بريطانيا لمن؟.. اليمين المتشدد ينقل معركته من المهاجرين إلى المسلمين

87

تشهد بريطانيا تصاعدا حادا في الخطاب المعادي للمسلمين، حيث لم تعد المعركة التي تخوضها بعض التيارات اليمينية في بريطانيا تقتصر على الهجرة غير النظامية أو أعداد طالبي اللجوء أو تشديد الرقابة على الحدود، ولكن بدأ يظهر خطاب جديد يركز على الانتماء الديني حتى يمكن تحديد من يستحق أن يُنظر إليه باعتباره بريطانياً أصلاً.

هذا التحول ظهر بوضوح في تصريحات تشارلي داونز، مدير حملة حزب «ريستور بريتن» اليميني، الذي قال، وفق ما نقلته صحيفة «تلغراف»، إن المسلمين «أقل بريطانية» من المسيحيين.

وبغض النظر عن الجدل السياسي الذي أثارته العبارة، فإن أهميتها تتجاوز صاحبها، لأنها تكشف انتقال النقاش من التعامل مع المهاجر بوصفه شخصاً وصل حديثاً إلى البلاد، إلى التعامل مع مواطنين مقيمين داخل المجتمع البريطاني باعتبار انتمائهم نفسه قابلاً للقياس والتصنيف.

وهنا تحديداً تبدأ القضية الأكثر حساسية: هل سيكون هناك وضع قانوني متساوٍ، أم يمكن أن تكون هناك درجات مختلفة منها تبعاً للدين والأصل؟

معركة الهوية تتجاوز ملف الهجرة

جاءت تصريحات داونز في أعقاب جدل آخر داخل الحزب، بعدما أثار زعيم «ريستور بريتن» روبرت لو تساؤلات بشأن مفهوم «البريطاني الأبيض»، عندما لم يقدم إجابة مباشرة حول ما إذا كان الملك تشارلز يمكن أن يوصف بهذه الصفة، مشيراً إلى وجود أكثر من تفسير للمصطلح.

وبذلك اجتمع في الجدل مفهومان شديدا الحساسية: العرق والدين.

فبعد أن كان جزء من الخطاب السياسي يركز على الأصل العرقي باعتباره عنصراً في تحديد الهوية البريطانية، دخل العامل الديني إلى النقاش بصورة أكثر مباشرة، مع طرح النصرانية بوصفها معياراً يجعل صاحبها «أكثر بريطانية» من المسلم.

وهذه النقلة تفتح الباب أمام أسئلة لا تتعلق بالمهاجرين وحدهم، فماذا عن المسلم الذي ولد في بريطانيا؟ وماذا عن الذي يحمل الجنسية البريطانية منذ أجيال؟ .

رقم يكشف صعوبة اختزال بريطانيا في هوية دينية واحدة

وتشير البارونة غوهير، عضو مجلس اللوردات ورئيسة شبكة النساء المسلمات في بريطانيا، بحسب «تلغراف»، إلى أن الاعتراف بالتراث النصراني لبريطانيا لا يعني تحويل النصرانية إلى شرط للانتماء الوطني.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند النظر إلى التركيبة السكانية الحالية للبلاد، فوفق آخر تعداد سكاني، قال 37% من السكان إنهم لا ينتمون إلى أي دين.

وهذا الرقم وحده يجعل محاولة تعريف المجتمع البريطاني من خلال الهوية النصرانية أكثر تعقيداً؛ إذ إن قطاعاً كبيراً من السكان لا يرى نفسه أصلاً ضمن أي هوية دينية.

ومن هذا المنظور، تدافع غوهير عن تعريف مختلف للبريطانية، يقوم على الانتماء والمشاركة واحترام القانون والمؤسسات والمساهمة في المجتمع، وليس على دين الشخص أو أصول أسرته.

من «المهاجر» إلى «المواطن المشكوك في انتمائه»

الخطر الذي يثيره هذا النوع من الخطاب، بحسب منتقديه، أنه يغير طبيعة المشكلة، فالجدل التقليدي حول الهجرة يمكن أن يدور حول أعداد الوافدين، وقدرة الدولة على استيعابهم، وسوق العمل، والإسكان، والخدمات العامة، والاندماج.

لكن عندما يبدأ السياسيون في تقسيم المواطنين أنفسهم إلى «أكثر بريطانية» و«أقل بريطانية»، يصبح النقاش متعلقاً بالهوية الشخصية وليس بسياسة الدولة.

وهنا يمكن أن يجد مواطن بريطاني نفسه مطالباً بإثبات انتمائه، ليس لأنه خالف القانون، وإنما لأن اسمه أو دينه أو أصول عائلته لا تتطابق مع الصورة التي يرسمها بعض السياسيين عن البريطاني النموذجي، وهذا هو الفارق الجوهري بين نقاش الهجرة ونقاش الانتماء.

انتقادات من المسلمين واليهود

لم تقتصر ردود الفعل الرافضة للتصريحات على الأوساط الإسلامية، حيث ينقل التقرير عن فياض مغل، من منظمة «مسلمون ضد معاداة السامية»، انتقاده لتصنيف المواطنين وفق ديانتهم.

كما نقل التقرير رأي الحاخام ليفي شابيرو، ممثل مجلس الجالية اليهودية، الذي قال أن تقديم المسلمين باعتبارهم أقل بريطانية من المسيحيين لا يضر المسلمين وحدهم، فالمنطق نفسه يمكن أن يستخدم مستقبلاً ضد اليهود وغيرهم من الأقليات الدينية.

«إعادة الهجرة».. الوجه الأكثر تشدداً

وتزداد أهمية هذا الجدل مع صعود أصوات داخل اليمين البريطاني تتحدث عن مفهوم «إعادة الهجرة»، ولا يقصد بهذا المصطلح في بعض استخداماته مجرد إعادة الأشخاص الذين دخلوا البلاد بصورة غير قانونية، وإنما يتوسع لدى بعض التيارات إلى المطالبة بإخراج أعداد كبيرة من الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم، وفق تصور أصحاب هذه الدعوات، صورة «البريطاني الأبيض»، وبدلاً من التركيز على السلوك ، يصبح الأصل والعرق والدين عناصر أساسية في تحديد المصير.

تصريحات داونز ليست منفصلة عن مسار أوسع

وتشير «تلغراف» إلى أن الجدل حول داونز يأتي في ظل انتقادات سابقة له بسبب منشور اتُهم بأنه يحمل إيحاءات معادية لليهود عند حديثه عن نايجل فاراج وأنصاره اليهود.

كما يأتي في وقت تشهد فيه بريطانيا نقاشاً متزايداً حول صعود اليمين المتشدد، وخصوصاً التيارات التي تربط بين الهجرة والتغير الديموغرافي وبين ما تعتبره تهديداً للهوية الوطنية.

ومن ثم، فإن التصريح الذي يضع المسلم في مرتبة أدنى من النصراني من حيث «البريطانية» يمكن النظر إليه باعتباره جزءاً من تحول أوسع في الخطاب، وليس مجرد تعبير منفرد.

فكلما اتسعت مساحة الخطاب الذي يربط الوطنية بالدين والعرق، أصبح من الممكن نقل النقاش خطوة إضافية: من رفض الهجرة إلى رفض التعددية، ومن رفض التعددية إلى التشكيك في انتماء اشخاص يعيشون بالفعل داخل الدولة.

أين تنتهي المحافظة وأين يبدأ الإقصاء؟

وبحسب تقرير تلغراف ، ليس من الصعب أن تتحول الهوية الوطنية إلى موضوع سياسي في أي دولة، ومن الطبيعي أن تناقش المجتمعات تاريخها وثقافتها وقيمها، كما أن من حق الأحزاب المحافظة الدفاع عن تصوراتها بشأن الهجرة والاندماج والحدود، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القضايا إلى وسيلة لتحديد قيمة المواطنين أنفسهم.

فالدفاع عن التراث النصراني لبريطانيا شيء، واعتبار النصراني «أكثر بريطانية» من المسلم شيء آخر/ والدعوة إلى ضبط الهجرة شيء، والمطالبة بإعادة تصنيف المواطنين على أساس العرق والدين شيء مختلف تماماً، وهذا هو الخط الذي يبدو أن الجدل الحالي يقترب منه.

أزمة اليمين مع المسلمين

المفارقة أن الخطاب الذي يزعم الدفاع عن بريطانيا قد يتحول في النهاية إلى تضييق تعريفها، فبدلاً من تقديم تصور سياسي حول الاقتصاد أو الخدمات العامة أو الإنتاجية أو الأجور أو مستقبل الدولة، ينشغل جزء من الخطاب اليميني بأسئلة الهوية والعرق والدين.

ويحذر منتقدو هذا الاتجاه من أن تحويل المسلمين إلى اختبار دائم للهوية البريطانية لا يحل أياً من المشكلات التي تواجه المجتمع، بل يقدم أقلية دينية باعتبارها تفسيراً جاهزاً لمخاوف اقتصادية واجتماعية وسياسية أكثر تعقيداً.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية لا تتعلق فقط بما إذا كان المسلم «بريطانياً» أم لا، وإنما بنوعية الدولة التي يريدها هذا التيار، وهل بريطانيا دولة تقوم على المواطنة المتساوية؟، أم مجتمع تتفاوت فيه درجات الانتماء بحسب الدين والأصل؟

السؤال الذي يتجاوز حزباً واحداً

قد تتجاوز تداعيات تصريحات «ريستور بريتن» حدود الحزب نفسه، فإذا أصبح من المقبول سياسياً القول إن مواطناً أقل بريطانية بسبب دينه، فإن تعريف المواطنة التي يتشدقون بها يدخل منطقة جديدة، ويصبح جوهر القضية ليس فقط كيف ينظر اليمين البريطاني إلى المسلمين، وإنما كيف ينظر إلى فكرة المواطنة نفسها.

وعندما يصبح الدين أو العرق معياراً لتحديد «درجة البريطانية»، فإن بريطانيا لا تعيد تعريف الهجرة فقط؛ بل تعيد فتح السؤال الأقدم والأكثر حساسية في أي دولة حديثة: من نحن، ومن يملك حق أن يقول إن الآخر ليس واحداً منا؟

المصدر : تلغراف

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *