.

وتقول منظمات حقوقية إن عملية الفض أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 900 متظاهر مؤيد للديمقراطية، فيما وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش ما حدث بأنه أحد أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث.

كان الاعتصام يضم مؤيدين لمرسي ومعارضين للانقلاب العسكري الذي أطاح به، وتحول فضه بالقوة إلى واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ مصر الحديث.

لكن بالنسبة إلى عائلات المعتقلين، لم تنته أحداث رابعة بانتهاء عملية الفض؛ إذ تواصلت بعدها المحاكمات والاعتقالات، وتحولت أعداد كبيرة من المشاركين والمتهمين في القضية إلى سجناء لسنوات طويلة.

من الضحايا إلى المتهمين

image 103

قالت جمعية أسر المعتقلين المصريين إن الذين شاركوا في الاعتصامات السلمية للتعبير عن مواقفهم السياسية «تحولوا من ضحايا إلى متهمين».

وأشارت الجمعية إلى إحالة أعداد كبيرة إلى المحاكمات في قضايا مرتبطة بأحداث رابعة، من بينها 51 متهمًا في قضية «غرفة عمليات رابعة» و739 متهمًا في القضية المتعلقة بفض اعتصام رابعة.

وتطالب الجمعية بالإفراج عن من لا يزالون محتجزين على خلفية هذه القضايا، باعتبار ذلك خطوة أولى نحو معالجة ملف المعتقلين السياسيين بصورة أوسع.

وبالنسبة إلى أسر هؤلاء المعتقلين، فإن مرور السنوات لم ينهِ القضية، بل جعلها أكثر إلحاحًا، خصوصًا مع استمرار وجود سجناء على خلفية أحداث تعود إلى أكثر من عقد.

عشرات الآلاف خلف القضبان

image 104

لا تقتصر قضية المعتقلين في مصر على سجناء أحداث رابعة.

وتقدر منظمات حقوقية أن عدد سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين في مصر يتجاوز 60 ألفًا، بينهم أكثر من ألف امرأة، فيما تشمل القائمة طلابًا وشبابًا ونشطاء من اتجاهات سياسية مختلفة.

وبحسب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، بلغ إجمالي عدد السجناء في مصر في مارس/آذار 2021 نحو 120 ألف سجين، بينهم ما يقدر بنحو 65 ألف معتقل سياسي، كان ما لا يقل عن 26 ألفًا منهم قيد الحبس الاحتياطي.

وتعكس هذه الأرقام، رغم اختلاف التقديرات بين الجهات، حجم المشكلة التي تواجهها مصر في ملف السجون والمعتقلين السياسيين.

السجن لا يعني فقط فقدان الحرية

image 105

تقول منظمات حقوقية إن ظروف الاحتجاز في السجون المصرية تثير مخاوف واسعة.

ومن بين الانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوق الإنسان: ضعف الرعاية الطبية، وسوء التغذية والتهوية، وحرمان المعتقلين من الزيارات العائلية، واكتظاظ الزنازين، وفرض قيود على الحصول على الكتب والصحف وممارسة الرياضة.

وتقول هذه المنظمات إن هذه الظروف تصبح أكثر خطورة بالنسبة إلى المعتقلين الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو يحتاجون إلى رعاية طبية منتظمة.

كما توفي عدد من الشخصيات السياسية داخل السجون أو بعد تعرضهم لظروف احتجاز قاسية، ومن أبرزهم الرئيس المصري السابق محمد مرسي، الذي توفي أثناء جلسة محاكمة عام 2019 بعد سنوات من الاحتجاز.

وعود بإصلاح حقوق الإنسان.. وأسئلة بلا إجابة

في سبتمبر/أيلول 2021، أطلقت القاهرة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي تضمنت أهدافًا تتعلق بحقوق السجناء، والمعاملة الإنسانية، والحماية من التعذيب وسوء المعاملة، وتعزيز الرقابة القضائية على السجون، وتفتيش أوضاع الاحتجاز.

لكن منظمات حقوقية تقول إن استمرار الشكاوى المتعلقة بظروف السجون والاعتقال السياسي يثير تساؤلات حول مدى تنفيذ هذه التعهدات على أرض الواقع.

وهنا تظهر فجوة بين الإطار المعلن والسياسة الفعلية: فوجود استراتيجية رسمية لحقوق الإنسان لا ينهي المشكلة ما لم تنعكس بنودها على أوضاع المعتقلين أنفسهم.

العدالة الانتقالية.. ملف مؤجل

image 106

تطرح جمعية أسر المعتقلين مسألة تتجاوز مجرد الإفراج عن سجناء بعينهم، إذ تدعو إلى مسار شامل للمصالحة والعدالة الانتقالية.

وتستند الجمعية إلى المادة 241 من الدستور المصري، التي تنص على أن يسن مجلس النواب قانونًا للعدالة الانتقالية يضمن كشف الحقيقة والمحاسبة والمصالحة وتعويض الضحايا.

ويضع هذا الطرح الدولة أمام سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن معالجة إرث سنوات الصراع السياسي والانتهاكات دون مواجهة الماضي وكشف ملابساته وإنصاف ضحاياه؟

فالعدالة الانتقالية، في مفهومها الأوسع، لا تعني الانتقام من طرف سياسي، وإنما تتطلب آليات لكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وتعويض الضحايا، وتهيئة الظروف التي تمنع تكرار الانتهاكات.

13 عامًا.. والملف لا يزال مفتوحًا

image 107

بعد 13 عامًا من رابعة، لا تزال القضية تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في مصر.

فمن جهة، تقول الحكومة المصرية إنها تخوض منذ سنوات مواجهة مع جماعات وتنظيمات تهدد أمن الدولة، بينما تؤكد منظمات حقوقية أن مكافحة الإرهاب لا تبرر الاعتقال التعسفي أو المحاكمات الجماعية أو حرمان المعتقلين من حقوقهم الأساسية.

وبين الروايتين، تبقى عائلات المعتقلين أمام واقع طويل من الانتظار.

آباء وأمهات ينتظرون أبناءهم، وأطفال كبروا بعيدًا عن آبائهم، ومعتقلون أمضوا سنوات خلف القضبان دون أن تغلق ملفاتهم بصورة نهائية.

ولهذا جاءت دعوة جمعية أسر المعتقلين في ذكرى رابعة لتتجاوز مجرد المطالبة بالإفراج عن مجموعة محددة من السجناء، إلى المطالبة بـمسار شامل ينهي ملف الاعتقال السياسي ويقود إلى مصالحة وطنية وعدالة انتقالية.

رابعة.. من ذكرى الدم إلى سؤال المستقبل

image 108

قد تمر السنوات، لكن الأحداث التي تركت آلاف الضحايا وموجة واسعة من الاعتقالات لا تختفي بمجرد مرور الزمن.

والسؤال الذي تطرحه الذكرى الثالثة عشرة ليس فقط: ماذا حدث في رابعة؟

بل أيضًا: هل تستطيع مصر أن تفتح صفحة جديدة دون معالجة إرث تلك المرحلة؟

بالنسبة إلى عائلات المعتقلين، تبدو الإجابة واضحة: لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية دون إطلاق سراح من لا يزالون في السجون بسبب مواقفهم السياسية، وكشف الحقيقة بشأن الانتهاكات، وإنصاف الضحايا.

وبالنسبة إلى الدولة، فإن إنهاء هذا الملف يمكن أن يكون اختبارًا لقدرتها على الانتقال من مرحلة الصراع السياسي والأمني إلى مرحلة أكثر اتساعًا من المصالحة الوطنية.

وبعد ثلاثة عشر عامًا، تظل رابعة ليست مجرد ذكرى في التقويم السياسي المصري، بل ملفًا مفتوحًا تتقاطع فيه العدالة والحرية وحقوق الإنسان ومستقبل العلاقة بين الدولة ومعارضيها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *