بالتفصيل: ما جذور الصراع في مالي، وكيف تشكّلت ملامحه حتى بلغ ما هو عليه اليوم؟
نتناول فيما يلي خلفية الصراع المعقد في مالي، بدءًا من جذوره التاريخية المتمثلة في تمردات الطوارق المتكررة، مرورًا بنشأة وتطور جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، وصولًا إلى التطورات الراهنة وأبرز أطراف الصراع وعقيدتهم وأهدافهم وتحالفاتهم.
الجذور التاريخية للصراع في مالي
يعود الصراع في مالي إلى جذور عميقة تضرب في مرحلة ما بعد الاستقلال، حين ورثت الدولة الوطنية حدودًا رسمتها القوى الاستعمارية دون مراعاة للبنية الاجتماعية والثقافية في الشمال الصحراوي. ومنذ ذلك الحين، اتسمت العلاقة بين الحكومة المركزية في باماكو ومجتمعات الطوارق بحالة مزمنة من التوتر وانعدام الثقة، تغذيها سياسات التهميش وضعف الاندماج “الوطني”.
الطوارق، وهم مكوّن أمازيغي صحراوي ذو نمط حياة تقليدي عابر للحدود، ينظرون إلى منطقة أزواد بوصفها مجالهم التاريخي الحيوي، لا مجرد إقليم إداري. ومن هنا، لم تكن مطالبهم مقتصرة على تحسين الخدمات أو التمثيل السياسي، بل اتخذت طابعًا هوياتيًا وسياديًا، يتراوح بين الحكم الذاتي والاستقلال الكامل.
وقد تجلّى هذا التوتر في سلسلة من التمردات المتعاقبة، التي تكاد تشكل نمطًا دوريًا يعكس خللًا بنيويًا في إدارة الدولة للملف الشمالي:
- تمرد 1962–1964: مثّل أول انفجار مسلح بعد الاستقلال، وقادته زعامات قبلية تقليدية، لكنه قوبل بردّ عسكري قاسٍ عمّق مشاعر القطيعة بدل احتوائها.
- تمرد 1990–1996: جاء في سياق اضطرابات داخلية أوسع، وارتبط بسقوط نظام موسى تراوري، وانتهى باتفاقيات “سلام” لم تُنفّذ بالكامل، مما أبقى جذور الأزمة حيّة.
- تمرد 2006: كان أقصر زمنًا، لكنه مهم نوعيًا، إذ برز فيه إياد أغ غالي، الذي سيتحول لاحقًا إلى أحد أبرز الفاعلين الجهاديين في المنطقة، ما يشير إلى بداية تداخل البعد المحلي مع الأيديولوجيات العابرة للحدود.
- تمرد 2012: شكّل نقطة التحول الأبرز، حيث انهارت سيطرة الدولة على الشمال لفترة، بالتوازي مع تداعيات سقوط النظام الليبي، الذي أطلق موجة من تدفق السلاح والمقاتلين، ما أعاد تشكيل موازين القوة في الصحراء الكبرى.
والملاحَظ أن هذه التمردات لا تنفجر من فراغ، بل تأتي غالبًا نتيجة تراكم المظالم والسياسات الفاسدة والمجحفة، إلى جانب استمرار التهميش السياسي والاقتصادي، وتوظيف البلاد لصالح الأجندات الأجنبية، والهيمنة الخارجية، ومع كل جولة صراع، تتعمق الفجوة أكثر، وتزداد قابلية المنطقة لاستقبال فاعلين جدد، سواء كانوا حركات متمردة محلية أو جماعات جهادية عابرة للحدود.
وهكذا، فإن الصراع في مالي لا يمكن فهمه كأحداث متقطعة، بل كمسار ممتد عبر محور التاريخ، يزداد تعقيدًا واشتعالًا كلما تسببت الدولة في تفاقم أزماته وتعميق تداعياته.
نشأة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)
تُعدّ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) إحدى أبرز التحولات في المشهد المسلح بمنطقة الساحل الإفريقي، وقد تأسست رسميًا في 2 مارس 2017 نتيجة اندماج أربع حركات مسلحة كانت تنشط بشكل متوازٍ ومتداخل في شمال ووسط مالي، وهي: أنصار الدين، كتيبة المرابطون، جماعة ماسينا، وفرع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في منطقة الساحل.
وقد مثّل هذا الاندماج نقلة نوعية من التشتت التنظيمي إلى التكتل تحت مظلة واحدة مرتبطة أيديولوجيًا بتنظيم القاعدة، ما منح الجماعة قدرة أكبر على التنسيق وتوسيع نطاق العمليات. وتُعدّ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين اليوم الذراع الرسمي للقاعدة في مالي ومنطقة الساحل، مع خطاب يقوم على مرجعية سلفية جهادية، يهدف إلى إعادة تشكيل المجال السياسي وفق تصورها الإسلامي.
المكونات الرئيسية للجماعة
- أنصار الدين: بقيادة إياد أغ غالي، وهو أحد أبرز قادة الطوارق الذين انتقلوا من الحركات القومية إلى المشروع الجهادي، ما يعكس تحولات معقدة في البنية الفكرية للصراع.
- كتيبة المرابطون: أسسها مختار بلمختار، ثم اندمجت لاحقًا ضمن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وكانت ذات طابع عابر للحدود، ما عزز البعد الإقليمي للصراع.
- جماعة ماسينا: بقيادة أمادو كوفا، وتنشط بشكل رئيسي في وسط مالي، مستفيدة من التوترات العرقية والهشاشة الاجتماعية في تلك المنطقة.
- فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (AQIM – الساحل): يشكّل العمود الأيديولوجي والعسكري الأبرز في هذا الاندماج، ويوفر للجماعة الخبرة التنظيمية والارتباط الشبكي بالتنظيم الأم. ويمكن القول أنه يعمل على تطبيق استراتيجية القاعدة في الساحل.
العقيدة والأهداف
تنطلق جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من عقيدة سلفية جهادية ترى أن الحل السياسي القائم في دول المنطقة غير شرعي، وتدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وإقامة كيان سياسي ديني مستقل في غرب إفريقيا. كما تضع في صدارة أهدافها طرد القوات الأجنبية، خصوصًا الفرنسية والدولية، واعتبار الحكومات المحلية أنظمة “فاقدة للشرعية” يجب إسقاطها.
غير أن هذه الأهداف لا تقوم فقط على بعدها العقائدي، بل ترتبط أيضًا بسياق اجتماعي وسياسي مضطرب، حيث وفّرت هشاشة الدولة، وتداخل الهويات المحلية، والفراغ الأمني في بعض المناطق، بيئة خصبة لنمو التنظيمات الجهادية المتمردة وتوسع نفوذها.
التطورات الراهنة والتحالفات والأهداف (2024–2025)
شهدت مالي في السنوات الأخيرة مرحلة شديدة الاضطراب، اتسمت بتسارع الأحداث العسكرية والسياسية، وانهيار التوازنات التي تأسست بموجب اتفاق الجزائر للسلام عام 2015. وقد أدى تآكل هذا الاتفاق تدريجيًا إلى إعادة فتح جبهات القتال في الشمال والوسط، وعودة الصراع إلى طابعه المسلح المفتوح، في ظل تحولات عميقة في خريطة التحالفات الإقليمية والدولية.
- انهيار اتفاق الجزائر وتصاعد العنف
يمثل انهيار اتفاق الجزائر نقطة تحول مفصلية في مسار الأزمة المالية، إذ أفضى إلى تفكك الإطار السياسي الذي كان يهدف إلى احتواء مطالب الطوارق وتنظيم العلاقة بينهم وبين الدولة. ومع سقوط هذا الإطار، عادت المواجهات المسلحة بقوة، خصوصًا في شمال مالي ووسطها.
وفي يوليو 2024، شهدت منطقة تينزاوتين معركة واسعة النطاق بين الجيش المالي المدعوم من مرتزقة فاغنر الروسية من جهة، ومسلحي الطوارق ضمن “الإطار الاستراتيجي الدائم للدفاع عن شعب أزواد (CSP)”، إلى جانب عناصر من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) من جهة أخرى. وقد انتهت المعركة بخسائر ثقيلة للجيش وحلفائه، في مؤشر على تعقّد ميزان القوة وصعوبة الحسم العسكري في بيئة صحراوية مفتوحة.
- هجوم باماكو (سبتمبر 2024)
في تطور لافت، نفذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في سبتمبر 2024 هجومًا غير مسبوق على العاصمة باماكو، استهدف منشآت أمنية وعسكرية من بينها مدرسة الدرك والمطار العسكري. ويُعد هذا الهجوم تحولًا استراتيجيًا في تكتيك الجماعة، إذ انتقلت من العمل في الأطراف الهامشية إلى استهداف قلب الدولة، في محاولة لإثبات قدرتها على اختراق المركز السياسي والأمني، وتهديد رمزية العاصمة ذاتها.
- إعادة تشكيل التحالفات: فاغنر وتحالف دول الساحل (AES)
مرتزقة فاغنر الروسية: مع انسحاب القوات الفرنسية (عملية برخان)، والقوات الأوروبية (تاكوبا)، وبعثة الأمم المتحدة (مينوسما)، وجدت الحكومة العسكرية في باماكو نفسها أمام فراغ أمني واسع، ما دفعها إلى الارتماء في أحضان مرتزقة فاغنر الروسية كحليف رئيسي. وقد رُوّج لهذا التحالف بوصفه بديلاً “سياديًا” عن النفوذ الغربي، غير أن النتائج الميدانية أظهرت تحديات كبيرة، أبرزها الانتكاسات العسكرية والخسائر الفادحة في عدة مواجهات، بما في ذلك معركة تينزاوتين. فضلا عن المجازر المرافقة بحق المدنيين العزّل.
تحالف دول الساحل (AES): في يوليو 2024، أعلنت مالي وبوركينا فاسو والنيجر عن تشكيل “تحالف دول الساحل” (Alliance of Sahel States – AES)، وهو إطار سياسي–أمني جديد يعكس إعادة اصطفاف إقليمي في غرب إفريقيا. ويهدف هذا التحالف إلى تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي بين الدول الثلاث، لكنه في جوهره يُفهم أيضًا كاستجابة مباشرة للضغوط الإقليمية من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، ومحاولة لإعادة صياغة التوازنات بعيدًا عن النفوذ الفرنسي والغربي التقليدي.
تكشف هذه التطورات أن الصراع في مالي لم يعد مجرد مواجهة بين الدولة وجماعات متمردة، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها الفواعل المحلية مع الامتدادات الإقليمية والدولية، حيث تختلط الأبعاد العرقية بالأيديولوجية، وتتداخل الحسابات الأمنية مع مشاريع النفوذ الجيوسياسي. وهو ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا، وأبعد ما تكون عن الحلول السريعة أو الحسم العسكري التقليدي.
أطراف الصراع الحالية: العقائد، الأهداف، وشبكات الاصطفاف
لم يعد الصراع في مالي مجرد مواجهة ثنائية بين الدولة والجماعات المسلحة، بل تحول إلى شبكة معقدة من الفاعلين المحليين والإقليميين، تتداخل فيها الأيديولوجيا بالمصالح السياسية، وتتشابك فيها الهويات العرقية مع المشاريع الجهادية والدولية. ويمكن قراءة أبرز أطرافه اليوم من خلال أربع قوى رئيسية، لكل منها رؤية مختلفة للدولة والمجتمع ومستقبل الإقليم:
- الحكومة المالية (المجلس العسكري)
تنطلق السلطة الحاكمة في باماكو من مقاربة قومية–سيادية تركّز على إعادة بناء الدولة المركزية واستعادة السيطرة على كامل التراب الوطني، بعد سنوات من التآكل الأمني والانقسامات الداخلية.
- العقيدة/التصور السياسي: قومية عسكرية ذات نزعة سيادية، تضع أولوية مطلقة لوحدة الدولة واستقلال قرارها الأمني.
- الأهداف الرئيسية: القضاء على الجماعات المسلحة، استعادة السيطرة على الشمال والوسط، وإعادة فرض هيبة الدولة ومؤسساتها.
- التحالفات: تعتمد بشكل متزايد على مرتزقة فاغنر الروسية، إضافة إلى إطار تحالف دول الساحل (AES) مع بوركينا فاسو والنيجر، في محاولة لإعادة تشكيل شبكة دعم إقليمي بديل عن النفوذ الغربي التقليدي.
- جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)
تمثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الامتداد الأبرز للتيار السلفي الجهادي المرتبط بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، وقد نجحت في التحول إلى فاعل عابر للمناطق، يستفيد من هشاشة الدولة وتداخل الأزمات المحلية.
- العقيدة/الأيديولوجية: سلفية جهادية، ترى أن الأنظمة القائمة فاقدة للشرعية الدينية والسياسية وتطبق استراتيجية القاعدة في وجوب تحرير الدول من الهيمنة الخارجية وإقامة نظام إسلامي مستقل.
- الأهداف الرئيسية: إقامة كيان سياسي قائم على الشريعة الإسلامية، طرد القوات الأجنبية، وإسقاط الأنظمة المحلية التي تعتبرها “غير شرعية”.
- التحالفات: ترتبط عضويًا بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إضافة إلى شبكات محلية من الفصائل والوسطاء القبليين الذين يوفرون لها عمقًا اجتماعيًا في بعض المناطق.
- تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS)
يمثل هذا التنظيم الامتداد الإقليمي لفرع تنظيم الدولة في الساحل، ويخوض صراعًا مزدوجًا: ضد الدولة المالية من جهة، وضد الجماعات الجهادية المنافسة من جهة أخرى.
- العقيدة/الأيديولوجية: سلفية جهادية ذات ولاء لتنظيم الدولة باعتبارة الطرف الأحق بالخلافة الإسلامية، تقوم على فكرة “الولاية” والتوسع الإقليمي.
- الأهداف الرئيسية: إقامة ولاية تابعة للتنظيم في منطقة الساحل، وتوسيع النفوذ عبر القتال والسيطرة على المناطق الحدودية.
- التحالفات: يرتبط مباشرة بتنظيم الدولة الإسلامية، مع تنافس حاد أحيانًا مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على النفوذ والمقاتلين والذي لا يخلو من التصادمات العسكرية والاقتتال.
- الحركات الأزوادية (CSP – الطوارق)
تمثل هذه الحركات الامتداد السياسي والعسكري للمطالب التاريخية للطوارق في شمال مالي، وهي أكثر ارتباطًا بالبُعد الهوياتي والوطني المحلي.
- العقيدة/التصور السياسي: قومية أزوادية، تقوم على فكرة التمثيل الذاتي أو الاستقلال الجزئي/الكامل لمنطقة أزواد.
- الأهداف الرئيسية: تحقيق الحكم الذاتي أو الاستقلال، حماية الهوية الطوارقية، وضمان تقاسم عادل للسلطة والثروة.
- التحالفات: تتسم تحالفاتها بالمرونة والتغير، حيث تدخل أحيانًا في تفاهمات ميدانية مؤقتة مع جماعات مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ضد الجيش المالي، دون أن يعني ذلك وحدة أيديولوجية.
يكشف هذا التشابك في الفاعلين عن أن الصراع في مالي لم يعد صراعًا على السلطة فقط، بل أصبح صراعًا على معنى الدولة نفسها: هل هي دولة مركزية قومية؟ أم فضاء هوياتي متعدد؟ أم ساحة لمشاريع جهادية عابرة للحدود؟
وفي ظل هذا التداخل، تتراجع حدود الفصل بين “السياسي” و“الأيديولوجي”، وتتحول الأرض إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها مشاريع متنافسة، لا يجمع بينها سوى استمرار حالة اللااستقرار.
مع التنبيه إلى أن تفاصيل الجماعات الجهادية يصعب رصدها من خلال المشاهدة الخارجية والعناوين الإعلامية، وأن تركيبة الجماعات وسياساتها تتسم بالسريّة والتشديدات الأمنية. ما يجعل من الجزم بطبيعة العلاقات بين الفصائل المسلحة صعب التفصيل.
توزيع القوى الميدانية (حسب خرائط 2025-2026)
تُظهر الخرائط الحديثة الصادرة عن مراكز أبحاث متخصصة مثل Critical Threats وOCHA تقسيماً معقداً للسيطرة، حيث لم تعد الخطوط واضحة كما كانت في السابق بسبب تداخل مناطق العمليات:
- جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (القاعدة): تسيطر الجماعة فعلياً على مساحات شاسعة في وسط مالي (منطقة ماسينا) وشمالها الغربي. الخرائط الأخيرة تشير إلى تطويق عسكري واقتصادي للعاصمة باماكو، مع وجود “مناطق هجوم” نشطة تحيط بالمدينة، وتوسع ملحوظ باتجاه الحدود مع السنغال وغينيا.
- تنظيم الدولة الإسلامية (ولاية الساحل): يتركز نفوذه في منطقة “المثلث الحدودي” بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو (ولاية مينكا). وتوضح الخرائط صراعاً مستمراً بينه وبين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في هذه المناطق للسيطرة على طرق الإمداد.
- الجيش المالي (FAMa) ومرتزقة فاغنر: تقتصر سيطرة الحكومة المركزية بشكل أساسي على المراكز الحضرية الكبرى (باماكو، كاي، سيغو، موبتي) والطرق الرئيسية الواصلة بينها. ورغم استعادة الجيش لمدينة كيدال رمزياً (والتي في ساعة كتابة هذا التقرير سقطت بيد الأزواديين)، إلا أن المناطق المحيطة بها تظل تحت تهديد مستمر.
- الحركات الأزوادية (الطوارق): تحتفظ بالسيطرة على المناطق الصحراوية في أقصى الشمال قرب الحدود الجزائرية، وتحديداً بعد معركة “تينزاوتين” التي عززت موقفهم الميداني ضد تحالف الجيش وفاغنر.

مناطق العمليات العامة في الساحل

تمدد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين

خريطة تقريبية للوضع العسكري العام
معاقل السيطرة الرئيسية لتنظيم الدولة الإسلامية (ولاية ميناكا)
تُظهر المعطيات الميدانية أن منطقة ميناكا في شرق مالي تُعد من أبرز معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى في المرحلة الراهنة، حيث انتقل نشاطه فيها من نمط الهجمات المتفرقة إلى فرض نفوذ ميداني شبه مستقر في بعض المناطق.
كما تُعد منطقة ليبتاكو-غورما (المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو) الأكثر اضطرابًا، إذ تشهد تداخلاً حادًا في النفوذ بين التنظيم وبين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، مع تنافس مباشر على طرق الإمداد والمجتمعات المحلية.
ويبرز شرق ولاية غاو، ولا سيما محيط أنسونغو، كممرات استراتيجية ومناطق ارتكاز لوجستي، حيث تتكرر المواجهات بين الطرفين.
وتشير بيانات ACLED إلى أن نشاط التنظيم يتركز في عدة محاور جغرافية رئيسية، دون أن يعني ذلك وجود تقسيمات عسكرية ثابتة أو سيطرة إدارية كاملة على الأرض.


المناطق العسكرية (باللون البرتقالي والأحمر)، حيث يظهر بوضوح تركز نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية في الجانب الشرقي والجنوبي الشرقي من مالي
ملاحظة هامة: الخرائط المرفقة توضح أن الصراع انتقل من “جبهات تقليدية” إلى “حرب استنزاف واقتصاد”، حيث تركز الجماعات المسلحة على قطع طرق الوقود والإمداد عن العاصمة والمناطق الحيوية.
حركة أزواد
حركة أزواد ليست تنظيمًا واحدًا متجانسًا، بل هي تكتل سياسي–عسكري يضم عدة فصائل طوارقية تشترك في الهدف العام (قضية أزواد)، لكنها تختلف في الخلفيات والتوجهات.
أولًا: ممَّ تتشكل حركة الأزواد؟
يمكن فهمها كتحالف يضم أبرز الفصائل التالية:
- الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA): وهي من أهم المكونات، ذات طابع قومي وطني، قادت تمرد 2012 وأعلنت حينها مطالب بالاستقلال أو الحكم الذاتي.
- المجلس الأعلى لوحدة أزواد (HCUA): نشأ بعد اتفاقات 2013–2014، ويضم شخصيات طوارقية بعضها قريب من التيار الإسلامي السابق ثم انتقل للعمل السياسي.
- حركات وفصائل مسلحة أصغر: بعضها قبلي أو محلي، ينضم أو ينسحب حسب التوازنات الميدانية.
- تنسيق عسكري وسياسي مشترك (CSP): وهو الإطار الذي يوحّد هذه الفصائل في المواقف التفاوضية والميدانية، خاصة في مواجهة الجيش المالي.
ثانيًا: معاقل السيطرة الأزوادية (أقصى الشمال)
تُظهر الخرائط أن الحركات الأزوادية (المنضوية تحت لواء الإطار الاستراتيجي الدائم CSP-DPA وجبهة تحرير أزواد FLA) تسيطر بشكل كامل على منطقة تينزاوتين على الحدود الجزائرية. هذه المنطقة أصبحت الرمز الأقوى لسيطرتهم بعد الهزيمة الكبيرة التي ألحقوها بمرتزقة فاغنر هناك.
أما بشأن خرائط السيطرة في إقليم كيدال فهناك مفارقة في خريطة السيطرة حيث يسيطر الجيش المالي مدعوماً بفاغنر على تيساليت بينما سقطت كيدال للتو في يد أزواد، وهي مراكز حضرية مهمة وقواعد عسكرية بارزة، انضمت الآن لسيطرات الحركات الأزوادية الممتدة في معظم المناطق الريفية والجبلية المحيطة بالمدن، حيث تشن حرب استنزاف مستمرة وتمنع الجيش من التحرك بحرية خارج المراكز الحضرية.
تحتفظ الحركات الأزوادية أيضا بنفوذ واسع في المناطق الغربية المحاذية للحدود الموريتانية، مثل منطقة ليري، حيث تستخدم هذه المناطق كقواعد انطلاق لهجمات سريعة (كر وفر) ضد ثكنات الجيش المالي.
التطورات الأخيرة في الخريطة (2025-2026)
تشير الخرائط الحديثة إلى أن الحركات الأزوادية بدأت بتوسيع “نطاق العمليات” ليشمل مناطق كانت تعتبر هادئة سابقاً، مستخدمة تكتيكات جديدة مثل الطائرات المسيرة. كما يلاحظ في الخرائط وجود مناطق “تداخل” أو “تنسيق تكتيكي” في بعض الجبهات ضد الجيش المالي، مما يجعل الخطوط الفاصلة بين القوى في الشمال متغيرة باستمرار.


(اللون الأخضر أو الأصفر غالباً يرمز للأزواد في هذه الخرائط)، حيث يتركز نفوذهم في المثلث الشمالي المتاخم للجزائر وموريتانيا.
ثالثًا: هل توجد فصائل أزوادية ذات توجه إسلامي؟
يجب التنبيه إلى أن الحركة الأزوادية ليست كتلة أيديولوجية واحدة. فداخل الإقليم توجد تيارات مختلفة، أهمها:
- تيار إسلامي سابق داخل الطوارق: فبعض القيادات الطوارقية، وأبرزهم إياد أغ غالي، مرّوا بتحولات فكرية من القومية إلى الإسلام السياسي ثم الجهادية، وهو ما أدى إلى تأسيس أنصار الدين ثم الاندماج لاحقًا في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM). وهذا التيار لا يُعتبر جزءًا من حركة الأزواد حاليًا، لكنه ينحدر اجتماعيًا وعرقيًا من نفس البيئة الطوارقية.
- تيارات جهادية طوارقية داخل JNIM: فبعض الطوارق انخرطوا في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بدافع ديني أو محلي أو انتقامي من الدولة. لكن هذه الفصائل لا تتبنى مشروع “أزواد القومي”، بل مشروعًا عابرًا للحدود (إقامة حكم إسلامي وفق تصور القاعدة).
الفرق الجوهري
- الحركات الأزوادية (CSP): مشروعها سياسي/هوياتي يطالب بحكم ذاتي أو استقلال أزواد.
- الفصائل الجهادية (JNIM وما شابه): مشروعها عقائدي عالمي يطالب بإقامة دولة إسلامية لا تعترف بالحدود القومية.
فرغم وجود تداخل عرقي (كلهم طوارق جزئيًا)، إلا أن الهدف النهائي مختلف جذريًا.
ويمكن القول إن “أزواد” اليوم ليست حركة واحدة، بل فضاء تتقاطع فيه ثلاث مسارات:
- المسار القومي الطوارقي (CSP)
- المسار الجهادي القاعدي (JNIM)
- المسارات القبلية المحلية المتغيرة
وهذا التداخل هو أحد أسباب تعقيد الصراع في شمال مالي، لأن الهوية الواحدة لا تعني بالضرورة مشروعًا سياسيًا واحدًا.
الخريطة العرقية
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ليست مكونة على أسس “عرقية” ، بل هي تنظيم عابر للهويات القومية، لكن الواقع الميداني يظهر تنوعًا واضحًا في تركيبتها:
- الطوارق: بعض القيادات التاريخية داخل أنصار الدين (الذي اندمج لاحقًا في الجماعة من الطوارق، مثل إياد أغ غالي. وجودهم يكون أوضح في شمال مالي (كيدال ومحيطها).
- الفلان (الفولاني): هم أكبر كتلة بشرية داخل الجماعة اليوم خصوصًا في وسط مالي. يشكّلون العمود البشري لـ“جماعة ماسينا” بقيادة أمادو كوفا. انتشارهم في مناطق الرعي والريف يمنحهم قدرة على الحركة والتخفي.
- عرب الصحراء: حضور أقل عددًا، لكنه موجود في شبكات التهريب والصحراء الكبرى. يتركزون في مناطق الشمال والحدود.
- مجموعات محلية صغيرة أخرى: مثل السونغاي وبعض المجتمعات المختلطة في الشمال.
وبهذا فإن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ليست “حركة طوارق” ولا “فلانية”، بل شبكة جهادية تتكون من تعدد العرقيات. كما أنها تستقبل مهاجرين مسلمين من كافة البلاد الإسلامية وفقد استراتيجية القاعدة الجهادية.
أما بالنسبة للحركات الأزوادية (الطوارق)، فعندما نقول “الأزواد”، فنحن نقصد غالبًا الحركات الطوارقية في الشمال، وأهمها:
- الطوارق (الكتلة الأساسية)
هم الأساس السكاني والسياسي للحركات الأزوادية. يعيشون في: كيدال وتمبكتو (جزئيًا) وشمال غاو. - العرب (جزئيًا داخل الحركة): بعض المجموعات العربية في الشمال دخلت في تحالفات أو تنسيقات مع الحركات الأزوادية. لكن العلاقة ليست دائمة وغالبًا براغماتية.
- السونغاي (بدرجة أقل): غالبًا ليسوا جزءًا من المشروع الأزوادي، بل في مناطق أخرى أو خصوم محليين في بعض الأحيان.
والحركات الأزوادية في جوهرها مشروع طوارقي قومي.
التداخل العرقي يصنع ظاهرة معقدة:
فنفس القبيلة (مثل الفلان أو الطوارق) قد تجد أفرادًا في أكثر من طرف. والولاء غالبًا محلي أو شبكي أكثر من كونه عرقيًا صِرفًا. لذلك لا يمكن القول إن “هذا العرق مع هذا التنظيم بشكل كامل”.
وكخلاصة تعتبر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين شبكة متعددة الأعراق، يغلب عليها الفلان في الوسط والطوارق في الشمال، وعرب بدرجة أقل، تحت إطار جهادي عابر للهوية. أما الأزواد فحركة طوارقية بالأساس، مع تحالفات محلية محدودة.
ومن جانبه، لا يمتلك تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى تركيبة عرقية موحّدة، بل يقوم على بنية مرنة عابرة للقبائل، تعتمد على استقطاب المكونات المحلية وفق السياقات الجغرافية والنزاعات القائمة. ومع ذلك، يبرز الفولاني كأحد أهم روافده البشرية في منطقة الساحل، إلى جانب حضور ملحوظ للطوارق في الشمال، خصوصًا في مناطق ميناكا وغاو، مع مشاركة أقل لعناصر من العرب والسونغاي. فضلا عن مهاجرين يأتون من دول أخرى في العالم، ويعكس هذا التنوع استراتيجية التنظيم بما يضمن له التمدد في بيئات متباينة.
تصعيد واسع في الصراع وتحوّل نوعي في طبيعة الهجمات (أبريل 2026)
تشهد مالي في الأيام الأخيرة واحدة من أخطر موجات التصعيد العسكري منذ سنوات، حيث نفّذت الجماعات المسلحة هجمات منسقة شملت العاصمة باماكو وعدة مدن استراتيجية في الشمال والوسط، في تطور يعكس انتقال الصراع من نطاقه التقليدي إلى مستوى أوسع وأكثر تعقيدًا.
هجوم متعدد الجبهات يهز البلاد
فجر 25 أبريل 2026، استيقظت مالي على سلسلة انفجارات وإطلاق نار كثيف استهدف مواقع عسكرية حساسة، من بينها محيط مطار باماكو الدولي وقاعدة كاتي العسكرية، إضافة إلى مدن كيدال وغاو وموبتي وسيڤاري. وأفادت تقارير ميدانية بوقوع هجمات متزامنة على قواعد الجيش ونقاط تمركزه في عدة مناطق، في ما وُصف بأنه “هجوم منسّق واسع النطاق” هو الأكبر منذ سنوات.
تشير المعطيات الأولية إلى وجود أكثر من طرف في هذه الهجمات، من أبرزهم: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بالقاعدة وفصائل الطوارق ضمن “جبهة تحرير أزواد” في الشمال.
وفي هذه الأثناء، تتسارع وتيرة الانهيار الأمني في مالي مع وصول شرارة المعارك إلى قلب العاصمة باماكو، حيث وثقت تقارير ميدانية توغل مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في أحياء استراتيجية ومحيط القصر الرئاسي.
وفي تطور هو الأبرز، تعرضت مدينة ‘كاتي’ -المعقل العسكري الحصين للنظام- لهجوم واسع أسفر عن تدمير منزل وزير الدفاع، وسط أنباء متواترة عن اعتقاله أو مقتله ومقتل رئيس الأركان.
ومع إطباق المقاتلين سيطرتهم على مداخل العاصمة ومحاورها الرئيسية، باتت باماكو تعيش حالة من الشلل التام، في وقت تشير فيه المشاهد المسربة إلى فقدان القوات النظامية السيطرة على مربعات أمنية كانت تُعد حتى وقت قريب خارج نطاق التهديد، مما يضع مستقبل المجلس العسكري الحاكم على المحك.
وتتحدث تقارير عن تنسيق غير مباشر بين جماعة النصرة والأزواديين، في بعض مسارح العمليات، خاصة في كيدال وغاو، حيث أعلنت مجموعات أزوادية سيطرتها على مواقع عسكرية محددة.
أبعاد استراتيجية للهجوم
يبدو أن طبيعة العمليات الأخيرة لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تهدف إلى:
- إظهار قدرة الجماعات المسلحة على ضرب العمق الاستراتيجي للدولة.
- الضغط على العاصمة عبر استهداف خطوط الإمداد والمراكز الحيوية.
- إعادة رسم موازين السيطرة في الشمال بعد سنوات من التراجع النسبي للدولة.
- الاستفادة من ضعف الدولة لانتزاع السيطرات الجديدة والاستفادة من تقاطع المصالح بين الجماعات المسلحة. كلُّ في مساحة نفوذه وتحركاته بشكل متزامن.
- فرصة سانحة لانتزاع العاصمة من يد الدولة المالية، وسقوط العاصمة يعني هزيمة الدولة ونهاية الحرب.
ويأتي كل ذلك في سياق تصاعد استراتيجية “الضغط الاقتصادي والعسكري” التي تنتهجها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، عبر استهداف الطرق التجارية وموارد الوقود، بما يضعف قدرة الدولة على الاستمرار في إدارة المناطق النائية ويفسد مصالحها.
الوضع الإقليمي والتحالفات المتغيرة
تتزامن هذه التطورات مع استمرار إعادة تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة:
- الحكومة المالية: تعتمد على دعم عسكري روسي (قوات Africa Corps/فاغنر سابقًا) وعلى تحالف دول الساحل (مالي – النيجر – بوركينا فاسو).
- الجماعات الجهادية، تنظيمي القاعدة والدولة (JNIM وISGS): تواصل توسيع نفوذها في المناطق الحدودية.
- الحركات الأزوادية تتحرك بين التمرد السياسي والعمل العسكري وفق ظروف ميدانية متغيرة.
ورغم الدعم الخارجي، تشير المعطيات إلى أن الدولة المالية تواجه ضغطًا متزايدًا في أكثر من جبهة، خصوصًا مع تكرار الهجمات العميقة داخل البلاد.
كيف تتعاون السلفية الجهادية مع الوطنية القومية؟
حركة أزواد هي حركات قومية/انفصالية. هدفها سياسي وهو استقلال إقليم أزواد أو الحصول على حكم ذاتي موسع. عقيدتها ليست “جهادية عابرة للحدود”، بل هي حركة وطنية تدافع عن حقوق القوميات (طوارق، عرب، وسونغاي) في الشمال. بينما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM): هي جماعة سلفية جهادية (فرع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي). هدفها إقامة “إمارة إسلامية” وتطبيق الشريعة الإسلامية بتصور عابر للحدود، وهي تعادي الدولة المالية والوجود الأجنبي من منطلق ديني عقدي.
هل هم في “تحالف واحد”؟
رسمياً: لا يوجد تحالف معلن أو غرفة عمليات مشتركة تجمع الطرفين. بل في كثير من الأحيان، وقعت بينهما صدامات دموية في السنوات الماضية بسبب اختلاف الأجندات.
ميدانياً: نعم، هناك “تنسيق ضرورة” أو “عدم اعتداء”. وما يحدث الآن يصفه المراقبون بـ”التحالف التكتيكي غير المعلن”، حيث يرى الطرفان في العدو المشترك: الجيش المالي وقوات “الفيلق الأفريقي” الروسي تهديداً وجودياً لهما.
توزيع الأدوار الجغرافي: بينما تركز حركة أزواد على السيطرة على المدن الكبرى في الشمال (مثل كيدال وغاو)، استغلت “نصرة الإسلام” انشغال الجيش لتضرب في العمق (باماكو وكاتي).
تجنب الصدام البيني: في الهجوم الأخير على غاو، لوحظ دخول الطرفين للمدينة، وهو ما يشير إلى وجود تفاهمات ميدانية لتقاسم السيطرة مؤقتاً لإسقاط النظام العسكري.
كيف يجتمعون وهم مختلفون عقدياً؟
هذا السؤال هو جوهر التعقيد في الساحل الإفريقي، والسبب يعود لعدة عوامل:
- البُعد القبلي والاجتماعي: الكثير من مقاتلي “حركة أزواد” ومن مقاتلي “نصرة الإسلام” ينتمون لنفس القبائل (خاصة الطوارق والفلان). الروابط القبلية في مالي أحياناً تكون أقوى من الروابط الاصطفافية، مما يسهل التواصل والتنسيق الميداني بين “ابن العم” في الحركة القومية و”ابن العم” في الجماعة الجهادية.
- البراغماتية العسكرية: الطرفان أدركا أن قتال “روسيا والجيش المالي يتطلب تجميد الخلافات البينية. فحركات أزواد تحتاج لضغط جماعة نصرة الإسلام والمسلمي” على العاصمة باماكو لتخفيف الضغط عنها في الشمال، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين تحتاج لنفوذ الأزواديين في الشمال لتأمين خطوط إمدادها والوصول للعاصمة.
- فشل الحلول السياسية: انهيار “اتفاق الجزائر للسلام” جعل الحركات القومية (أزواد) تشعر باليأس من الحلول السياسية، مما دفعها لتبني خيارات عسكرية تتقاطع موضوعياً مع تحركات الجماعات الجهادية.
ما تراه اليوم ليس “اندماجاً عقائدياً”، بل هو “تعاون مصلحة عسكري”. فالطرفان يريدان إسقاط نظام أسيمي غويتا، لكن بمجرد سقوط النظام (إذا حدث)، من المتوقع أن ينفجر الصراع بينهما؛ لأن رؤية “أزواد” لدولة مستقلة علمانية أو وطنية تتصادم تماماً مع رؤية “النصرة” لإمارة إسلامية مستقلة.
مستقبل الصراع في مالي
إذا أردنا قراءة مستقبل مالي بواقعية، فلا ينبغي أن نبحث عن “حسم قريب”، بل عن مسارات متوازية تتصارع داخل دولة فقدت توازنها. مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الأجندات بين الحركات الأزوادية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، إضافة إلى حضور تنظيم الدولة والإسلامية، والسلطة العسكرية في باماكو، يجعلنا أمام مشهد قابل للتشظّي أكثر من كونه متجهًا إلى الاستقرار.
وفيما يلي أبرز السيناريوهات الممكنة
السيناريو الأول: “تقاسم نفوذ غير معلن”
هذا هو السيناريو الأقرب على المدى القريب في حال سقط النظام المالي. بحيث يبقى الشمال بيد الحركات الأزوادية (حكم شبه ذاتي). أما الوسط والجنوب فبيد نصرة الإسلام والمسلمين والتي إذا سيطرت على العاصمة قضت على نفوذ النظام المالي في البلاد وأقامت إمارتها الإسلامية.
وهذا السيناريو لا يحتاج اتفاقًا، بل يكفي استمرار التوازن الهش. فيما تبقى المناطق المتنازع عليها بحدود متحركة وقابلة للتغيير.
السيناريو الثاني: “تحالف اضطراري مؤقت”
قد يحدث تقارب ميداني أوسع بين الأزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ليس بدافع الاتفاق الفكري، بل كضغط عسكري يتخذ شكل تنسيق عملياتي وتقاسم جغرافي لمواجهة أي تكتيك مضاد من حكومة مالي وفاغنر، ونتائجه تتعلق بمدى القدرة على التخلص من العدو المشترك. لكنه تحالف يحمل داخله بذور انهياره، لأن مشروع أزواد القومي محلي لا يمكن أن ينسجم طويلًا مع مشروع جهادي عابر للحدود. ما يُنذر بمرحلة صراع على السلطة بين جماعة نصرة الإسلام والأزواديين قادمة. لكن هناك احتمال أن ينتهي هذا المسار باتفاق سياسي بين الطرفين وتسوية بدون قتال.
السيناريو الثالث: “صدام داخلي بين الحلفاء المؤقتين”
هذا سيناريو محتمل جدًا على المدى المتوسط. بعد تراجع النظام المالي، يُتوقع أن تبدأ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتمدد داخل مناطق الشمال خاصة بعد تثبيت قواعدها في العاصمة.
وهو سيناريو مفتوح أمام احتمال تدخلات إقليمية ودولية تصطف في جانب الأزواديين لمنع تمدد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. مما يزيد المشهد تعقيدًا وتأزمًا.
السيناريو الرابع: “عودة الدولة وبقاء الوضع معلقا”
وهو احتمال يتطلب دعما عسكريا خارجيا فعالا وإعادة بناء الجيش المالي وربما تسوية سياسية، لتقاسم البلاد أو العودة إلى حالة الوضع المعلّق. لكن الواقع الحالي (من حيث انسحاب القوى الدولية وتعقيد الميدان) يجعل هذا السيناريو صعبًا.
السيناريو الخامس: “تفكك شامل”
وهو أسوأ السيناريوهات، لكنه ليس بعيدًا حيث يرافق الانهيار الكامل للسلطة المركزية تحوّل مالي إلى مناطق قبلية وإمارات محلية وصراعات مفتوحة بلا قيادة مركزية خاصة مع تدخل أطراف أخرى مثل تنظيم الدولة الإسلامية، وتتحول مالي لمستنقع لا تنتهي حروبه ومساحة صدام مشاريع لا تتوقف عند حد.
العامل الحاسم للسيطرة
ليس فقط القوة العسكرية، بل في قدرة كل طرف على إدارة الأرض لا مجرد السيطرة عليها
وفي كسب الحاضنة الشعبية وامتلاك القدرة على التعامل مع التنوع العرقي والديني الذي تعرفه المنطقة.
مستقبل مالي لن يُحسم بين “رابح وخاسر” بسرعة، بل يتجه نحو تعدد مراكز القوة، وتعايش هش، قابل للتحول في أي لحظة إلى صدام شامل.
وتبقى جميع القراءات مرتهنة بالوضع الميداني وتطورات خريطة السيطرة. مع التنبيه إلى أنه إلى غاية لحظة كتابة هذا التقرير لم تصدر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أي بيان رسمي عن التطورات الميدانية رغم توثيق العدسات المحلية لدخول مقاتليها العاصمة المالية باماكو. كما لم يظهر تنظيم الدولة الإسلامية أي تحركات ميدانية في خضم التطورات الجديدة.
المراجع
[1] الجزيرة نت. (2006). الأزواد وتاريخ من الصراع في مالي.
[2] قراءات إفريقية. (2017). قراءة في النزاع المسلح في مالي.
[3] مجلة البيان. (2023). طوارق أزواد وحكومات مالي: حربٌ طاحنة وسلامٌ هش.
[4] ScienceDirect. Identity and Conflict: Evidence from the Tuareg Rebellion in Mali.
[5] Clingendael Institute. The Roots of Mali’s Conflict.
[6] مجلس الأمن الدولي. Jama’at Nusrat al-Islam wal-Muslimin (JNIM).
[7] SSI Army War College. Conflict and Conflict Resolution in the Sahel: The Tuareg Insurgency in Mali.
[8] CSIS. (2021). Examining Extremism: Jama’at Nasr al-Islam wal Muslimin.
[9] Australian National Security. Jama’at Nusrat al-Islam wal-Muslimin.
[10] الجزيرة نت. (2024). تفاصيل جديدة عن هزيمة فاغنر في مالي.
[11] العربي الجديد. (2024). شمال مالي: مسلحو الطوارق يعلنون مقتل عناصر من فاغنر والجيش المالي.
[12] مركز الجزيرة للدراسات. (2024). أحداث باماكو: قوة الهجوم أم ضعف الدفاع؟.
[13] Middle East Online. (2025). مالي تستبعد سقوط باماكو في يد القاعدة.
[14] القاهرة الإخبارية. (2023). دلالات تشكيل تحالف دول الساحل (AES).
[15] الجزيرة نت. (2025). تحالف دول الساحل: تكتل أفريقي يتحدى النفوذ الفرنسي.
[16] International Crisis Group. Mali: Security, Dialogue and Reform.
[17] ACLED. Armed Conflict Data on Mali and the Sahel.





اترك تعليقاً